من الديبلوماسية إلى الملاعب… كيف جَعَلَ المغرب الهويّة أداةً للسيادة؟

منذ أن كان أول بلد يعترف بالولايات المتحدة، سعى المغرب إلى صياغة سياساته بعيدًا من إملاءات القوى الكبرى. واليوم، يتجلى هذا النهج في ميدان مختلف؛ إذ تحولت كرة القدم إلى امتداد لرؤية الدولة في تعريف المواطنة وتعزيز السيادة الوطنية.

الملكان الحسن الثاني ومحمد الخامس: الأول شدّد على أنَّ الهجرة لا تنزع عن المغاربة هويتهم الوطنية والثاني اعتبر المغاربة في الخارج “أحد الأصول الاستراتيجية للمغرب الجديد”.

هند ب. رايت*

قبل نحو قرنين ونصف، دَوَّنَ المغرب اسمه في سجل التاريخ الأميركي باعتباره أوّل دولة تعترف رسميًا بالولايات المتحدة بعد استقلالها. ففي عام 1777، أصدر السلطان سيدي محمد بن عبد الله مرسومًا يقضي بفتح الموانئ المغربية أمام السفن التي ترفع العلم الأميركي، في خطوةٍ حملت أبعادًا سياسية تجاوزت بُعدَها التجاري. وبعد تسع سنوات، تُوِّجَ هذا المسار بتوقيع “معاهدة السلام والصداقة” بين البلدين، التي تفاوض بشأنها السلطان مع الرئيسين الأميركيين جون آدامز وتوماس جيفرسون عبر مبعوثهما توماس باركلي، لتصبح لاحقًا أقدم معاهدة لا تزال سارية المفعول في تاريخ الولايات المتحدة.

ولم يكن هذا التقارب مجرّد مبادرة ديبلوماسية مبكرة، بل عكس أيضًا رغبة مغربية في انتهاج سياسة خارجية مستقلة عن مراكز النفوذ الأوروبية التي كانت تتنافس آنذاك على توسيع حضورها في شمال أفريقيا، ولا سيما فرنسا. ومن خلال إقامة علاقة مباشرة مع الدولة الأميركية الناشئة، رسّخ المغرب مبدأ السيادة والاستقلالية في إدارة شؤونه الخارجية، وهو المبدأ الذي سيظلُّ أحد المرتكزات الأساسية للدولة المغربية عبر مراحلها اللاحقة.

من الديبلوماسية إلى الهوية… السيادة المغربية عبر الزمن

وبعد ما يقرب من 250 عامًا، عاد هذا المفهوم نفسه ليظهر في سياقٍ مختلف تمامًا، لكن بالروح ذاتها. فبدلًا من ساحات الديبلوماسية، انتقل إلى ملاعب كرة القدم، حيث أعاد المغرب توظيف فكرة السيادة في تعريف الهوية الوطنية والمواطنة. وخلال بطولة كأس العالم 2026، لفت “أسود الأطلس” الأنظار عندما ضمّت تشكيلتهم، لمدة 25 دقيقة في مباراتهم مع البرازيل، أحد عشر لاعبًا ولدوا جميعًا خارج المغرب، لكنهم اختاروا الدفاع عن علمه.

وتُجسّد مسيرة عدد من هؤلاء اللاعبين هذا التحوُّل بوضوح. فقد وُلد حارس المرمى ياسين بونو في كندا، فيما أبصر كل من عيسى ديوب ونائل (نيل) العيناوي وأيوب بوعدي وسمير المرابط النور في فرنسا، بينما وُلد لاعبون آخرون في دول أوروبية مختلفة. أما إسماعيل صيباري، أحد أبرز نجوم المنتخب، فقد وُلد في إسبانيا لأبوين مغربيين، وترعرع جزئيًا في بلجيكا، وكان بإمكانه تمثيل أي من البلدين، لكنه اختار المغرب، مؤكدًا أن قرارًا من هذا النوع “يجب أن ينبع من القلب”.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على المغرب وحده، بل أصبحت سمة متزايدة في كرة القدم الدولية. فقد أظهرت بيانات أعدها باحثون من جامعة أكسفورد أنَّ اللاعبين المولودين خارج الدول التي يمثلونها شكّلوا أكثر من 16 في المئة من إجمالي المشاركين في مونديال قطر 2022، قبل أن ترتفع هذه النسبة إلى نحو 23 في المئة في البطولة الأخيرة. ويعزو الباحثون هذا التحوُّل إلى عوامل متداخلة، تشمل تغيُّر أنماط الهجرة، واتساع الجاليات العابرة للحدود، فضلًا عن الاعتبارات السياسية والثقافية التي تؤثر في خيارات اللاعبين.

إلّا أنَّ التجربة المغربية تتجاوز، في كثير من جوانبها، السردية التقليدية المرتبطة بهوية أبناء المهجر. فاختيارات لاعبي “أسود الأطلس” لم تكن مجرّد انعكاسٍ لروابط عائلية أو عاطفية، بل جاءت أيضًا ثمرة رؤية سياسية طويلة الأمد تقوم على توسيع مفهوم المواطنة خارج الحدود الجغرافية للدولة. ومن هذه الزاوية، يبدو أنَّ المغرب أعاد إنتاج الفكرة نفسها التي حكمت سياسته الخارجية في القرن الثامن عشر، حين اختار مخاطبة الولايات المتحدة مباشرة بعيدًا من الوصاية الأوروبية؛ إذ بات اليوم يحدد بنفسه من ينتمي إلى الأمة المغربية، بغض النظر عن مكان الولادة أو الإقامة.

الجالية المغربية… امتداد للدولة لا مجرد مهاجرين

ورُغمَ أنَّ الحقبة الاستعمارية عطلت هذا المسار لعقود، فإنَّ الدولة المغربية عملت منذ الاستقلال عام 1956 على إعادة ترسيخ مفهوم السيادة الوطنية، مع إيلاء الجالية المغربية في الخارج مكانة محورية في هذا المشروع. وتجسّدَ هذا التوجُّه بوضوح في عهد الملك الحسن الثاني (1961-1999)، الذي شدد في أكثر من مناسبة على أنَّ الهجرة لا تنزع عن المغاربة هويتهم الوطنية. ففي مقابلة أجراها عام 1989 مع صحافي فرنسي، أكد أنه لا يرى أيَّ فرقٍ بين المغاربة الذين ولدوا ونَشَؤوا داخل البلاد وأولئك الذين ولدوا وترعرعوا في فرنسا، معتبرًا أنَّ الانتماء إلى الوطن لا تُحدّده الجغرافيا، بل رابطة المواطنة التي تظل قائمة أينما وجد المواطن المغربي.

وفي المقابل، لم يُخفِ الملك الحسن الثاني شكوكه في قدرة المجتمعات الأوروبية على استيعاب المهاجرين المغاربة بصورة كاملة. فقد كان يرى أنَّ الاندماج، مهما بلغ، لن يمحو النظرة التي تربطهم بأصولهم الأفريقية، وأنَّ الوعود الأوروبية بالمساواة تبقى، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الخطاب منها إلى الواقع. وفي مقابلة تلفزيونية مع إحدى القنوات الفرنسية، تساءل كيف يمكن للمهاجرين أن يندمجوا في مجتمعات لا يزالون يتعرَّضون فيها للإهانات العنصرية، مُعتبرًا أنَّ فكرة الاندماج الكامل ليست سوى وَهم يصطدم بالتمييز الذي يواجهه أبناء الجاليات المهاجرة.

ولم تكن هذه القراءة بعيدة من واقع المغاربة في فرنسا. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان يُنظر إلى المغاربة المقيمين هناك، رسميًا، بوصفهم “عمالًا مغاربة في الخارج”، وهي تسمية تعكس تصوُّرًا بأنَّ وجودهم مؤقت ومرتبط بسوق العمل لا أكثر. غير أنَّ هذا الواقع تبدّل تدريجيًا مع استقرار أعداد كبيرة منهم في أوروبا، لتتحوَّل الهجرة من تجربة فردية عابرة إلى مجتمعات عائلية متعددة الأجيال، باتت تشكل جُزءًا من النسيج الاجتماعي في البلدان الأوروبية.

وفي مواجهة هذا التحوُّل، سعت الدولة المغربية إلى ترسيخ علاقة مؤسساتية مع جاليتها في الخارج، بما يضمن استمرار ارتباطها بالوطن الأم. وفي هذا السياق، أنشأ الملك الحسن الثاني، في تموز (يوليو) 1990، مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، بالتزامن مع اعتماد مصطلح “المغاربة المقيمون في الخارج” بدلًا من التسميات السابقة. ولم يكن هذا التغيير مجرّد تعديلٍ لغوي، بل عكس تحوُّلًا في فلسفة الدولة تجاه جاليتها، باعتبارها امتدادًا دائمًا للمجتمع المغربي، يُنتظر منه الحفاظ على ارتباطه الثقافي والوطني، إلى جانب مساهمته الاقتصادية، بصرف النظر عن مكان إقامته.

ومع تولّي الملك محمد السادس العرش عام 1999، اكتسب هذا التوجُّه بُعدًا أكثر وضوحًا. فقد اعتُبِرَ المغاربة المقيمون في الخارج “أحد الأصول الاستراتيجية للمغرب الجديد”، وأصبح استقطابهم وإشراكهم في المشروع الوطني جُزءًا من سياسة الدولة. ومن أبرز تجليات هذا النهج إطلاق عملية “مرحبا” عام 2001، وهي مبادرة سنوية تُنظَّم لتسهيل عودة أفراد الجالية إلى المغرب خلال فصل الصيف (من حزيران/يونيو-إلى أيلول/سبتمبر)، عبر منظومة واسعة من الخدمات اللوجستية والإدارية. وفي نسخة عام 2026، التي انطلقت في العاشر من حزيران (يونيو)، شملت العملية 26 مركز استقبال موزعة بين المغرب وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، استعدادًا لاستقبال نحو 4.2 ملايين مسافر.

غير أنَّ “مرحبا” تتجاوز كونها برنامجًا لتسهيل السفر أو مناسبة رمزية لعودة المهاجرين إلى وطنهم. فهي تمثل، في جوهرها، أداة من أدوات السياسة العامة التي تعتمدها الدولة للحفاظ على تماسك الجالية وربطها بالمغرب. ورغم الانتقادات التي ترى في هذا النهج اختزالًا للجالية في بُعدِها الاقتصادي، فإنَّ المقاربة المغربية تبدو أقرب إلى سياسة واقعية تستثمر في الرأسمال البشري المنتشر خارج الحدود، وتتعامل معه باعتباره امتدادًا للسيادة الوطنية، لا مجرّد مصدر للتحويلات المالية.

كرة القدم في خدمة مشروع الدولة

ومن هذا المنظور، يمكن فهم نجاح المغرب في استقطاب لاعبين ولدوا ونشَؤوا في أوروبا لتمثيل المنتخب الوطني. فالأمر لا يتعلق فقط بروابط عائلية أو مشاعر انتماء، بل هو نتيجة استراتيجية طويلة الأمد هدفت إلى الحفاظ على الصلة بين الدولة وأبنائها أينما كانوا، وإلى منح المغرب القدرة على تحديد مفهوم المواطنة والانتماء بعيدًا من التصنيفات التي تفرضها دول الإقامة.

وقد عكست مشاركة “أسود الأطلس” في كأس العالم هذا المسار بوضوح. فبعد فوزهم على المنتخب الكندي، صاحب الأرض، في الرابع من تموز (يوليو)، الذي صادف الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، انتهت رحلتهم عند الدور ربع النهائي إثر خسارة جديدة أمام فرنسا، للمرة الثانية تواليًا في هذا الدور. إلّا أنَّ نتائج البطولة لا تبدو سوى محطة ضمن مشروع أوسع. فبعد أيام قليلة من نهاية المشاركة، أعلن الاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم إطلاق التحضيرات للدورة المقبلة، فيما يواصل جهاز الكشّافين التابع له متابعة المواهب المغربية المنتشرة في أنحاء أوروبا، مستندًا إلى قاعدة بيانات تضم نحو ثلاثة آلاف لاعب من أصول مغربية، بعضهم لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. وهو ما يعكس أنَّ الرهان المغربي لا يقتصر على بطولة بعينها، بل يقوم على بناء منظومة مستدامة تجعل من الجالية أحد أهم روافد القوة الوطنية، داخل الملعب وخارجه.

وسيبلغ هذا المشروع ذروة رمزيته عام 2030، عندما يستضيف المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، نهائيات كأس العالم في الذكرى المئوية لانطلاق البطولة. وتحمل هذه الاستضافة المشتركة دلالات تتجاوز البُعدَ الرياضي؛ فإسبانيا تحتضن ثاني أكبر جالية مغربية في العالم، فيما يواصل المنتخب المغربي استقطاب عدد متزايد من اللاعبين المنحدرين منها. والمفارقة أنَّ الملاعب التي ستستضيف البطولة شُيّد كثير منها، أو جرى تحديثه، بجهود آلاف العمال المغاربة الذين أسهموا على مدى عقود في بناء البنية التحتية الإسبانية، في وقت يشكل المغاربة اليوم أكبر جالية عاملة أجنبية في البلاد. وبعد جيل أو جيلين، قد تتحول هذه الملاعب نفسها إلى الساحة التي يختار فيها أبناء أولئك العمال وأحفادهم تمثيل المغرب على أكبر منصة كروية في العالم.

لقد تبدل العالم كثيرًا منذ عام 1786، حين اختار المغرب إقامة علاقة مباشرة مع الولايات المتحدة الناشئة، متجاوزًا القوى الأوروبية المهيمنة آنذاك. فالدولة الفتية أصبحت قوة عالمية، فيما تغيرت خرائط النفوذ والهجرة والهوية. لكن ثمة خيطًا ناظمًا بقي حاضرًا في السياسة المغربية عبر القرون، يتمثل في سعي الدولة إلى الاحتفاظ بحقها في تعريف مَن ينتمي إلى الأمة المغربية، وفق رؤيتها هي، لا وفق التصنيفات التي تفرضها دول الإقامة. ومن هذه الزاوية، لا يبدو المنتخب المغربي مجرّد فريق لكرة القدم، بل تجسيدًا معاصرًا لفلسفة سياسية ممتدة، ترى في أبناء الجالية امتدادًا للسيادة الوطنية، حتى وإن وُلدوا وترعرعوا في مدريد أو باريس أو بروكسل أو أمستردام.

Exit mobile version