هل غيّرت حرب 2026 و”مذكرة التفاهم” المُوَقَّعة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة عقيدة الحرس الثوري الإيراني؟ تكشف رسائل قادته أنَّ الاتفاق ليس سوى أداة لإدارة مرحلة استثنائية، فيما تظل “المقاومة” والولاء لولاية الفقيه ثوابت لا تقبل المراجعة.
سعيد غولكار*
بالنسبة إلى كثير من المراقبين للشأن الإيراني، لا يتمثل السؤال الأهم بعد حرب عام 2026 ووقف إطلاق النار في مضمون “مذكرة التفاهم” التي وقعت بين أميركا وإيران، بقدر ما يتمثل في موقف الحرس الثوري الإسلامي منها. فهل يقبل الحرس هذا المسار باعتباره تحوُّلًا استراتيجيًا في سياسة الجمهورية الإسلامية، أم ينظر إليه بوصفه إجراءً تكتيكيًا فرضته ظروف الحرب؟ والأهم من ذلك، هل يمكن أن تقود هذه المذكرة إلى إعادة تعريف دور الحرس الثوري أو تعديل هويته العقائدية واستراتيجيته الإقليمية؟
حتى الآن، لا توحي المؤشرات الصادرة عن الحرس الثوري بأن مثل هذا التحوُّل وارد. بل على العكس، تشير الخطابات والرسائل الرسمية إلى أنَّ قيادة الحرس تحرص على تقديم مذكرة التفاهم باعتبارها استجابة ظرفية لواقع استثنائي، من دون أن تمسَّ الأسس العقائدية أو الاستراتيجية التي قامت عليها المؤسسة منذ تأسيسها.
ويكتسب هذا الموقف أهمية مضاعفة في ضوء التحوُّلات التي شهدها هيكل السلطة في إيران بعد الحرب. فقد أدى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي كان المرجعية النهائية في القرارات الاستراتيجية، إلى تعزيز الثقل السياسي للحرس الثوري داخل منظومة الحكم، في وقت غاب نجله وخليفته الرسمي، مجتبى خامنئي، عن الظهور العلني منذ اندلاع الحرب. وفي ظلِّ هذا الغياب، أصبحت الشخصيات المُكَلَّفة بتفسير توجّهات المرشد داخل الحرس الثوري مصدرًا رئيسيًا لفهم الموقف الرسمي للمؤسسة.
ويبرز في مقدمة هذه الشخصيات حجة الإسلام عبد الله حاجي صادقي، ممثل المرشد الأعلى في الحرس الثوري، الذي لا يقتصر دوره على كونه مرجعًا دينيًا، بل يقود الجهاز الإيديولوجي والسياسي للحرس. فمكتبه يشرف على التثقيف العقائدي، وصياغة الرسائل السياسية والإعلامية، وتوجيه شبكة المفوضين السياسيين، وضمان التزام القادة والأفراد بمبدَإِ ولاية الفقيه، الذي يشكل الركيزة الفكرية للنظام. ومن خلال هذه الوظائف، يؤدي المكتب دورًا محوريًا في رسم الكيفية التي يفسر بها الحرس التطورات الداخلية والخارجية، وفي تحديد الإطار الفكري الذي تُفهَم ضمنه القرارات السياسية والعسكرية.
ولا تقتصر هذه الرسائل على التصريحات الرسمية، بل تتجلى أيضًا في المنصات الإعلامية التابعة للحرس الثوري، وفي مقدمها موقع “بصيرت” ومجلة “صبح الصادق” الأسبوعية، اللذان يمثلان المنبرَين الرئيسيين لشرح مواقف المؤسسة وتبرير خياراتها السياسية والعسكرية. لذلك، فإنَّ التصريحات التي أدلى بها حاجي صادقي عقب مذكرة التفاهم، سواء في خطابه الموجه إلى قادة الحرس وعناصر “الباسيج” أو خلال مؤتمره الصحافي، لا يمكن التعامل معها بوصفها مواقف شخصية أو خطبًا دينية، بل باعتبارها رسائل مؤسّسية تعكس القراءة الرسمية للحرس الثوري.
وتكشف هذه التصريحات، إلى جانب مواقف نائب القائد العام للحرس للشؤون السياسية يد الله جواني، عن رسالة واحدة تكاد تكون ثابتة: الحرس الثوري لا يرى في مذكرة التفاهم تحوُّلًا استراتيجيًا في توجهات الجمهورية الإسلامية، بل يعتبرها تعديلًا تكتيكيًا أُجيز في ظروف استثنائية، مع التأكيد أنَّ عقيدة الحرس، ودوره الإقليمي، واستراتيجيته العامة، لا تزال جميعها خارج نطاق التغيير.
الشرعية أولًا… مذكرة التفاهم بعيون الحرس الثوري
وتستمد مذكرة التفاهم، وفق القراءة التي يقدمها الحرس الثوري الإسلامي، شرعيتها من كونها صدرت بإِذنِ المرشد الأعلى. ويشدد حجة الإسلام عبد الله حاجي صادقي على أنَّ أيَّ قرار يوافق عليه المرشد يصبح مُلزِمًا لجميع القوى الثورية، بصرف النظر عن الجدل الذي يثيره داخل الأوساط السياسية. ومن هذا المنطلق، يسعى صادقي إلى احتواء الانقسامات التي برزت داخل المعسكر المحافظ بعد الحرب؛ فبينما اتهمت شخصيات متشددة مسؤولين حكوميين وأعضاء في المجلس الأعلى للأمن القومي بالضعف، أو حتى بالخيانة، يرفض هذه الاتهامات، لكنه يرفض في الوقت نفسه تصوير مذكرة التفاهم على أنها انتصارٌ كامل حقق جميع أهداف القيادة الإيرانية. وبهذا، يحاول رسم حدود النقاش الداخلي بما يحفظ وحدة المعسكر المؤيد للنظام، من دون المبالغة في تصوير نتائج الاتفاق.
غير أنَّ الدعوة إلى الوحدة لا تعني، في خطاب الحرس الثوري، مراجعةً للعقيدة أو ميلًا نحو الاعتدال. فعوضًا من التركيز على تفاصيل مذكرة التفاهم، يخصص صادقي الجزء الأكبر من خطابه لإعادة تأكيد المبادئ التي قامت عليها المؤسسة منذ تأسيسها، وفي مقدمتها الولاء المطلق للمرشد الأعلى، والاستمرار في مواجهة ما يصفه بـ”الاستكبار العالمي”، الذي لا تزال الولايات المتحدة تمثل، في أدبيات الحرس، تجسيده الرئيس. ولهذا يكرّر أنَّ التفاوض لا يعني المصالحة، وأنَّ عناصر الحرس “لا يصافحون العدو أبدًا”، في إشارة إلى أنَّ أيَّ انفتاحٍ ديبلوماسي لا ينبغي تفسيره بوصفه تغييرًا في طبيعة الصراع.
ولا تبدو هذه الرسائل جديدة بالنسبة إلى المتابعين للفكر الإيديولوجي للحرس الثوري. فمنذ تأسيسه، لم ينظر الحرس إلى خلافه مع الولايات المتحدة باعتباره نزاعًا سياسيًا يمكن تسويته عبر المفاوضات، بل باعتباره مواجهة عقائدية مستمرة بين ما يسميه “جبهة الحق” و”جبهة الاستكبار”. ومن هذا المنظور، لا تُعد “المقاومة” خيارًا سياسيًا قابلًا للمراجعة، بل ركيزة استراتيجية تُعرِّف هوية الجمهورية الإسلامية ودورها الإقليمي. ولذلك، فإنَّ أيَّ مرونة تكتيكية في إدارة الأزمة لا تُفهم داخل الحرس على أنها تمهيدٌ لمصالحة استراتيجية أو لإعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية.
وتنعكس هذه الرؤية بوضوح في الطريقة التي يتعامل بها الحرس مع “مذكرة التفاهم”. فبدلًا من تقديمها باعتبارها بداية لمرحلة تهدئة، يربطها صادقي بضرورة تعزيز عناصر القوة العسكرية والسياسية والإعلامية، مستشهدًا بالآية القرآنية: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ…﴾ باعتبارها مرجعًا دائمًا لاستراتيجية الحرس. ووفق هذا المنطق، فإنَّ المرحلة الراهنة لا تستدعي تقليص القدرات أو إعادة تعريف دور المؤسسة، بل تستوجب تعزيز أدوات الردع، والاستمرار في التعامل مع البيئة الإقليمية باعتبارها ساحة مواجهة مفتوحة، وهو ما يوفر أيضًا مبرّرًا لاستمرار توسع نفوذ الحرس داخل الدولة الإيرانية.
ولعلَّ أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الخطابات هو الإصرار المتكرر على أنَّ “مذكرة التفاهم” لن تمسَّ الهوية الثورية للحرس الثوري نفسه. فصادقي يرفض أي حديث عن وجود قطيعة بين الجيل الحالي من القادة والجيل الذي خاض الحرب العراقية-الإيرانية، ويؤكد أنَّ التزامهم بالمبادئ العقائدية لم يتغيّر. ويذهب أبعد من ذلك عندما يقول إنَّ مَن يُراهن على انفصال الحرس الثوري يومًا ما عن نظام ولاية الفقيه “سيأخذ أمنيته معه إلى القبر”، في رسالة تستهدف طمأنة كوادر الحرس وقاعدته الشعبية بأنَّ الاتفاق لا يمثل تراجعًا عن الثوابت التي قامت عليها المؤسسة.
المرونة التكتيكية… لا التحول الاستراتيجي
ومن هنا، تبدو القراءة التي يقدّمها الحرس الثوري مختلفة عن كثير من التحليلات الغربية التي تربط المبادرات الديبلوماسية الإيرانية بمؤشرات الاعتدال. فالأدبيات الصادرة عن الحرس لا تنظر إلى “مذكرة التفاهم” باعتبارها بداية لتحوُّل في السياسة الخارجية أو تمهيدًا لمرحلة ما بعد الثورة، بل تعتبرها أداة لإدارة ضغوط استثنائية، وحماية النظام خلال مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
وتعزّزُ التطورات الميدانية هذه القراءة؛ إذ تشير الهجمات الأخيرة على ناقلات النفط إلى أنَّ الحرس الثوري لا يتعامل مع مرحلة التهدئة بوصفها فترة لتقليص المواجهة، بل كفرصة لإعادة تنظيم أدواتها وتوجيه مسارها بما يخدم مصالحه الاستراتيجية. وإذا صح هذا التفسير، فإنَّ الرهان على أن تقود “مذكرة التفاهم” إلى تطبيع تدريجي لدور الحرس الثوري يبدو مبالغًا فيه، لأنَّ المبادئ التي يقوم عليها، وفي مقدمتها المقاومة، ومعاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، والولاء المطلق للمرشد الأعلى، ما تزال تُقدَّم باعتبارها ركائز ثابتة لا تخضع للمراجعة، حتى في ظلِّ المتغيّرات التي فرضتها الحرب.
وفي ضوء هذه المؤشرات، تبدو “مذكرة التفاهم”، من منظور الحرس الثوري، أقرب إلى تكيُّف تكتيكي فرضته ظروف استثنائية، منها إلى تحوُّلٍ استراتيجي في توجهات الجمهورية الإسلامية. وهي بذلك تعيد إلى الأذهان مفهوم “المرونة البطولية” الذي طرحه علي خامنئي خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015؛ أي قبول قدر من المرونة في إدارة الأزمات من دون المساس بالثوابت العقائدية والاستراتيجية للنظام. وبهذا المعنى، لا تُعد المفاوضات خيارًا استراتيجيًا لدى الحرس الثوري، بل أداة ظرفية لإدارة الأزمات، فيما تبقى “المقاومة” الإطار الحاكم لسلوكه السياسي والعسكري.
وتحمل هذه القراءة دلالات مهمة للولايات المتحدة وحلفائها. فتنفيذ إيران بعض بنود “مذكرة التفاهم”، إذا تحقق، لا يعني بالضرورة أنَّ الجمهورية الإسلامية دخلت مرحلة جديدة من الاعتدال أو أنها أعادت النظر في أولوياتها الاستراتيجية. فالخطاب الصادر عن الحرس الثوري يشير إلى أنَّ المؤسسة تنظر إلى الاتفاق باعتباره وسيلة لعبور مرحلة ضاغطة، لا مقدمة لإعادة صياغة دورها أو تعديل عقيدتها. وفي الوقت نفسه، لا تظهر أي مؤشرات إلى تراجع اعتمادها على أدواتها التقليدية، سواء في توظيف الحلفاء الإقليميين، أو في استخدام أساليب الردع غير المتماثلة، أو في استمرار التعبئة الإيديولوجية باعتبارها أحد مصادر شرعيتها ونفوذها.
ومن هنا، فإنَّ التحدي الحقيقي أمام صنّاع القرار لا يكمن في تقييم بنود “مذكرة التفاهم” وحدها، بل في التمييز بين المرونة التكتيكية التي تفرضها موازين القوى في لحظة معينة، والتحوُّل الاستراتيجي الذي يقتضي إعادة تعريف هوية الحرس الثوري ودوره داخل النظام الإيراني. وحتى الآن، لا توحي الرسائل الصادرة عن قيادته بأنَّ مثل هذا التحوُّل قد بدأ. بل على العكس، تؤكد أنَّ المؤسسة ما زالت تعتبر الولاء لولاية الفقيه، ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، والحفاظ على منظومة “المقاومة”، ثوابت لا تخضع للمساومة، حتى في ظل المتغيرات التي فرضتها الحرب و”مذكرة التفاهم”.
- سعيد غولكار هو أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة تينيسي-تشاتانوغا في الولايات المتحدة، ومستشار كبير في منظمة متحدون ضد إيران النووية.
