لبنان وإسرائيل… سبعةُ عقود من الاتفاقات وإدارة الصراع (2 من 5)
من اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل محطات قانونية وسياسية متباينة كثيرًا ما اختلطت في الوعي العام. في هذه الخماسية، تتتبع “أسواق العرب” هذه الوثائق، لتوضح كيف تطورت، وما الذي بقي منها، وما الذي تغيّر عبر أكثر من سبعة عقود.

الحلقة الثانية
من تفاهُم نيسان إلى اتفاقِ الإطار 2020… كيف تَغَيَّرَت الوثائق؟
كابي طبراني*
بسقوط اتفاق 17 أيار (مايو) عام 1984، لم يعد الحديث في لبنان يدور حول معاهدات سلام أو اتفاقات سياسية مع إسرائيل. لكن ذلك لم يُنهِ الصراع، بل غيّر طريقة إدارته. فخلال السنوات التالية، ظل الجنوب اللبناني ساحةً للمواجهة العسكرية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد عمليات المقاومة. ومن رحم هذه المواجهات، بدأت منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي تظهر أُطُرٌ سياسية وقانونية من نوع مختلف: تفاهمات تحدد قواعد الاشتباك، وقرارات دولية لتنظيم الوضع على الحدود، واتفاقات تقنية لمعالجة ملفات محددة، من دون أن تمسَّ جوهر النزاع السياسي.
وخلال هذه المرحلة، لم تعد القضية المطروحة هي توقيع معاهدة جديدة أو إحياء اتفاق 17 أيار (مايو)، بل البحث عن وسائل تحدّ من اتساع المواجهات وتحول دون انزلاقها إلى حرب شاملة. ومن هنا بدأت تظهر وثائق من نوع مختلف، لا تتحدث عن السلام، ولا عن تطبيع العلاقات، بل عن تنظيم استخدام القوة، وحماية المدنيين، ووضع قواعد للاشتباك.
وشهدت هذه المرحلة أيضًا تغيُّرًا في البيئة الإقليمية التي كانت تؤثر في مسار العلاقة بين لبنان وإسرائيل. فبعد إلغاء اتفاق 17 أيار (مايو)، تعزّز النفوذ السوري في لبنان، وأصبحت دمشق لاعبًا رئيسيًا في الملفات الأمنية والسياسية المرتبطة بالجنوب. ومع مرور الوقت، ولا سيما بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، برز “حزب الله”، المدعوم من إيران، بوصفه الطرف العسكري الأكثر تأثيرًا في معادلة المواجهة مع إسرائيل. وهكذا، لم تعد إدارة الصراع نتاج القرار اللبناني وحده، بل أصبحت تتأثر أيضًا بتوازنات إقليمية لعبت فيها سوريا أولًا، ثم إيران، دورًا لا يمكن تجاهله.
ولهذا، فإنَّ فهم الاتفاقات التي وُقِّعت بعد عام 2000، أو حتى اتفاق الإطار عام 2020، يقتضي التوقف أولًا عند محطة غالبًا ما تُذكر في سياقها العسكري أكثر مما تُقرأ بوصفها وثيقة سياسية، وهي تفاهم نيسان عام 1996، الذي شكّل نقطة تحوُّل في طريقة إدارة الصراع بين لبنان وإسرائيل.
تفاهُم نيسان… عندما أصبحت حماية المدنيين جُزءًا من قواعد الاشتباك
بحلول منتصف تسعينيات القرن الماضي، كانت المواجهة بين إسرائيل وفصائل المقاومة اللبنانية قد دخلت مرحلة مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه عند توقيع اتفاقية الهدنة أو حتى اتفاق 17 أيار (مايو). وكان الاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائمًا في الشريط الحدودي، فيما تصاعدت عمليات فصائل المقاومة، التي أصبح “حزب الله” يمثل القوة العسكرية الرئيسية فيها، وردّت إسرائيل بحملات عسكرية متكرّرة كان أكبرها عملية “عناقيد الغضب” في نيسان (أبريل) 1996.
واستمرّت العملية ستة عشر يومًا، وشهدت قصفًا واسعًا لمناطق جنوب لبنان، قبل أن تبلغ ذروتها في مجزرة قانا التي راح ضحيتها أكثر من مئة مدني كانوا يحتمون بمقر تابع للأمم المتحدة. وقد أثارت المجزرة ردود فعل دولية واسعة، وأطلقت تحرُّكًا ديبلوماسيًا قادته الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا، وانتهى بالتوصل إلى ما عُرف باسم “تفاهم نيسان”.
ولم يكن هذا التفاهم معاهدة سلام، ولا اتفاق هدنة جديدًا، ولا تسوية سياسية للنزاع. بل كان وثيقة محدودة الهدف، سعت إلى وضع قواعد تمنع استهداف المدنيين، وتنظّم حدود استخدام القوة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، من دون أن تمسَّ المواقف السياسية لأيٍّ من الطرفين أو تُغيّر الوضع القانوني القائم.
ولم يُوقَّع أصلًا بين لبنان وإسرائيل بوصفهما دولتين، بل أُعلن في صورة تفاهم رعته الولايات المتحدة ووافقت عليه الأطراف المعنية، وهو ما ميّزه قانونيًا عن الاتفاقات الثنائية التقليدية.
ومن هذه الزاوية، شكّل تفاهم نيسان تحوُّلًا لافتًا. فإذا كانت اتفاقية الهدنة عام 1949 قد نظمت العلاقة بين جيشين نظاميين، فإنَّ تفاهم 1996 جاء ليضع قواعد للاشتباك في نزاع بات يدور بين الجيش الإسرائيلي وفصائل المقاومة اللبنانية، التي أصبح “حزب الله” يمثل القوة العسكرية الرئيسية فيها.
ولذلك، لم يكن تفاهم نيسان عودة إلى اتفاقية الهدنة، ولا امتدادًا لاتفاق 17 أيار (مايو)، بل كان بداية لنمط جديد من الوثائق، يركّز على إدارة المواجهة أكثر من البحث عن تسويتها، وهو النمط الذي سيظهر لاحقًا، بأشكال مختلفة، في القرار 1701، ثم في الاتفاقات التي أعقبته.
وفي أيار (مايو) 2000 انسحبت إسرائيل من معظم جنوب لبنان تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 425، مُنهيةً احتلالًا استمرَّ أكثر من عقدين. إلّا أنَّ الانسحاب لم يُنهِ النزاع، إذ بقي الخلاف قائمًا حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، كما استمرّت المواجهات المتقطعة بين إسرائيل و”حزب الله”، الأمر الذي أبقى الجنوب ساحة مفتوحة لاحتمالات التصعيد.
ولم يكن استمرار المواجهة بعد عام 2000 مرتبطًا بالحدود وحدها، بل أيضًا بالجدل الداخلي حول دور المقاومة بعد الانسحاب الإسرائيلي. فقد اعتبر “حزب الله” أنَّ الانسحاب لا يعني انتهاء مهمته، لأنَّ الاحتلال، وفق الموقف اللبناني الرسمي آنذاك، بقي قائمًا في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ولأنَّ ملف الأسرى والخروقات الإسرائيلية ظل مفتوحًا. في المقابل، رأت قوى سياسية لبنانية أنَّ الانسحاب كان يفترض أن يفتح الباب أمام حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية، وهو نقاشٌ سيزداد حضورًا في السنوات اللاحقة، ولا سيما بعد حرب تموز (يوليو) 2006.
القرار 1701… عندما أصبحت الأمم المتحدة شريكًا في إدارة الحدود
لم يصمد تفاهم نيسان أكثر من عقد أمام التحوّلات التي شهدتها المنطقة. ففي تموز (يوليو) 2006، اندلعت مواجهة واسعة بين إسرائيل و”حزب الله”، استمرت أربعة وثلاثين يومًا، وأدّت إلى دمار واسع في لبنان وخسائر بشرية ومادية كبيرة على جانبي الحدود.
وكما حدث بعد عملية “عناقيد الغضب” عام 1996، انتهت الحرب بوثيقة جديدة. لكن هذه المرة لم تكن تفاهمًا سياسيًا محدودًا، بل قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن الدولي، هو القرار 1701، الذي اعتمد في 11 آب (أغسطس) 2006، وشكّل منذ ذلك الحين المرجعية الدولية الأساسية لتنظيم الوضع على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.
ودعا القرار إلى وقف كامل للأعمال العدائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وتعزيز قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بما يتيح لها مراقبة تنفيذ القرار ومساندة الجيش اللبناني في تثبيت الاستقرار في المنطقة الحدودية.
ومع أنَّ القرار صدر في أعقاب حرب، فإنه لم يكن معاهدة سلام، ولم ينهِ حالة النزاع بين لبنان وإسرائيل، كما لم يتناول القضايا السياسية العالقة، مثل الحدود النهائية أو مزارع شبعا أو مستقبل العلاقات بين البلدين. وبهذا المعنى، بقي القرار امتدادًا لفلسفة إدارة الصراع، لا إنهائه.
ولم يكن اختلاف القرار 1701 عن الوثائق السابقة نابعًا من دوره الدولي فحسب، بل أيضًا من تغيُّر طبيعة الصراع نفسه. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، لم تعد المواجهة على الحدود الجنوبية تقتصر على جيشين نظاميين، كما كان الحال عند توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949، بل أصبح حزب الله طرفًا رئيسيًا في المعادلة العسكرية والأمنية. وقد فرض هذا الواقع على الأمم المتحدة والوسطاء الدوليين التعامل مع بيئة أكثر تعقيدًا، تشارك فيها الدولة اللبنانية، والجيش اللبناني، و”حزب الله”، وإسرائيل، كلٌ وفق موقعه ودوره.
وبذلك، لم يعد تنفيذ أي تفاهم أو قرار دولي مرتبطًا بالدولة اللبنانية وحدها، بل أيضًا بمدى التزام جميع الأطراف الفاعلة على الأرض بأحكامه. وقد شكّل هذا التحوّل أحد أبرز الفوارق بين القرار 1701 واتفاقية الهدنة لعام 1949، التي كانت تقوم أساسًا على التزامات متبادلة بين دولتين وجيشين نظاميين.
غير أنَّ القرار 1701 أضاف عنصرًا جديدًا لم يكن حاضرًا في الوثائق السابقة، وهو منح الأمم المتحدة، عبر قوة اليونيفيل، دورًا أوسع في مراقبة تنفيذ الالتزامات الميدانية، بالتعاون مع الجيش اللبناني، الأمر الذي جعل الاستقرار على الحدود مرتبطًا، إلى حد كبير، بتطبيق أحكام هذا القرار.
ومنذ عام 2006، أصبحت معظم النقاشات المتعلقة بالحدود الجنوبية، سواء في أوقات الهدوء أو خلال جولات التصعيد، تُقاس بمدى الالتزام بالقرار 1701، وهو ما يفسر عودته إلى واجهة الأحداث مع كل مواجهة عسكرية جديدة.
من البر إلى البحر… لماذا انتقل التفاوض إلى الحدود البحرية؟
بعد صدور القرار 1701، شهد الجنوب اللبناني أطول فترة هدوء نسبي منذ عقود، رغم جولات التوتر المتكررة والخروقات المتبادلة. غير أنَّ الاستقرار على الحدود البرية لم يُنهِ القضايا العالقة بين لبنان وإسرائيل، بل نقل جُزءًا من الاهتمام إلى ملفٍّ آخر لم يكن يحظى بالقدر نفسه من الاهتمام في العقود السابقة، هو ترسيم الحدود البحرية.
ومع اكتشافات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم يعد الخلاف على الحدود البحرية مسألة قانونية أو تقنية فحسب، بل أصبح مرتبطًا بحقوق استثمارية واقتصادية قد تحدّد مستقبل قطاع الطاقة في المنطقة. وبالنسبة إلى لبنان، الذي كان يواجه أزمة اقتصادية متفاقمة، اكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة، بوصفه مرتبطًا بإمكانات استثمار موارده البحرية.
ومن هنا، بدأ مسارٌ تفاوضي مختلف عن كل ما سبقه. فلم يكن الهدف إنهاء حالة النزاع بين لبنان وإسرائيل، ولا معالجة الملفات السياسية أو الأمنية العالقة، بل التوصُّل إلى آليةٍ لترسيم الحدود البحرية بما يتيح لكلِّ طرف ممارسة حقوقه في المناطق التي يعتبرها واقعة ضمن نطاقه البحري.
ولهذا، جاءت المبادرة التي أُعلن عنها في تشرين الأول (أكتوبر) 2020 تحت اسم “اتفاق الإطار”، لتفتح باب مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة واستضافة الأمم المتحدة في مقر قوات اليونيفيل في الناقورة.
ومنذ اللحظة الأولى، حرصت الدولة اللبنانية على التأكيد أنَّ هذه المفاوضات تقتصر على ترسيم الحدود البحرية، ولا تشكّل مفاوضات سياسية أو خطوة نحو التطبيع أو اتفاق سلام. وفي المقابل، رأى آخرون أنَّ مجرّد الانتقال إلى مفاوضات منظمة، ولو بصورة غير مباشرة، يمثل تحوّلًا جديدًا في إدارة العلاقة بين الطرفين، ويستحق قراءة مختلفة عن تلك التي صاحبت اتفاق 17 أيار (مايو) قبل نحو أربعة عقود.
ولم يترك اتفاق الإطار مجال المفاوضات مفتوحًا، بل حدده بصورة واضحة، إذ نصَّ على أنَّ المباحثات ستتناول ترسيم الحدود البحرية والبرية وفق الآلية المتفق عليها وبرعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة.
وجاء في الوثيقة: “الاتفاق على إطلاق مفاوضات لترسيم الحدود البحرية، واستكمال ترسيم الحدود البرية، برعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة.”
ومن هنا، يبرز سؤال جديد: ما الذي تضمنه “اتفاق الإطار”، ولماذا حظي بقبول سياسي داخلي لم يحظ به اتفاق 17 أيار (مايو)؟
“اتفاق الإطار” 2020… لماذا لم يُثر الجدل الذي أثاره 17 أيار/مايو؟
عندما أُعلن “اتفاق الإطار” في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) 2020، لم يكن الحدث مجرد إطلاق مفاوضات لترسيم الحدود البحرية، بل كان أيضًا إعلانًا رسميًا عن قبول لبنان الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة والأمم المتحدة، للمرة الأولى منذ إلغاء اتفاق 17 أيار (مايو).
وأعلن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، التوصل إلى الاتفاق بعد سنوات من الوساطة الأميركية، مؤكدًا أنَّ المفاوضات ستقتصر على ترسيم الحدود البحرية، وستُجرى بصورة غير مباشرة في مقر الأمم المتحدة في الناقورة، وبرعاية الأمم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة.
وجاء نص الوثيقة ثمرة وساطة أميركية استمرت سنوات، شارك فيها أكثر من موفد أميركي، قبل أن تنضج صيغته النهائية في خريف 2020.
ومنذ اللحظة الأولى، حرصت الدولة اللبنانية على وضع حدود واضحة لهذا المسار. فقد أكدت أنَّ المفاوضات لا تمثّل اعترافًا بإسرائيل، ولا تشكّل خطوةً نحو التطبيع أو معاهدة سلام، وإنما تقتصر على معالجة نزاع حدودي محدد وفق أحكام القانون الدولي.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين “اتفاق الإطار” 2020 واتفاق 17 أيار (مايو). فالأخير حاول، في نظر مؤيديه ومعارضيه على السواء، تنظيم جانب أوسع من العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل، بينما اقتصر اتفاق الإطار على فتح باب التفاوض حول ملف تقني وقانوني محدد، هو ترسيم الحدود البحرية، من دون أن يتناول مستقبل العلاقة السياسية بين البلدين أو يغير موقف لبنان المعلن من الصراع.
ولذلك، لم يواجه اتفاق الإطار الانقسام الداخلي الحاد الذي رافق اتفاق 17 أيار (مايو)، رغم أنَّ بعض القوى السياسية أبدت تحفظات على بعض جوانبه أو على طريقة إدارة المفاوضات. أما الاعتراض الأساسي، فلم يكن على مبدَإِ التفاوض غير المباشر بحد ذاته، بقدر ما انصبَّ على كيفية إدارة الملف والنتائج التي قد تترتب عليه.
وهكذا، بدا أنَّ لبنان انتقل، خلال أربعة عقود، من الجدل حول إمكان تنظيم العلاقة مع إسرائيل إلى نقاش مختلف تمامًا، يدور حول كيفية إدارة نزاع محدد من دون المساس بالمواقف السياسية الثابتة.
هل تغيّرت المواقف… أم تغيّرت طبيعة الاتفاقات؟
عند النظر إلى مسار الوثائق التي نُظِّمت بين لبنان وإسرائيل منذ إلغاء اتفاق 17 أيار (مايو)، يصعب القول إنَّ السياسة اللبنانية بقيت جامدة، كما يصعب في المقابل القول إنها انقلبت على ثوابتها. فالأدق أنَّ طبيعة الوثائق نفسها أخذت تتغيّر مع مرور الوقت.
ففي عام 1949، كان الهدف وقف الحرب بين جيشين نظاميين. وفي عام 1983، حاول اتفاق 17 أيار (مايو) إعادة تنظيم العلاقة الأمنية في ظلِّ الاحتلال الإسرائيلي، فواجه انقسامًا داخليًا وانتهى إلى الإلغاء. أما الوثائق التي تلته، من تفاهم نيسان عام 1996 إلى القرار 1701، ثم اتفاق الإطار عام 2020، فقد اتجهت إلى معالجة ملفات محددة، مثل حماية المدنيين، أو تثبيت الاستقرار على الحدود، أو ترسيم الحدود البحرية، من دون أن تدّعي معالجة الصراع برمته أو إعادة صياغة العلاقة السياسية بين لبنان وإسرائيل.
ولهذا، رأى مؤيدو هذه الوثائق أنها لا تتعارض مع الموقف اللبناني التقليدي الرافض للتطبيع أو لمعاهدة سلام، لأنها لا تتجاوز معالجة نزاعات محددة فرضتها الوقائع العسكرية أو القانونية أو الاقتصادية. وفي المقابل، اعتبر منتقدوها أنَّ مجرّد الانتقال إلى ترتيبات تفاوضية جديدة، حتى وإن كانت غير مباشرة أو محصورة بملفات تقنية، يعكس تطورًا في إدارة العلاقة مع إسرائيل يستحق النقاش.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأكثر دقة هو: هل تغيّر لبنان؟ بل: كيف تغيّرت الأدوات التي يدير بها لبنان صراعه مع إسرائيل؟
فبين الهدنة، وتفاهم نيسان، والقرار 1701، واتفاق الإطار، تبدو الوثائق وكأنها تعكس انتقالًا تدريجيًا من محاولة تنظيم الحرب، إلى محاولة إدارة النزاعات التي يفرضها استمرارها.
وللمرة الأولى، لم يعد السؤال يدور حول الأمن وحده، بل حول الثروة أيضًا. فدخول ملف الغاز والحدود البحرية إلى مسار التفاوض نقل جُزءًا من الصراع من ساحات المواجهة العسكرية إلى حسابات المصالح الاقتصادية، من دون أن يضع حدًا للخلافات السياسية والأمنية القائمة.
وإذا كانت الوثائق التي تناولتها هذه الحلقة قد أعادت رسم قواعد إدارة الصراع، فإنَّ الوثيقة التالية ستتجاوز إدارة المواجهة إلى إدارة المصالح الاقتصادية. لكن الانتقال من التفاوض على إطار للمفاوضات إلى توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية سيطرح أسئلة جديدة: هل كان ذلك مجرد تسوية تقنية، أم أنه شكّل سابقة سياسية مختلفة؟ وهذا ما تتناوله الحلقة الثالثة.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.