هل حانَ وقت رحيل أميركا عن الشرق الأوسط؟

بعد عقودٍ من الهيمنة الأمنية، كشفت الحرب مع إيران حدود القوة الأميركية وأعادت طرح سؤال الانسحاب من المنطقة. فهل يكون تراجع واشنطن بداية فراغ استراتيجي، أم فرصة لشرق أوسط أقل اعتمادًا عليها؟

دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو… تحالفٌ وثيق قيّد خيارات واشنطن في الشرق الأوسط.

مايكل يونغ*

أعاد الفشل الذريع للحرب الأميركية ضد إيران إلى الواجهة سؤالًا طُرِحَ للمرة الأولى قبل نحو عقد ونصف: هل سيكون من الأفضل أن تُسرّع الولايات المتحدة انسحابها من الشرق الأوسط، المنطقة التي هيمنت عليها منذ نهاية الحرب الباردة؟

هناك ثلاثة أسباب على الأقل تجعل الإجابة، من داخل المنطقة نفسها، هي “نعم”. أوّلها أنَّ النموذج الأميركي السائد في التعامل مع الشرق الأوسط، والقائم على الهيمنة الأمنية، قد فشل. فقد قوّضَ الصراع مع إيران الاعتقاد بأنَّ الولايات المتحدة قادرة على توفير مظلة حماية موثوقة لدول الخليج، بعدما تعرّضت منظومة القواعد العسكرية الأميركية لأضرارٍ جسيمة جرّاء الصواريخ الإيرانية، ما أجبر القوات الأميركية على الانسحاب إلى الأردن وإسرائيل. ومع غياب شبكة القواعد هذه، وبعدما أثبتت طهران قدرتها على تحييدها، تراجعت إلى حدٍّ كبير قدرة واشنطن على إقناع دول الخليج بإعادة تفعيل هذه المنشآت بهدف احتواء إيران.

ولفترة وجيزة، ولا سيما خلال غزو العراق، استُبدِلَ هذا النموذج الأمني بنهجٍ آخر لا يقل عنه قصر نظر، ويمكن وصفه فعليًا بأنه “إمبريالي جديد”. ومن اللافت كيف تشكّلَ التفكير الأميركي تجاه الشرق الأوسط الأوسع تحت تأثير نمطَين من السلوك يُثيران استياءً عميقًا في المنطقة: السلوك الإسرائيلي والسلوك البريطاني.

فقد استعار الأميركيون من الإسرائيليين نزعة استخدام القوة لإعادة تشكيل الواقع السياسي، انطلاقًا من قناعة مفادها أنَّ ممارسة قدر كافٍ من الضغط العسكري على دول المنطقة كفيلة بدفعها إلى الانهيار والاستسلام. غير أنَّ إيران، التي تُعد هي نفسها قوة إمبريالية جديدة من نواحٍ عديدة، أظهرت ما يمكن تحقيقه عندما يدخل طرفٌ ما الصراع وهو على أتمِّ الاستعداد، وكيف يمكن توظيف عناصر القوة بأساليب مدروسة بعناية لاستغلال نقاط ضعف الخصم ودفع الأميركيين والإسرائيليين إلى موقف دفاعي وإجبارهما على التراجع.

أما في ما يتعلق ببريطانيا، فقد طغى الحنين إلى الحقبة الإمبريالية على تفكير صنّاع القرار في واشنطن خلال المرحلة التي أعقبت غزو العراق عام 2003، عندما عينت إدارة جورج بوش (الابن) بول بريمر حاكمًا مدنيًا فعليًا في بغداد. وفي ذلك الوقت، جرى التخلّي عن الخطة التي كانت تهدف إلى تمكين العراقيين أنفسهم من ملء الفراغ الذي خلفه نظام البعث وإدارة شؤونهم بأنفسهم، والمعروفة باسم “مشروع مستقبل العراق”، فيما اتجه المسؤولون في واشنطن إلى استنساخ صيغة مشوَّهة من نموذج الحكم البريطاني الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى. وعلى نحوٍ مماثل، دأبت الولايات المتحدة على دعم هياكل سياسية في المنطقة، تحت ستار التغيير، تعمل في الواقع على ترسيخ أنظمة السيطرة التي تسعى واشنطن إلى الحفاظ عليها، كما هي الحال في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إسرائيل… حين يتحوّل التحالف إلى قيد

وهناكَ سببٌ ثانٍ يدعو إلى تأييد انسحاب أميركي أسرع، يتمثل في التزام واشنطن تجاه إسرائيل، وهو التزامٌ أدى إلى تشويه نظرتها إلى المنطقة. فعلى الرُغم من أنَّ كلَّ رئيسٍ أميركي تولّى السلطة منذ عهد جورج بوش (الابن) أدرك ضرورة فك الارتباط الأميركي بالشرق الأوسط، فإنَّ صنّاع القرار لم يتوصّلوا إلّا إلى قدرٍ ضئيل من التوافق حول البديل الذي ينبغي أن يملأ الفراغ. وكان الرئيس باراك أوباما يرى في إقامة توازن للقوى بين السعودية وإيران حجر الزاوية لاستقرار المنطقة، وهي رؤية عبّر عنها بوضوح في مقابلته المطولة مع جيفري غولدبيرغ، الصحافي في مجلة “ذا أتلانتيك”، في نيسان (أبريل) 2016.

ولم يكن مُستغربًا أن تُثيرَ هذه الرؤية قلق إسرائيل وداعميها في الولايات المتحدة. فقد نظروا إلى توقيع أوباما على الاتفاق النووي مع إيران، المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، باعتباره اعترافًا بالدور الإقليمي لإيران، وهي فكرة كانت مرفوضة تمامًا بالنسبة إليهم. ومع ذلك، فإنَّ سعيهم الحثيث إلى دفع الرئيس دونالد ترامب للانسحاب من الاتفاق، الذي اكتسب طابعًا رسميًا إضافيًا عبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، كان يهدف في حقيقته إلى دفع الولايات المتحدة نحو استخدام القوة العسكرية لتدمير البرنامج النووي الإيراني، على أمل أن يتصاعد الأمر إلى حملة تستهدف تغيير النظام في طهران.

واليوم، يمكننا تأمُّل النجاح الباهر لتلك المساعي.

لكن ترامب مضى بعد ذلك أبعد من هذا، إذ قدّمَ من خلال “اتفاقيات أبراهام” نموذجًا لشرق أوسط “ما بعد أميركا”، استهدف تحقيق ثلاثة أمور مترابطة. أوّلها تهميش الفلسطينيين وقضيتهم وتقويض أي تصوُّر لإقامة دولة فلسطينية. وثانيها وضع إسرائيل في قلب “صفقة إقليمية كبرى”، تظهر فيها بوصفها العمود الفقري الأمني لنظام إقليمي جديد، فيما تُشكّلُ المصالحة العربية-الإسرائيلية عموده الفقري السياسي. أما ثالثها فكان أن يتيح الدور العسكري المحوري لإسرائيل للولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري، مع بقاء إسرائيل ضامنًا أمنيًا لشركاء واشنطن في المنطقة.

غير أنَّ عمليات القتل الجماعي التي ارتكبتها إسرائيل في غزة بدّدت ذلك الوهم. فمع تورُّط إسرائيل في جرائم مروّعة داخل القطاع، وسعيها إلى فرض وقائع جديدة على الأرض في الضفة الغربية، واحتلالها مساحات شاسعة من جنوب سوريا ولاحقًا جنوب لبنان، ومحاولتها اغتيال مسؤولين من حركة “حماس” في الدوحة، إلى جانب تعهّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتغيير وجه الشرق الأوسط، أدركت معظم الدول الموالية للولايات المتحدة في المنطقة أنَّ لديها ما يدعو إلى القلق أكثر من إيران. فقد برز احتمال ظهور “بلطجي” إقليمي جديد، مدعوم هذه المرة من الولايات المتحدة، وكان لدى تلك الدول كل الأسباب لمعارضته.

وما جعل هذا الوضع مُمكنًا هو موقف الولايات المتحدة نفسها، التي غضّت الطرف عن ممارسات إسرائيل وسعيها الحثيث إلى تنفيذ تطهير عرقي في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. كما انخرط الأميركيون في الحرب مع إيران استنادًا إلى وعود نتنياهو بتحقيق النصر. والأكثر غرابة وإثارة للدهشة أنَّ الولايات المتحدة لم تمارس أي ضغوط على الإسرائيليين لكبح عدائهم تجاه حليفتَيها، تركيا وقطر. وهذا يوضّح بجلاء أنَّ الأميركيين، سواء عن وعي أو من دونه، يمكّنون إسرائيل من ممارسة العدوان والغطرسة، فيما تتصرّف إسرائيل كما لو أنها طليقة اليدين في فعل ما تشاء، مُدركةً أنَّ الولايات المتحدة ستوفّر لها الغطاء والدعم دائمًا.

وفي ظل هذا الواقع، لا يبدو الانسحاب الأميركي السريع من المنطقة أمرًا مؤسفًا على الإطلاق.

شرق أوسط يتعلم العيش من دون أميركا

وثمة سببٌ ثالث يدعو إلى الاعتقاد بأنَّ تراجع الحضور الأميركي سيعود بالنفع على المنطقة، وهو ضعف الروابط التي تجمع الولايات المتحدة بدولها، باستثناء دولة واحدة. فالشرق الأوسط لطالما صُوِّر في نظر الأميركيين باعتباره عبئًا، ومنطقة لا تحتل سوى حيّزٍ ضئيل في المخيّلة الشعبية الأميركية. والاستثناء الوحيد، بطبيعة الحال، هو إسرائيل.

وكما كتبت الراحلة إيمي كابلان في كتابها المتميّز “إسرائيلنا الأميركية: قصة تحالف متشابك” (Our American Israel: The Story of an Entangled Alliance): إنَّ الاعتقاد بأنَّ أميركا أمّة “استثنائية” تتمتع بقوة أخلاقية وقدرات عسكرية قد رسّخ وعزّز رابطتها الخاصة بإسرائيل. فقد كان يُنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الحامي والضامن لأمن إسرائيل، تلك الجماعة الأخلاقية التي تضمُّ ناجين من معسكرات الاعتقال ومحاربين أبطالًا. وفي الوقت نفسه، كان يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها كيانًا فريدًا بحد ذاته؛ فهي دولة هشّة وفي الوقت نفسه عصيّة على الانكسار، وهي ضحية لا تُقهر”. ولا يمكن لأيِّ طرف آخر في المنطقة أن يحظى بمكانة تضاهي هذه المكانة.

وإذا كان ثمة أيُّ غموضٍ يُحيطُ بهذه المسألة، فقد بددته أحداث غزة تمامًا. فمقتل أكثر من 70 ألف شخص، وربما يفوق العدد الحقيقي ذلك بكثير، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال، على مدى عامين على يد حليف للولايات المتحدة وباستخدام أسلحة متطورة قدمتها في الغالب إدارتا جو بايدن ودونالد ترامب، ومن دون أيِّ مسعى من المسؤولين الأميركيين لوضع حد لذلك، هو أمر ما كان يمكن تصوّره إطلاقًا لو كان الضحايا إسرائيليين أو أوروبيين. كما إنَّ التعصّب الممنهج والمتأصّل ضد المسلمين لدى بعض الممثلين السياسيين في الولايات المتحدة، والصور النمطية السطحية والمبتذلة عن العرب التي تزخر بها الثقافة الشعبية الأميركية، يؤكدان أنَّ الشرق الأوسط وشعوبه لا يزالون، بالنسبة إلى كثير من الأميركيين، يمثلون عالمًا غريبًا تمامًا عنهم.

ولماذا يُعَدُّ هذا الأمر مهمًّا؟ لأنه إذا كانت علاقات الولايات المتحدة بالمنطقة قائمة حصرًا على تبادل المصالح، فلا يوجد ما يُبرّر استمرار واشنطن في أداء الدور المهيمن الذي مارسته طوال العقود الثلاثة والنصف الماضية. فقد أثبت الأميركيون عجزهم عن حماية دول الخليج، كما تواطَؤوا مع حليفهم الإقليمي الأبرز في إثارة حالة واسعة من عدم الاستقرار في المنطقة. ومن ثمَّ، لم تعد هناك جدوى تذكر من إضفاء شرعية عملية على استمرار هذه العلاقة بصورتها الراهنة.

ورُغمَ أنَّ دول الخليج ترتبط بالولايات المتحدة بروابط مالية وثيقة إلى درجة تجعل الانفصال التام عنها أمرًا غير واقعي، فإنَّ مصالحها المشتركة مع الصين وروسيا تجعل تنويع علاقاتها وتأييد انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة خيارًا منطقيًا بالنسبة إليها.

فهيمنة واشنطن على الشرق الأوسط، التي استمرّت قرابة أربعة عقود، ليست مما ينبغي التحسُّر على زواله. ففي فلسطين والعراق وسوريا ولبنان، وكذلك في تعاملات الولايات المتحدة مع إيران ودول الخليج، نادرًا ما نجد ما يمكن وصفه بالنجاح المستدام. أما الاختراقات المرحلية التي تحققت، فقد جرى التراجع عنها، فيما عجزت الولايات المتحدة عن التحرُّر من القبضة الخانقة لارتباطها الوثيق بإسرائيل، وهو ارتباط كثيرًا ما قيّد خياراتها في المنطقة.

لقد خلقت الأحادية القطبية حالة من الاعتماد غير الصحي على الولايات المتحدة وقوتها العسكرية. أما التحوُّل نحو التعددية القطبية، الذي يتبلور اليوم، فقد يدفع الدول إلى حل مشكلاتها بنفسها، عبر الديبلوماسية.

وإذا كان الأميركيون بصدد المغادرة، فينبغي على دول المنطقة مساعدتهم على حزم أمتعتهم والرحيل.

Exit mobile version