خلال أقل من عقدين، نقل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قطر من إمارة خليجية صغيرة إلى دولة تمارس نفوذًا يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي، مستندًا إلى مزيج من الثروة والقوة الناعمة والديبلوماسية.
فريدا غيتيس*
لو كان في القاموس السياسي تعريف حيّ لمصطلح “تجاوز حدود قدراتك” “Punch Above One’s Weight”، الذي يصف دولة تمارس نفوذًا يفوق بكثير حجمها الجغرافي أو قدراتها التقليدية، لكانت قطر في عهد أميرها السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني المثال الأقرب إلى هذا التعريف. فقد نجح الرجل، الذي توفي الأحد الفائت عن عمر ناهز الرابعة والسبعين، في تحويل إمارة صغيرة على الخليج إلى لاعبٍ حاضر في ملفات إقليمية ودولية كان يُفترض أن تكون حكرًا على الدول الكبرى.
وخلال ثمانية عشر عامًا في الحكم، منذ عام 1995 وحتى تنازله عن السلطة لنجله الشيخ تميم بن حمد عام 2013، أعاد الشيخ حمد صياغة مفهوم الدولة الخليجية الصغيرة. فبدل أن تكتفي قطر بتوظيف ثروتها النفطية والغازية لتحقيق الرفاه الاقتصادي، تبنّى رؤية تقوم على تحويل هذه الثروة إلى نفوذ سياسي وديبلوماسي وإعلامي يمتد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة. ولولا هذه الاستراتيجية، التي اتسمت بالجرأة وأثارت كثيرًا من الجدل، لكان شكل الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين مختلفًا إلى حد بعيد.
ولم يكن مشروعه قائمًا على شراء النفوذ عبر صفقات السلاح وحدها، بل على الاستثمار في أدوات القوة الناعمة. فقد أدرك مبكرًا أنَّ شبكة إعلام عالمية، وديبلوماسية نشطة، واستثمارات رياضية وثقافية، ومبادرات إنسانية مدروسة، يمكن أن تمنح بلاده حضورًا وتأثيرًا يفوقان بكثير ما تسمح به مساحتها أو عدد سكانها.
وبفضل هذا النهج، تحولت قطر، التي يزيد عدد سكانها قليلًا على ثلاثة ملايين نسمة، يُشكّل الوافدون نحو 90 في المئة منهم، إلى دولة يصعب تجاوزها في كثير من الملفات الإقليمية والدولية، وأصبح تأثيرها يفوق، في كثير من الأحيان، حجمها الجغرافي والديموغرافي.
لكن الطريق إلى هذا الدور لم يكن تقليديًا. فالشيخ حمد، المولود عام 1952 والذي اختير وليًا للعهد وهو في السابعة والعشرين من عمره، لم ينتظر انتقال السلطة وفق الترتيبات المعتادة. ففي عام 1995، وأثناء وجود والده الأمير الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني خارج البلاد، قاد انقلابًا أبيض داخل القصر، من دون إراقة دماء، وتولّى الحكم. وبعد أيام، برر ما حدث في خطاب متلفز بقوله: “لستُ سعيدًا بما حدث، لكن كان لا بد من القيام به، وكان عليّ أن أقوم به.”
الثروة في خدمة النفوذ
تزامن وصول الشيخ حمد إلى السلطة مع تحوُّلٌ اقتصادي غير مسبوق. فقبل سنوات قليلة، بدأت قطر إنتاج الغاز من أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، الذي تتقاسم ملكيته مع إيران، لتدخل مرحلة جديدة من الوفرة المالية. ولم يكتفِ الأمير الجديد بتوظيف هذه الثروة في تحسين مستويات المعيشة داخل البلاد، عبر نظام واسع من الدعم والمزايا الاجتماعية، بل نظر إليها باعتبارها أداة لبناء نفوذ يتجاوز حدود الإمارة الصغيرة.
وفي هذا السياق، أُطلقت عام 1996 شبكة “الجزيرة” الفضائية، التي سرعان ما تحوّلت إلى أحد أبرز أدوات القوة الناعمة القطرية. فقد كسرت القناة احتكار الإعلام الرسمي في العالم العربي، وقدمت تغطيات نقدية تناولت قضايا كانت تُعد من المحرّمات، بما في ذلك أداء الحكومات والأنظمة العربية. غير أنَّ استقلاليتها لم تكن مطلقة؛ إذ بقيت تغطية الشأن القطري أكثر تحفُّظًا، بينما ظل الخط التحريري، في المُحصِّلة، منسجمًا مع التوجُّهات الاستراتيجية للدوحة وسياساتها الخارجية.
وفي العام نفسه، شرعت قطر في بناء قاعدة العديد الجوية، التي أصبحت لاحقًا أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط والمقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية، لتجمع الدوحة بذلك بين امتلاك واحدة من أقوى المنصات الإعلامية في المنطقة واستضافة أهم حضور عسكري أميركي فيها.
وعلى المستوى الإقليمي، انتهج الشيخ حمد سياسة خارجية قائمة على موازنة العلاقات مع أطراف يصعب الجمع بينها. فبينما رسّخ التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، حافظ في الوقت نفسه على قنوات اتصال وثيقة مع إيران، وأقام علاقات علنية مع إسرائيل، تُرجمت بافتتاح مكاتب تجارية متبادلة عام 1996. وقد منحت هذه السياسة قطر دور الوسيط القادر على التواصل مع أطراف متخاصمة، لكنها في الوقت نفسه أثارت شكوكًا متزايدة لدى عدد من جيرانها.
ومع اندلاع احتجاجات “الربيع العربي” مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، اتخذت الدوحة مواقف زادت من حضورها الإقليمي، لكنها عمّقت أيضًا خلافاتها مع عدد من العواصم العربية. فقد دعمت قطر جماعة “الإخوان المسلمين” في أكثر من ساحة، في وقت كانت الجماعة تخوض مواجهات سياسية مع أنظمة عربية قائمة، كما واصلت تقديم الدعم لحركة “حماس”، التي تُعَدُّ امتدادًا فكريًا للجماعة، رغم تصنيف الولايات المتحدة لها منظمة إرهابية منذ عام 1997، وهو تصنيف تتبنّاه أيضًا دول أخرى.
وفي عام 2012، أصبح الشيخ حمد أول رئيس دولة يزور قطاع غزة منذ سيطرة “حماس” عليه، في خطوة حملت رسائل سياسية واضحة بشأن مكانة الحركة في السياسة الإقليمية القطرية، ورسّخت صورة الدوحة باعتبارها لاعبًا يحتفظ بعلاقات مع أطراف لا تحظى باعتراف أو قبول لدى كثير من القوى الدولية والإقليمية.
لكن المفاجآت التي طبعت مسيرة الشيخ حمد لم تتوقف عند انقلابه الأبيض أو سياساته الخارجية. ففي عام 2013، وبعد ثمانية عشر عامًا في الحكم، أعلن تنازله عن العرش لنجله الشيخ تميم، في خطوة نادرة في الأنظمة الملكية الخليجية. وقد بدا القرار، في جانب منه، تعبيرًا عن رغبته في تجنُّب تكرار التجربة التي عاشها مع والده، حين طال انتظاره لانتقال السلطة.
وقبيل تنحّيه، اتخذ قرارًا آخر يعكس فلسفته في إدارة السياسة الخارجية، عندما سمح لحركة طالبان، التي كانت آنذاك في حرب مع الولايات المتحدة، بافتتاح مكتب سياسي في الدوحة. وقد أدرك أنَّ الحوار بين الطرفين سيصبح، عاجلًا أم آجلًا، ضرورة لا مفر منها، فسعى إلى جعل قطر منصة للمفاوضات التي انتهت لاحقًا إلى اتفاق الدوحة، الذي مهّد الطريق للانسحاب الأميركي من أفغانستان.
سياسة السير بين الخصوم
بعد انتقال السلطة عام 2013، لم يُحدث الشيخ تميم بن حمد قطيعة مع سياسات والده، بل اختار البناء عليها. ورُغمَ أنَّ موازين القوى في المنطقة بدأت تتغير مع انحسار موجة “الربيع العربي” منذ عام 2014، بقيت الدوحة متمسكة بدعم جماعة “الإخوان المسلمين”، حتى مع تراجع نفوذها في عدد من الدول العربية. وكنتُ قد كتبتُ آنذاك عن التداعيات المحتملة لهذا الخيار، في وقت كانت الضغوط الإقليمية والدولية تتزايد على الأمير الشاب لتعديل سياسات بلاده، إلّا أنه فضّل الاستمرار في النهج نفسه.
ولم يمر هذا الموقف من دون ثمن. ففي عام 2017، انفجرت أكبر أزمة في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، بعدما طالبت السعودية والإمارات والبحرين، ومعها مصر، قطر بوقف دعمها لجماعة “الإخوان المسلمين” وتغيير توجهاتها الإقليمية. ومع رفض الدوحة الاستجابة، أعلنت الدول الأربع قطع العلاقات الديبلوماسية معها وفرض حصار سياسي واقتصادي استمر ثلاثة وأربعين شهرًا.
وجاءت الأزمة في وقت حظيت فيه الرياض بدعم واضح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كان في مستهل ولايته الأولى، بينما قاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حملة الضغط على الدوحة لتغيير سياساتها. لكن قطر، خلافًا للتوقعات، تمكنت من احتواء تداعيات الحصار، مستفيدة من شبكة علاقاتها الدولية، ولا سيما دعم تركيا، إلى جانب إعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتعزيز اعتمادها على قدراتها الذاتية، حتى انتهت الأزمة مطلع عام 2021 من دون أن تُقدّم التنازلات الجوهرية التي طُلبت منها.
وخلال تلك السنوات، بقي النموذج القطري محل جدل واسع. فمن جهة، تعرضت الدوحة لانتقادات متواصلة بسبب سجلها في حقوق الإنسان، وبسبب اتهامات غربية وعربية بدعم جماعات إسلامية مسلحة أو متشددة. ومن جهة أخرى، أصرت القيادة القطرية على أنَّ الاحتفاظ بعلاقات مع أطراف متعارضة لا يعني تبنّي مواقفها، بل يشكل جُزءًا من سياسة تهدف إلى الحفاظ على قنوات الحوار والوساطة.
ومع مرور الوقت، بدا أنَّ هذه المقاربة عززت مكانة قطر لدى الولايات المتحدة بدل أن تضعفها. ففي عام 2022، منح الرئيس الأميركي جو بايدن الدوحة صفة حليف رئيس من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو)، اعترافًا بالدور الذي لعبته في ملفات إقليمية ودولية معقدة. كما تحولت قطر إلى وسيط دائم في مفاوضات شملت أفغانستان وإيران وأوكرانيا وغزة، مستفيدة من قدرتها على الاحتفاظ بعلاقات مع أطراف لا يجتمعون عادة حول طاولة واحدة. وكنتُ قد كتبت في عام 2022 أنَّ “الدول الصغيرة المُحاطة بجيران أقوياء تسعى عادة إلى تجنُّب لفت الأنظار، لكن قطر فعلت العكس تمامًا.”
وبالتوازي مع هذا الحضور السياسي، واصلت الدوحة توسيع نفوذها داخل الولايات المتحدة عبر أدوات القوة الناعمة. فقد أصبحت من أكبر المانحين الأجانب للجامعات الأميركية، كما قدمت تمويلًا كبيرًا لمراكز الأبحاث والفكر، وهو ما أثار انتقادات من بعض الأوساط التي رأت أنَّ هذا الإنفاق قد يؤثر في الخطاب الأكاديمي والسياسي المتعلق بقطر وسياساتها.
وفي العام نفسه، استضافت الدوحة نهائيات كأس العالم لكرة القدم، لتصبح أول دولة عربية تنظم البطولة. غير أنَّ هذا الإنجاز رافقته حملة انتقادات واسعة، شملت اتهامات بأنَّ قطر حصلت على حق الاستضافة بوسائل غير مشروعة، إضافة إلى تقارير تناولت ظروف عمل العمال المهاجرين الذين شاركوا في مشاريع البنية التحتية، وما شهدته تلك المرحلة من وفيات وإصابات أثارت جدلًا دوليًا حول معايير السلامة وحقوق العمال.
إرثٌ تجاوز حدود الجغرافيا
ولم يقتصر مشروع قطر على الوساطة والديبلوماسية. فقد وسّعت الدوحة حضورها العالمي عبر استثمارات ضخمة شملت قطاعات الرياضة والعقارات والسلع الفاخرة، فاستحوذت على أندية رياضية ومؤسسات تجارية مرموقة، من بينها متجر “هارودز” اللندني الشهير. كما استخدمت استثمارات صندوقها السيادي، في بعض الحالات، لتعزيز نفوذها السياسي؛ إذ أفادت تقارير حديثة بأنَّ مساهمين قطريين أسهموا في تعطيل شراكة كانت ستجمع بين شركة “فولكس فاغن” وشركة دفاع إسرائيلية لإنتاج مركبات مخصصة لدعم منظومة “القبة الحديدية”.
وعندما تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم منتصف تسعينيات القرن الماضي، لم يكن من السهل تصوُّر أنَّ دولة لا تتجاوز مساحتها بضعة آلاف من الكيلومترات المربعة يمكن أن تصبح لاعبًا مؤثرًا في ملفات تمتد من الشرق الأوسط إلى أفغانستان، ومن واشنطن إلى أوروبا. لكن الرهان الذي أطلقه على توظيف الثروة لبناء النفوذ، بدل الاكتفاء ببناء الرفاه، غيّر مكانة قطر في النظامين الإقليمي والدولي.
وقد اختلفت الآراء حول إرثه؛ فهناك مَن رأى فيه مهندسًا لصعود دولة صغيرة إلى مصاف اللاعبين الكبار، فيما اعتبر آخرون أنَّ سياساته جلبت لقطر أزمات وخصومات لم تكن في حاجة إليها. لكن ما يصعب إنكاره هو أنَّ الشيخ حمد أعاد تعريف الدور الذي تستطيع دولة صغيرة أن تؤديه في السياسة الدولية، ورسّخ نموذجًا جعل من قطر دولة تمارس نفوذًا يتجاوز، بفارق كبير، حجمها الجغرافي والديموغرافي، وهو الإرث الذي لا يزال يرسم ملامح سياستها الخارجية حتى اليوم.
- فريدا غيتيس هي كاتبة ومحللة سياسية متخصصة في الشؤون الدولية. يمكن متابعتها على منصتي “إكس” و”ثريدز” عبر الحساب: @fridaghitis.
