أَين اختفَت لوحة داڤنتشي 250 سنة؟ (2 من 5)

لودوفيكو طرد عشيقته فحملت معها اللوحة

هنري زغيب*

تقوم إِجمالًا شهرة ليوناردو داڤِنْتْشي (1452-1519) على لوحته الخالدة الموناليزا(1516)، حتى تكاد تطغى على لوحات له أُخرى لا يقلُّ معظمها، فنًّا وأَسرارًا، عن تلك اللوحة الأَشهر.

من تلك الأَعمال الأُخرى: لوحة المرأَة والنمس الأَبيض أَو “القاقُم” (1490). تعرَّضَت للسرقة وللخطف والغياب نحو 250 سنة، كما تعرَّضت الموناليزا” للسرقة سنة 1911 واختفت نحو سنتين قبل أَن تعود إِلى متحف اللوفر (1913). 

في الحلقة الأُولى من هذه الخماسية سردتُ موضوع اللوحة ودخول داڤنتشي على قصر دوق ميلانو لرسْمها.

في هذه الحلقة انتقال اللوحة من القصر.

آدم ابن إِيزابيلَّا أَهداها لوحة داڤنتشي

العشيقة المطرودة

على الرغم من هيام لودوڤيكو سْفورتْسَا (دوق ميلانو) جنونًا بعشيقته الصبية الساحرة سيسيليا غاليراني (1473-1536)، هي التي كانت تدير حلقاتٍ أَدبيةً وفنيةً في قصره ويحضرها كبار مثقَّفي ميلانو يبحثون في أُمور فلسفية وفكرية، اضطرَّ لودوڤيكو إِلى طردها من قصره، بضغط مباشر من غيرة زوجته الجديدة وأَوامرها. سوى أَن سيسيليا لم تغادر وحدها، بل حملَت معها اللوحة التي كان داڤنتشي تأَنى في رسمها ساعاتٍ طويلة. واللافت أَن اللوحة لم تبقَ لديها، فهي لم تكن موجودة بين مقْتَنَيَاتها عند وفاتها.

الحاصل أَن اللوحة، منذ خروجها من قصر سْفورتْسا، بدون أَيِّ إِشارة لاحقة عنها، غابت نحو 250 سنة في غياهب معتمة من التاريخ. كل ما ظهر في ما بعد، أَنها كانت لدى الأَميرة إِيزابيلَّا دوروتّا تشارتوريسْكا.

من هي؟

أَميرة بولندية (1745-1835)، وكاتبة وهاوية جمع لوحات فنية ثمينة، ووجه بارز وفاعل في مرحلة النهضة البولونية. كانت ذات حضور لافت في أُسرتها السياسية، بزواجها من الأَمير آدم كازيميرْزْ تشارتوريسْكي. ومن مميزاتها أَنها أَسست سنة 1796 أَول متحف في پولندا (حاليًّا في كراكوڤ). كان والدها، جورج ڤون فليمنغ، أَمين المال في دوقية ليتوانيا، ووالدتها الأَميرة أَنتونينا من السلالة البولندية الليتوانية السابقةِ عهدَ أُسرة تشارتوريسْكي. كانت إِيزابيلَّا ابنتهما الوحيدة. توفيَت والدتها سنة 1746 وهي لم تبلغ أَشهُر سنتها الأُولى.

طمعًا بتوسيع ثروة الأُسرة، عمد والد إِيزابيلَّا إلى تزويجها من نسيبٍ لوالدتها: الأَمير آدم كازيميرْزْ من سلالة تشارتوريسْكي. وبهذا الزواج تمكَّنت إِيزابيلَّا من اقتناء ثوب لدى زوجها تبدو فيه أَميرًا دانماركيًّا ولا يكشف أَمرها أَحد. ويرى المؤَرخون المتعمّقون في دراسة تلك الأُسرة، أَن إِيزابيلَّا لم تكن جميلة، لكنها ذات ذوق في ملابسها، وتدَّعي أَن لها عينين جميلتين ووجهًا خاصًّا، إِنما جسمها نحيل جدًّا ويداها بشِعتان.

فرنكلِن أُعجب بها

مع كل ذلك، كانت تحظى بتقدير محيطها القريب والبعيد وإِعجابه. وذهب البعض إِلى القول إِن لها هيئة طفلة جميلة في عز سنواتها الطرية الأُولى. كان بين أَبرز المعجبين بها بنجامن فرنكلن (1706-1790) أَحد الآباء مؤَسسي الولايات المتحدة. التقاها في لندن، وطلب منها موعدًا شخصيًّا وخاصًّا كي يُريها آلة موسيقية (هارمونيكا) من اختراعه.

سنة 1796 اقتَنَت الأَميرة إِيزبيلَّا مجموعة لوحات لعرضها على الجمهور العام (هي التي شكلت لاحقًا أَعمال متحف تشارتوريسْكي في كراكوف).

إيزابيلَّا سنة وفاتها

لوحة داڤنتشي هدية

بعد سنتين، تمكَّن ابنها آدم جيرزي تشارتوريسْكي من شراء لوحة داڤنتشي، وقدَّمها هديةً من إِيطاليا لوالدته إِيزابيلَّا، مع لوحة أُخرى لوجه شاب بريشة رافاييلُّو.

سوى أَن إِيزابيلَّا، لدى تسلُّمها اللوحة، أَخطأَت في هويتها، وظنَّتها لوحة داڤنتشي “المرأَة الجميلة ذات الشريط الحديدي” (1490)، ويُظَنُّ أَنها عشيقة ملك فرنسا فرنسْوى الأَول.

هكذا مكثَت لوحة داڤنتشي بين مقتنيات الأَميرة إِيزابيلَّا حتى 1830، حين جاء ثائر بولوني ضد الأَمبراطورية الروسية فأَرغم إِزابيلَّا، وكانت في الرابعة والثمانين، على نزْع اللوحة من مكانها في المتحف، وإِخفائها لدى مجموعة الأُسرة في سيينياڤا (مدينة في جنوبي پولونيا). ولدى فشل ثورة نوفمبر (الحرب البولونية الروسية 1830-1831، أَطلقها البولونيون ضد الأَمبراطورية الروسية)، فقدَت بولونيا استقلالها وأَمست جزءًا من الأَمبراطورية الروسية، ونفى الثوارُ الأَمير الشاب آدم جيرزي تشارتوريسكي بسبب ضلوعه في الثورة البولونية ضدَّ روسيا.

ماذا حلَّ باللوحة؟

الجواب في الحلقة الثالثة.

Exit mobile version