صدرت الطبعة الأولى لكتاب “فيليب سالم: لبنان والحياد الفاعل”، الذي أعده الإعلامي اللبناني أسعد الخوري، في حزيران (يونيو) 2026، ويقع في نحو 159 صفحة من القطع المتوسط. ويضم الكتاب مقالات ودراسات وشهادات تتناول مفهوم “الحياد الفاعل” بوصفه مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا لمستقبل لبنان، إلى جانب قراءات نقدية في فكر صاحبه وسيرته العامة.
ميشال مظلوم*
يأتي كتاب “فيليب سالم: لبنان والحياد الفاعل” في لحظة لبنانية استثنائية، حيث تتقاطع أزمات الدولة مع تحوّلات الإقليم، ويتراجع الإيمان بقدرة النظام السياسي على إنتاج حلول داخلية. لذلك لا يقدّم الكتاب نفسه بوصفه عملًا توثيقيًا فحسب، بل باعتباره دفاعًا متكاملًا عن مشروعٍ سياسي يرى فيه الدكتور فيليب سالم مدخلًا لإنقاذ لبنان وإعادة تعريف دوره في المنطقة.
لا تنبع أهمية الكتاب من حداثة مفهوم الحياد، فالفكرة مطروحة في الفكر السياسي منذ قرون، وإنما من محاولة نقلها إلى الحالة اللبنانية بوصفها مشروعًا استراتيجيًا، لا مجرّد شعارٍ سياسي أو موقفٍ ظرفي. وهذه هي الرسالة التي تتكرّر في معظم فصول الكتاب، سواء في مقالات سالم أو في الدراسات والشهادات التي تناولت فكره.
يُحسَبُ للكتاب أنه لا يُقدّمُ فكرة الحياد بوصفها انعزالًا أو هروبًا من محيط لبنان العربي، بل يصرُّ على تسميتها “الحياد الفاعل”، وهو تمييزٌ مقصود يريد من خلاله المؤلف تجاوز الصورة التقليدية للحياد باعتباره امتناعًا عن الانخراط في القضايا الدولية. فالحياد، كما يطرحه سالم، لا يعني التخلي عن القضية الفلسطينية أو الانكفاء عن العالم العربي، بل المشاركة الديبلوماسية النشطة في الدفاع عن الحقوق العربية ضمن إطار الشرعية الدولية، مع تجنيب لبنان أن يكون ساحةً لصراعات الآخرين. وهذه من أكثر النقاط إقناعًا في الكتاب، لأنها تحاول معالجة سوء الفهم الذي لازم الفكرة منذ طرحها.
كما يلفت النظر أنَّ الكتاب لا يقتصر على عرض أطروحة سالم، بل يسعى إلى بناء شرعية فكرية وسياسية لها، من خلال جمع مقالات وتصريحات تعود إلى سنوات طويلة، إلى جانب شهاداتٍ لشخصياتٍ أكاديمية وسياسية وقضائية، في محاولةٍ لإظهار أنَّ الفكرة ليست وليدة ظرف سياسي، وإنما مشروع متراكم يمتدُّ منذ عام 2008 على الأقل. وهذا يمنح الكتاب قيمة توثيقية واضحة، خصوصًا للباحثين في تطوُّر الخطاب السياسي اللبناني خلال العقدين الأخيرين.
غير أنَّ هذه الميزة تتحوّل في الوقت نفسه إلى أحد مواطن الضعف. فالكتاب يبدو أقرب إلى كتاب تأييدي منه إلى دراسة نقدية. فهو يجمع عشرات المقالات والخطب والشهادات المؤيدة للفكرة، لكنه يكاد يخلو من مناقشة جادة للاعتراضات التي أثيرت حولها، سواء من القوى السياسية اللبنانية أو من الباحثين الذين يشككون في إمكان تطبيق الحياد في دولة ما زالت تعاني أزمة سيادة وسلاح خارج مؤسسات الدولة. وحتى عندما تُذكَر هذه الاعتراضات، فإنها تُعرَض غالبًا بوصفها ناتجة عن سوء فهم أو قراءة خاطئة، لا بوصفها إشكاليات تستحق النقاش.
وهنا يبرز السؤال الذي كان يستحق مساحة أوسع: هل يمكن للحياد أن يكون نتيجة قيام الدولة، أم أنه يحتاج أولًا إلى دولةٍ قادرة حتى يصبح قابلًا للتطبيق؟
فالكتاب ينطلق من افتراض أنَّ إعلان الحياد يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة بناء الدولة، بينما يرى كثيرٌ من الباحثين أنَّ العكس هو الصحيح؛ أي إنَّ الدولة القادرة هي التي تستطيع حماية حيادها. هذه المفارقة لا تجد معالجة كافية في الكتاب، على الرغم من أنها تمثل جوهر الجدل اللبناني.
كذلك يلاحَظ أنَّ الكتاب يمنح الشرعية الدولية ومجلس الأمن الدولي دورًا محوريًا في ضمان حياد لبنان، لكنه لا يناقش بعمق حدود قدرة المجتمع الدولي على توفير هذه الضمانات في ظلِّ نظامٍ دولي تحكمه موازين القوى أكثر مما تحكمه النصوص القانونية. فالخبرة اللبنانية نفسها، منذ اتفاق الهدنة عام 1949 مرورًا بالقرارين 425 و1701، تكشف أنَّ وجود القرارات الدولية لا يعني بالضرورة تنفيذها الكامل.
ومن الناحية المنهجية، يبدو الكتاب أقرب إلى أنطولوجيا لفكر فيليب سالم منه إلى مؤلَّفٍ ذي بُنية أكاديمية موحَّدة. فهو يجمع مقالات وخطبًا وحوارات وشهادات كُتِبت في مناسبات مختلفة، ولذلك يشعر القارئ أحيانًا بتكرار الأفكار الأساسية نفسها، ولا سيما العلاقة بين الحياد والسيادة، والحياد والقضية الفلسطينية، والحياد والدولة المدنية. وكان من الممكن اختصار هذا التكرار في تحرير أكثر إحكامًا يمنح الكتاب إيقاعًا أسرع وتركيزًا أكبر.
لكن هذه الملاحظة لا تنتقص من القيمة الفكرية لشخصية فيليب سالم نفسها، التي تطغى على صفحات الكتاب. فهو لا يظهر طبيبًا عالميًا فحسب، بل مفكّرًا يحاول بناء رؤية متكاملة للبنان، تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسة: الدولة المدنية، والحياد الفاعل، والاقتصاد المنفتح على العالم. كما تكشف الشهادات المرفقة عن شخصيةٍ تؤمن بأنَّ الإصلاح الثقافي والتربوي شرطٌ لا يقلُّ أهمية عن الإصلاح السياسي، وهي رؤية تمنح المشروع بُعدًا حضاريًا يتجاوز الجدل السياسي اليومي.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا إصرار سالم على التمييز بين الحياد واللامبالاة. فالكتاب يؤكد مرارًا أنَّ لبنان لا ينبغي أن يكون محايدًا تجاه قضايا العدالة والحقوق الإنسانية، وإنما تجاه الصراعات العسكرية والمحاور الإقليمية. وهذا التفريق يضيف بُعدًا أخلاقياً للفكرة، وإن بقي السؤال مفتوحًا حول إمكان المحافظة على هذا التوازن في منطقة تتداخل فيها السياسة بالأمن والعقيدة والجغرافيا.
أما على مستوى اللغة، فالكتاب مكتوب بلغة واضحة ومباشرة، بعيدة من التعقيد الأكاديمي، وهو ما يجعل قراءته متاحة لجمهور واسع. غير أنَّ غلبة الطابع الخطابي في بعض المقالات، وكثرة الاقتباسات، تمنح النص أحيانًا نبرة تعبوية أكثر من كونها تحليلية، وهو أمر مفهوم إذا تذكرنا أنَّ معظم المواد كُتِبَ أصلًا في مناسبات سياسية وإعلامية مختلفة، لا لتكون فصولًا في كتاب واحد.
في المحصّلة، لا يمكن قراءة فيليب سالم: لبنان والحياد الفاعل” باعتباره دراسة علمية محايدة حول مفهوم الحياد، بل يجب التعامل معه بوصفه بيانًا فكريًا وسياسيًا يدافع عن رؤية محددة لمستقبل لبنان. وقيمته الأساسية لا تكمن في أنه يحسم الجدل، بل في أنه يُعيدُ فتحه على أُسُسٍ أكثر تنظيمًا، ويطرح سؤالًا لا يزال مطروحًا بقوة: كيف يستطيع لبنان أن يحمي نفسه من أن يبقى ساحةً لصراعات الآخرين؟
قد لا يقتنع جميع القراء بأنَّ الحياد الفاعل هو الحلُّ الواقعي للأزمة اللبنانية، لكن يصعب إنكار أنَّ الكتاب يمثّل أحد أكثر الأعمال تكاملًا في عرض هذه الفكرة والدفاع عنها. ومن هنا تأتي أهميته؛ فهو لا يقدم وصفة نهائية بقدر ما يضع مشروعًا للنقاش، ويذكّر بأنَّ أزمة لبنان ليست أزمة سلطة فقط، بل أزمة تعريف للدولة ولدورها وهويتها في محيط شديد الاضطراب. ولهذا السبب، يبقى الكتاب إضافة مهمة إلى المكتبة السياسية اللبنانية، سواء اتفق القارئ مع أطروحته أم اختلف معها.
* ميشال مظلوم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.
