نحو “رابطة قلمية” جديدة

هنري زغيب*

في علْم النشُوء والارتقاء، أَنَّ الكائناتِ الحيَّةَ تنمو ما دامت الحاجةُ إِليها، حتى إِذا انتفَت هذه الحاجة راحت تَضْمُرُ حتى تذوب.. هكذا اللغة، كأَيِّ كائنٍ حيٍّ، تنمو ما دامت على أَلْسُن الناس وأَقلامهم، حتى إِذا تضاءَلَ تداوُلُها، راحت تذوي كلماتُها وعباراتُها وأَلفاظُها، لتنمو مكانها كلماتٌ وعباراتٌ وأَلفاظٌ جديدة بنْتُ عصرها، تجدِّدُ دمَ اللغة كي تبقى سائغةً للتداول..

إِن كان من معنى لِما يُسمَّى “عصر النهضة” (اصطلاحًا: مطلع القرن التاسع عشر) فأَنه حاول التجديد في اللغة (الأَفكار مطروحة للجميع إِنما الأَهمُّ “كيف” نعبِّر عنها)، إِنما بقيَ فيها عتيق من عصر الانحطاط، بقي يتناسل سنواتٍ بعده تَنفي عنه تسمية “عصر النهضة”.. أَما فجرُ “النهضة” الحقيقيُّ، فأَطلَّ من بعيد، من خلْف المحيط، من نيويورك سنة 1920 مع تأْسيس “الرابطة القلمية”، وفي رأْس دعوتها تجديدُ اللغة أَساسًا للتجدُّد: “… أَصبحنا لا نرى من الأَدب إِلَّا لباسه الخارجيّ، فالأَديبُ الأَديب من أَجادَ في تقليد الأَقدمين بتراكيبهم وأَساليبهم اللغوية” (من مقدِّمة نظام “الرابطة” كما صاغَه كبيرُنا ميخائيل نعيمة رافضًا بشدَّةٍ استمرارَ تقليدِ الأَقدمين).. من هنا مقولةُ أَدونيس إِنَّ “جبران بَشيرُنا إِلى نهضة الأَدب، وهو مؤَسسُ رؤْيا الحداثة والرائدُ الأَول في التعبير عنها”.. وعباراتُ “البشير” و”الرؤْيا” و”الريادة”، تُضْمر وُجْهةً واحدة: اللغة.. هي المنطلَق وهي المآل..

شو يعني المآل؟ يعني أَن تَسقُط عن أَلْسنتنا (خطابةً) وعن أَقلامنا (كتابةً) كلماتٌ وتعابيرُ وأَلفاظٌ لم تَعُد في التداوُل.. أَو هي باقيةٌ في نصوص مَن يُصرُّون على استلالها من توابيتها ونواويسها، وإِدراجها في نصوص لهم يستهجنها قرَّاء اليوم، خصوصًا جيلٌ جديدٌ يَنفُر من العربية بسبب محنَّطين ما زالوا يعيشون في أَمسها العتيق.. ومع اللغة، مفرداتٍ وعباراتٍ، يأْتي التركيب: لا يمكن تركيبُ جملة جديدة بأَلفاظ عتيقة لأَن التركيبَ فضيحةُ مَن يُقَصِّرون عن التجديد..

المعيار إِذًا: لغةٌ بنتُ اليوم وتراكيبُ بنْتُ العصر.. حين أَصدرتُ ترجمتي “نبيَّ” جبران، وذكرتُ في مقدِّمتي تأَنِّـيَّ الدقيقَ في إِلْباس ترجمتي لغةً “جديدة”، لم أَكُن أَقصدُ أَنني “اخترعتُ” أَو “استنبطتُ” لغةً جديدة، بل أَنني أَسقطتُ من قاموس ترجمتي كلماتٍ عتيقةً لم تعُد في الاستعمال إِلَّا لدى الخائفين من إِهمالها.. وجرؤْتُ على تراكيبَ بدَت في صدمتها الأُولى طافرةً على قواعد اللغة، فيما هي من قلب القواعد في قالب جديد.. وعبقريةُ العربية أَنها تحتملُ فضاءَاتٍ واسعةً للإِبداع لدى مَن يُحسنون تركيب عباراتها في شكْل حديث.. هكذا ترجمتي “النبي” (2023) وقبلَ أَيام “رمل وزبد” (2026) وبعدَهما “يسوع ابن الإِنسان” (1928)، ليست لِمجرَّد الترجمة نقلًا مسطَّحًا من إِنكليزية جبران إِلى عربيَّتي الجديدة، بل لإِثبات أَنَّ الترجمة عملٌ إِبداعيٌّ في ذاته، وكتابةُ النص القديم بِلُغة جديدة.. ومع الإِقرار بفضْل الأَرشمندريت أَنطونيوس بشير في ترجمته كتُبَ جبران الإِنكليزية، إِلَّا أَنه ترجمَها بِلُغة العقد الثاني من القرن العشرين، أَي قبل 100 سنة، وفيها كلماتٌ وتراكيبُ لم تَعُد اليوم في التداول.. لذا أَقدمتُ على “صياغتها” من جديد بِلُغة اليوم وتراكيبها واشتقاقاتها.. وهذا لا ينتقص من النص الجبراني الذي، لو كان لجبران أَن يكتبَه اليوم، لكتَبَهُ حتمًا بإِنكليزية اليوم.. مثالًا: نصوصُ شكسبير، كانت ضروريةً “ترجمتُها” من إِنكليزية عصره إِلى إِنكليزية اليوم لإِنقاذ نصوصه من الاندثار، كما في جميع اللغات تَندثرُ مفرداتٌ وتراكيبُ لم تعُد في التداوُل..

وأَعترف هنا بأَن اشتغالي على التجديد في لغة ترجماتي، ساعدَني على التجديد في كتابتي نصوصيَ النثريةَ بقوالبَ وتراكيبَ ومفرداتٍ من لغة اليوم، مُدركًا أَن هذه، بعد زمَنٍ مقْبل، ستُصبح عتيقةً خارجَ التداول، ويَلزمُ تجديدُها بِلُغَة زمنها المقبل..

هكذا تُلحُّ الحاجةُ اليوم إِلى “رابطة قلمية” جديدة، لا تنظيمًا وانضواءً جماعيًّا، بل تجديدًا فرديًّا في لغةٍ “نفَض” عنها “الرابطيون” قبل 100 سنة غبارًا تَراكَمَ على جسدها عُصورًا سالفة، وباتت اليوم في حاجةٍ إِلى جرأَةِ نفْضها من جديدٍ بِلُغَة اليوم واشتقاقاتها، من ضمن أُصول اللغة وامتداد قواعدها وأَوزانها وغنى جوازاتها، وهي تتَّسع جدًّا للتحديث.. وهنا عبقريةُ اللغة العربية.

Exit mobile version