1.47 مليار دولار… حكمٌ يُعيدُ رَسمَ العلاقة النفطية بين العراق وتركيا

حكمٌ بقيمة 1.47 مليار دولار منح العراق انتصارًا قانونيًا على تركيا، لكنه فتح في المقابل معركة أكثر تعقيدًا حول تحصيل الأموال ومستقبل العلاقة النفطية بين بغداد وأنقرة.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي: بغداد تدخل مرحلة التفاوض من موقع قانوني أكثر قوة.

أومود شُكري*

حقق العراق انتصارًا قانونيًا جديدًا في نزاعه الطويل مع تركيا حول صادرات نفط إقليم كردستان، بعدما رفضت محكمة الاستئناف في باريس طلب أنقرة إلغاء جُزء من قرار التحكيم الدولي الصادر عام 2023، والذي حمّلها مسؤولية تصدير النفط الكردي عبر خط أنابيب جيهان من دون موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد.

ويعزز الحكم، الذي صدر في مارس (آذار) الماضي وكُشف عنه في تموز (يوليو)، موقف العراق القانوني ويكرّس مبدأً بالغ الأهمية، مفاده أنَّ التعامل مع صادرات النفط العراقية لا يمكن أن يتم خارج سلطة الحكومة الاتحادية، حتى في ظل العلاقات السياسية والاقتصادية الوثيقة التي تربط تركيا بحكومة إقليم كردستان.

غير أنَّ هذا الانتصار القضائي لا يعني بالضرورة أنَّ بغداد باتت على وشك استعادة مبلغ التعويض البالغ 1.47 مليار دولار. فتركيا لم تسدد حتى الآن أي جزء من المبلغ، فيما بدأ الخلاف ينتقل من شرعية الحكم إلى آليات تنفيذه، ولا سيما ما يتعلق بالفوائد المتراكمة والحقوق المالية المتبادلة بين الطرفين، وهي قضايا قد تطيل أمد النزاع لسنوات أخرى.

وتعود جذور القضية إلى عام 2014، عندما لجأت بغداد إلى التحكيم الدولي بعدما سمحت أنقرة لحكومة إقليم كردستان بتصدير النفط عبر خط أنابيب جيهان من دون موافقة وزارة النفط العراقية، رُغمَ أنَّ اتفاقيات تشغيل الخط تمنح الحكومة الاتحادية وحدها حق الإذن بأيِّ عملياتٍ تتعلق بنقل النفط العراقي أو تخزينه أو تحميله. وبعد سنوات من المرافعات، خلصت هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية إلى أنَّ تركيا أخلّت بالتزاماتها التعاقدية خلال عامي 2014 و2018، وقضت بمنح العراق تعويضات مالية، مع قبول بعض المطالبات المقابلة التي تقدّمت بها أنقرة والمتعلّقة برسوم النقل.

لكن جوهر القضية لا يقتصر على قيمة التعويض المالي، بل يمتد إلى تثبيت المرجعية القانونية للحكومة العراقية في إدارة صادرات النفط. فالحُكمُ يبعث برسالةٍ واضحة مفادها أنَّ أيَّ ترتيباتٍ نفطية مع إقليم كردستان لا يمكن أن تتجاوز بغداد، وهو ما يفرض قيودًا قانونية على أيِّ تعاونٍ مستقبلي بين أنقرة وأربيل خارج إطار الحكومة الاتحادية.

الانتصار القانوني… والتحدي الأصعب

ومع ذلك، فإنَّ كسب الدعوى لا يعني كسب الأموال. فتركيا تتمسّك بأنَّ الفوائد المستحقة على المطالبات التي كسبتها بشأن رسوم النقل ينبغي احتسابها ضمن التسوية النهائية، وقد تقلب ميزان الحسابات المالية بين الطرفين. أما بغداد، فترفض هذا التفسير، مُعتبرةً أنَّ هذه المطالبات منفصلة عن إجراءات إلغاء الحكم ولا تؤثر في قيمة التعويض الذي أقرّته هيئة التحكيم، وهو الموقف الذي عزّزته أيضًا إجراءاتها أمام القضاء الأميركي لتأكيد الحكم الصادر في باريس.

وتزداد الصورة تعقيدًا عند الانتقال من الحكم إلى التنفيذ. فبموجب اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية، يمتلك العراق أساسًا قانونيًا للمطالبة بتنفيذ الحكم، إلّا أنَّ الحصول على الأموال ليس إجراءً تلقائيًا.

وفي المقابل، تمنح هذه التعقيدات أنقرة هامشًا واسعًا للمناورة والتفاوض، سواء عبر تقسيط التعويضات، أو إجراء مقاصة مع مستحقات أخرى، أو إعادة التفاوض على رسوم عبور النفط، وربما إدراج الملف برمته ضمن اتفاق أشمل ينظم مستقبل خط أنابيب العراق–تركيا والعلاقات النفطية بين بغداد وأربيل وأنقرة.

لكن حتى إذا نجح العراق في تحصيل مبلغ التعويض، فلن تنتهي القصة عند هذا الحد. فإدارة هذه الأموال ستخضع بدورها لاختبار الشفافية، في ظلِّ ما يواجهه العراق منذ سنوات من انتقادات تتعلق بالفساد والمحاصصة السياسية وسوء إدارة المال العام. ولذلك، سيكون من مصلحة الحكومة أن تتعامل مع التعويض باعتباره قضية تتعلق بثقة الرأي العام بقدر ما تتعلق بالحقوق القانونية، عبر إيداع الأموال مباشرة في الخزينة العامة، والإفصاح عن جميع النفقات القانونية والاستقطاعات، وإخضاع العملية لرقابة وتدقيق مستقل.

من التعويض إلى إعادة رسم العلاقة النفطية

وفي الوقت نفسه، لا يبدو أنَّ بغداد ستتعامل مع الملف بمنطق المنتصر الذي يسعى إلى تحصيل كامل مستحقاته بأيِّ ثمن. فرُغم أنَّ الحكومة العراقية تمتلك اليوم موقفًا قانونيًا أكثر قوة، فإنها تدرك أيضًا أن علاقاتها مع تركيا تتجاوز نزاع التحكيم. فأنقرة تمثّل أحد أهم الشركاء التجاريين للعراق، وتشكل بوابته البرية إلى الأسواق الأوروبية والبحر الأبيض المتوسط، فضلًا عن كونها شريكًا رئيسيًا في ملفات الأمن والطاقة والاستثمار. ولهذا، قد تفضل بغداد توظيف هذا الانتصار القانوني لتعزيز موقعها التفاوضي، بدلًا من تحويله إلى أزمة سياسية جديدة مع أنقرة.

وفي الواقع، لم يؤدِ النزاع القانوني إلى تعطيل مستقبل خط الأنابيب بقدر ما أعاد رسم قواعد تشغيله. فقد استؤنفت صادرات نفط إقليم كردستان في أيلول (سبتمبر) 2025 بعد اتفاق بين بغداد وأربيل وشركات النفط الدولية منح شركة تسويق النفط العراقية (سومو) الدور المركزي في إدارة الصادرات. ومع ذلك، بقيت الكميات المصدرة أقل بكثير من الطاقة التصميمية للخط، وهو ما يعكس أنَّ التحدي لم يعد تقنيًا بقدر ما أصبح سياسيًا وتجاريًا، ويتطلب تفاهمات أكثر استقرارًا بين جميع الأطراف.

ومن هنا، تتجاوز أهمية حكم باريس مسألة التعويض المالي. فالمفاوضات المقبلة بين العراق وتركيا لن تقتصر على آلية سداد المبلغ المحكوم به، بل ستشمل مستقبل خط الأنابيب نفسه، بما في ذلك صلاحيات التشغيل، ورسوم العبور والتحميل، والاستثمارات المطلوبة لتطوير البنية التحتية، والضمانات القانونية التي تمنع تكرار النزاع مستقبلًا.

ولكلِّ طرفٍ أولوياته. فتركيا تسعى إلى زيادة كميات النفط المارة عبر خط جيهان واستعادة جدواه الاقتصادية، مع الحصول على ضمانات قانونية تحميها من دعاوى جديدة. أما العراق، فيُركّز على تثبيت سلطة الحكومة الاتحادية على جميع صادرات النفط، وضمان وصولٍ مستقر إلى ميناء جيهان، وتحقيق عائدات عادلة من عمليات النقل والتصدير. وبين هذين الهدفين، تبدو التسوية السياسية أكثر واقعية من استمرار المواجهة القضائية.

وفي المحصّلة، منح قرار محكمة باريس بغداد انتصارًا قانونيًا مهمًا، لكنه لم ينهِ الخلاف، بل نقل مركزه من قاعة التحكيم إلى طاولة التفاوض. فقد عزز الحكم موقع الحكومة الاتحادية ورسخ مبدأ أنَّ إدارة صادرات النفط العراقية لا يمكن أن تتمَّ خارج سلطتها، لكنه أكد في الوقت نفسه أنَّ المصالح الاقتصادية المتبادلة بين العراق وتركيا، والعلاقة المعقدة بين بغداد وأربيل، تجعل من التعاون خيارًا لا غنى عنه.

وبذلك، فإن القيمة الحقيقية للحكم لا تكمن في مبلغ 1.47 مليار دولار وحده، بل في إعادة رسم قواعد العلاقة النفطية بين بغداد وأنقرة، وترسيخ مبدأ أنَّ أيَّ شراكة مستقبلية في قطاع الطاقة لن تستقرَّ إلّا على أساس احترام السيادة العراقية، والشفافية في إدارة الموارد، والتفاهم بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان فهناك لن يُحسم فقط مستقبل خط جيهان، بل ستُرسم أيضًا قواعد العلاقة النفطية بين بغداد وأنقرة لسنوات مقبلة، وربما ملامح السياسة النفطية العراقية نفسها.

Exit mobile version