إعمار جنوب لبنان… مَن يَدفَع، ومَن يَملُك، ومَن يَحمي؟

من تجربة “سوليدير” إلى “شركة الجنوب للإعمار والتنمية”: مشروعٌ يحفظ الأرض لأهلها، ويعيد رأس المال إلى لبنان، والدولة إلى الجنوب.

الرئيس فؤاد السنيورة: تجربة إعادة إعمار وسط بيروت تفتح باب التفكير في نموذج جديد لإعمار جنوب لبنان.

كابي طبراني*

قبل أيام، اتصل بي رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة مُهنِّئًا بالسلسلة التي نشرتها “أسواق العرب” في ست حلقات تحت عنوان “مَن سيبني المشرق العربي؟”. وتوقّف بصورةٍ خاصة عند الحلقة السادسة والأخيرة، التي تناولت واحدة من أصعب مشكلات إعادة الإعمار بعد الحروب: كيف نُعيدُ بناءَ مُدنٍ وقرى هُدِمت، وربما مُسحت أجزاء منها، فيما اختفت معالم وحدود، وتشابكت الملكيات والحقوق، ونزح السكان، ولم يعد السؤال مقتصرًا على مَن يملك المال اللازم للبناء، بل امتدّ إلى مَن يملك الأرض، ومَن يثبت الحقوق، ومَن يضمن العودة، ومَن يحمي ما سيُبنى من أن يُهدم مرة أخرى؟

قال لي الرئيس السنيورة إنَّ هذه المعضلة أعادته إلى تجربة عاشها بنفسه قبل أكثر من ثلاثة عقود، عندما كان وزيرًا للمال في حكومة الرئيس رفيق الحريري، وكان لبنان يحاول الخروج من حربٍ أهلية طويلة وإعادة بناء قلب عاصمته.

يومها، كان وسط بيروت مُدَمّرًا إلى حدٍّ جعل إعادة بنائه بالوسائل التقليدية شبه مستحيلة. لم تكن المشكلة أنَّ الدولة تحتاج إلى المال فحسب. كانت الملكيات والحقوق متشابكة، والعقار الواحد قد يكون موزَّعًا بين عشرات أو مئات أصحاب الحقوق، والخزينة اللبنانية لم تكن قادرة على تمويل المشروع، فيما كان انتظار صندوق عربي أو دولي لإعادة الإعمار يعني عمليًا انتظار مال قد يأتي وقد لا يأتي.

ومن هذه المُعضِلة، كما ذكّرني الرئيس السنيورة، خرجت فكرة شركة “سوليدير”.

لم يكن الحل أن تشتري الدولة الأرض، فهي لا تملك المال. ولم يكن أن يُطلب من كلِّ مالكٍ أن يُعيدَ بناء عقاره، لأنَّ ذلك كان مستحيلًا في كثير من الحالات. ولم يكن أيضًا تسليم وسط بيروت إلى المستثمرين الجدد.

كانت الفكرة أن تتحول حقوق أصحاب الأرض والعقارات نفسها إلى رأسمال.

وعندما تأسست الشركة، كان نحو ثلثي رأسمالها يعود إلى أصحاب الحقوق الأصليين، فيما أتى المستثمرون الجدد بالأموال النقدية التي مثلت نحو الثلث الباقي. وبذلك التقت الأرض مع رأس المال داخل مشروع واحد: صاحب الحق لا يفقد حقه لمجرد أنه لا يملك المال لإعادة البناء، والمستثمر يحصل في المقابل على فرصة اقتصادية تبرر إدخال رأسمال جديد إلى منطقة مدمّرة.

قال لي الرئيس السنيورة: لماذا لا نفكر اليوم بمبدَإٍ مشابه لإعادة بناء الجنوب؟

السؤال يستحق أكثر من التأمّل.

ليس لأنَّ “سوليدير” تصلح نموذجًا جاهزًا يمكن نسخه بعد أكثر من ثلاثين عامًا، وليس لأنَّ جنوب لبنان يشبه وسط بيروت. العكس هو الصحيح. إنَّ ما يواجهه الجنوب اليوم يشبه في جوهره المُعضِلة التي واجهتها بيروت بعد الحرب، لكنه أكثر تعقيدًا بكثير.

فوسط بيروت كان مساحة عمرانية محددة ذات قيمة عقارية وتجارية استثنائية، فيما الجنوب مساحة واسعة تضم مدنًا وبلدات وقرى وأراضي زراعية ومنازل عائلية ومؤسسات ومدارس ومستشفيات وطرقًا وشبكات مياه وكهرباء واتصالات. والأرض هناك ليست أصلًا عقاريًا فحسب. إنها جُزءٌ من هوية العائلة والقرية والانتماء والذاكرة.

وفوق ذلك كله، هناك فارق أكثر خطورة.

عندما نتحدث عن إعادة بناء الجنوب اليوم، فإننا لا نسأل فقط كيف نمول البناء، بل كيف نضمن ألّا نهدم بعد سنوات قليلة ما أنفقنا عشرات المليارات على بنائه.

وهنا تبدأ، في رأيي، الفكرة التي ينبغي للبنان أن يناقشها بجدية.

لماذا لا ينشئ لبنان “شركة الجنوب للإعمار والتنمية”؟

ليست “سوليدير الجنوب”، لأنَّ الجنوب ليس وسط بيروت ولا يجوز التعامل معه كمشروع عقاري. لكنها تستطيع أن تستفيد من الفكرة الجوهرية التي قامت عليها تجربة “سوليدير”: جمع أصحاب الحقوق ورأس المال والدولة في إطار واحد يجعل لكل طرف مصلحة مباشرة في نجاح عملية الإعمار.

تُنشأ الشركة بقانون خاص، وتكون مستقلة إداريًا وماليًا، ويشارك فيها أصحاب الأراضي والمنازل والمؤسسات المدمرة من خلال حقوقهم المثبتة والمقوّمة وفق معايير واضحة وشفافة، فيما يدخل المستثمرون اللبنانيون والعرب والدوليون برأس المال النقدي اللازم لإعادة البناء والتنمية.

قد تكون معادلة الثلثين لأصحاب الحقوق والثلث للمستثمرين مناسبة. وقد تثبت الدراسات أنَّ الجنوب يحتاج إلى صيغة مختلفة. ليست النسبة هي القضية.

القضية هي المبدأ.

أهل الجنوب يجب أن يكونوا أصحاب المشروع، لا المستفيدين منه فقط.

فإذا كانت أرضهم هي الأساس الذي يقوم عليه المشروع، فلا يجوز أن تصبح حاجتهم إلى إعادة بناء بيوتهم وسيلة لنقل ملكية تلك الأرض إلى المستثمرين. الأرض تدخل شريكًا في إعادة الإعمار، لا سلعة يجري الاستحواذ عليها تحت ضغط الدمار والحاجة.

وهذا يفرض ضمانات أقوى بكثير من تلك التي احتاج إليها وسط بيروت.

صاحب المنزل في بنت جبيل أو عيتا الشعب أو كفركلا لا يريد أن يستبدل منزله بمحفظة أسهم. يريد العودة إليه. والمزارع لا يريد أن تتحوّل أرضه إلى أصلٍ مالي يتداول بين المستثمرين، بل يريد أن يزرعها ويورثها لأولاده.

لذلك ينبغي أن تجمع الشركة بين حق الملكية وحق العودة وحق الاستفادة الاقتصادية. ويمكن أن تتحوّل قيمة الحقوق إلى أسهم من دون أن يعني ذلك بالضرورة فقدان صاحب الحق حقه في العودة إلى منزله أو أرضه ضمن المخطط الجديد.

ومن هنا أيضًا تبدأ المهمة قبل وصول أول جرّافة.

يحتاج الجنوب إلى مسح عقاري شامل وحديث، وإلى رقمنة السجلات وتثبيت الملكيات والحدود والورثة وأصحاب الحقوق، وإلى آلية قضائية مستقلة وسريعة للفصل في النزاعات، وإلى تقييم شفاف للأرض والمباني والمؤسسات والمصالح الاقتصادية التي دمرتها الحرب.

لكن “شركة الجنوب للإعمار والتنمية” التي أقترحها لا ينبغي أن تكون لها أي علاقة بمجلس الجنوب، ولا أن تتحول إلى نسخة جديدة عنه تحت اسم مختلف.

فلبنان لا يحتاج إلى صندوق آخر توضع فيه الأموال ثم تخضع إدارتها للتوازنات السياسية والمحاصصة والوساطات. والمليارات التي قد يحتاج إليها الجنوب لا يمكن أن تُدار بالأساليب التي أدارت بها الدولة اللبنانية كثيرًا من مؤسساتها وصناديقها على مدى عقود.

هذه يجب أن تكون شركة حقيقية.

لها مساهمون.

ولها ميزانية منشورة.

وحسابات تخضع لتدقيق دولي مستقل.

ومجلس إدارة مهني لا يمثل الأحزاب والطوائف، بل أصحاب الحقوق والمستثمرين والدولة ضمن قواعد واضحة.

وتُنشر عقودها ومناقصاتها ونتائجها المالية.

وتكون هناك رقابة قضائية ومالية مستقلة على أعمالها.

لأنَّ المستثمر الذي نريده أن يضع مئات الملايين أو المليارات في الجنوب لن يسأل فقط عن العائد. سيسأل أيضًا: مَن يدير أموالي؟ وأين تذهب؟ وما القانون الذي يحميني؟ وهل أستطيع أن أثق بالحسابات والعقود؟

وهنا نصل إلى المال.

لبنان لا يستطيع تمويل إعادة بناء الجنوب من خزينته. وإيران، مهما كانت علاقتها ب”حزب الله”، ليست في وضع يسمح لها بتحمل الحجم الحقيقي لإعادة الإعمار والتنمية. و”حزب الله” يستطيع أن يدفع تعويضات هنا أو يساعد عائلة هناك، لكنه لا يستطيع أن يمول إعادة بناء منطقة واقتصاد وبنية تحتية بكلفة هائلة.

والخليج أيضًا تغيّر.

وهذا تحديدًا ما حاولت شرحه في سلسلة “مَن سيبني المشرق العربي؟”.

لم يعد من الواقعي أن يتعامل لبنان مع السعودية والإمارات وقطر والكويت وغيرها كما لو أنَّ المطلوب منها أن تعقد مؤتمرًا للمانحين كلما انتهت حرب، ثم ترسل الأموال لكي يعيد لبنان بناء ما تهدم من دون أن تتغير الظروف التي أدت إلى تدميره.

الخليج اليوم يستطيع أن يكون شريكًا أساسيًا في إعادة بناء لبنان، لكنه يريد الاستثمار أكثر مما يريد دفع الفواتير.

وهذا يمكن أن يكون في مصلحة لبنان إذا عرف كيف يحوّله من مشكلة إلى فرصة.

بدل أن يذهب لبنان إلى الخليج والعالم طالبًا عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات، يمكن أن يذهب إليهما حاملًا مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا.

ليس: أعطونا المال. بل: تعالوا استثمروا معنا.

عندها لا يعود إعمار الجنوب مجرد بناء مساكن. يمكن أن يصبح مشروعًا اقتصاديًا يمتد إلى الطاقة والمياه والزراعة والتصنيع الزراعي والاتصالات والطرق والخدمات والسياحة والاقتصاد الرقمي، ويعيد ربط الجنوب ببقية الاقتصاد اللبناني وبالأسواق العربية.

فلماذا نعيد بناء القرية كما كانت قبل الحرب، إذا كان في الإمكان أن نبني ما يجعل أبناءها قادرين على البقاء فيها بعد عشرين عامًا؟

ولماذا يكون هدف الإعمار إعادة الحائط والطريق وشبكة الكهرباء فقط، بدل أن يكون خلق اقتصاد يجعل العودة إلى الجنوب قابلة للحياة؟

عندها يمكن أن يدخل رأس المال اللبناني والاغترابي والخليجي والدولي لا باعتباره متبرّعًا، بل شريكًا يبحث عن عائد من نجاح الجنوب واستقراره.

لكن هنا نصطدم بالحائط الذي لا يستطيع أي مهندس أو مصرفي أو مستثمر إزالته.

مَن يحمي ما سنبنيه؟

هذه هي المسألة التي تجعل إعادة إعمار الجنوب أكثر تعقيدًا من إعادة بناء وسط بيروت.

يمكن إنشاء أفضل شركة في العالم، ووضع أفضل قانون، وجمع عشرات المليارات، وإعادة بناء كل منزل وطريق ومدرسة ومستشفى.

لكن مَن يستطيع أن يضمن أنَّ حربًا جديدة لن تعيد كل ذلك إلى الركام؟

لا مستثمر عاقلًا يستطيع تجاهل هذا السؤال.

ولا تستطيع دولة خليجية أن تبرر أمام شعبها استثمار المليارات في منطقة يمكن أن تدخل حربًا جديدة بقرار لا تملكه الدولة اللبنانية.

ولا تستطيع مؤسسة مالية دولية أن تبني مشروعًا طويل الأجل على أرض لا تعرف مَن يملك فيها في النهاية قرار الحرب والسلم.

لذلك فإنَّ إنشاء “شركة الجنوب للإعمار والتنمية” لا يمكن أن يسبق عودة الدولة إلى الجنوب.

بل يجب أن يكون نتيجة لها وجزءًا منها.

وهذا يعني أن يصبح السلاح وقرار الحرب والسلم في يد الدولة اللبنانية وحدها، وأن ينتشر الجيش اللبناني وتعود مؤسسات الدولة وأجهزتها وخدماتها إلى الجنوب بكامل سلطتها، وفي المقابل أن تنسحب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية التي تحتلها، وأن تقوم ترتيبات أمنية وسياسية تجعل الحدود مستقرة وتمنح السكان والمستثمرين معًا ثقة بأنَّ ما سيُبنى لن يتحوّل إلى هدف في الحرب التالية.

هذا ليس شرطًا على أهل الجنوب لكي يحصلوا على حقهم في إعادة الإعمار. إنه ضمانة لهم.

فالظلم الحقيقي لأهل الجنوب ليس أن نقول لهم إنَّ الإعمار يحتاج إلى تسوية تضمن الأمن. الظلم هو أن نعيد بناء بيوتهم ثم نترك الأسباب التي دمرتها قائمة.

ومن هنا يصبح دور الدولة مختلفًا عما اعتدنا عليه.

ليس المطلوب أن تكون الدولة هي الممول الأكبر لـ”شركة الجنوب للإعمار والتنمية”. فهي لا تملك المال أصلًا.

لكنها تملك رأس المال الذي لا يستطيع أي صندوق سيادي أو مصرف أو مستثمر أن يوفره: السيادة والقانون والشرعية.

الدولة تستطيع أن تثبت الملكية، وتضع القانون، وتحمي العقد، وتنشر الجيش، وتفرض سلطة القضاء، وتمنع الابتزاز، وتضمن أنَّ هناك جهة واحدة تملك القرار على أرضها.

والشركة تستطيع أن تفعل الباقي.

تستطيع أن تجمع رأس المال.

وتبني.

وتستثمر.

وتطور الأرض.

وتخلق الوظائف.

لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة.

وهنا ربما يكون الدرس الأهم من تجربة بيروت.

لم تكن عبقرية الفكرة في أنَّ “سوليدير” امتلكت المال وحده. كانت في إيجاد صيغة جعلت أرضًا مدمرة وحقوقًا مشتتة ورأس مال جديدًا تلتقي ضمن إطار قانوني واحد، في وقت لم تكن الدولة قادرة على دفع فاتورة إعادة البناء بنفسها.

بعد أكثر من ثلاثين عامًا، يقف لبنان أمام معضلة مشابهة، لكنها أصعب.

وإذا كان قد استطاع يومها أن يبتكر أداة لإعادة بناء قلب عاصمته، فلا سبب يمنعه اليوم من ابتكار أداة أكثر تطورًا وعدالة وشفافية لإعادة بناء جنوبه.

ليس المطلوب “سوليدير” أخرى.

المطلوب أن نستعيد القدرة على الابتكار التي أنتجت الفكرة عندما بدت المشكلة مستحيلة.

“شركة الجنوب للإعمار والتنمية” يمكن أن تكون إحدى هذه الأدوات.

أصحاب الأرض يملكون الحصة الأساسية.

المستثمر يأتي برأس المال.

الدولة توفر القانون والسيادة والأمن.

والخليج والعالم يدخلان شريكين في اقتصاد قابل للحياة، لا ممولين لدورة جديدة من الدمار والإعمار.

لكنَّ المعادلة لا تكتمل إلا بشرط رابع: أن يعود “حزب الله” إلى كنف الدولة، ويصبح سلاحه وقرار الحرب والسلم جزءًا من سلطتها الحصرية، وأن يصبح السلام نفسه جزءًا من المشروع الاقتصادي

فالمستثمر يحتاج إلى السلام لكي يحمي رأسماله.

وصاحب الأرض يحتاج إليه لكي يبقى في أرضه.

والدولة تحتاج إليه لكي تستعيد سلطتها.

والجنوب يحتاج إليه لكي تكون هذه المرة التي يُعاد فيها بناؤه هي الأخيرة.

في نهاية سلسلة “مَن سيبني المشرق العربي؟” كان السؤال: هل نستطيع أن نبني الدولة والحقوق مع الحجر؟

في لبنان، ربما نستطيع اليوم أن نذهب خطوة أبعد.

لدينا تجربة سابقة، بكل نجاحاتها وأخطائها. ولدينا أرض وأصحاب حقوق. ولدينا رأسمال لبناني وعربي ودولي يمكن جذبه إذا توافرت الثقة. ولدينا دولة تستطيع، إذا قررت أن تكون دولة، أن توفر الإطار الذي يجمع كل ذلك.

ما ينقص ليس المال وحده. ينقص القرار.

قرار أن يكون إعمار الجنوب هذه المرة مشروعًا لإعادة بناء الجنوب داخل الدولة اللبنانية، لا إلى جانبها.

وعندها فقط يصبح السؤال: مَن سيبني الجنوب؟

وجوابه ممكنًا: أهله بأرضهم، والمستثمرون برأسمالهم، والدولة بسيادتها.

Exit mobile version