لبنان وإسرائيل… سبعة عقود من الاتفاقات وإدارة الصراع (1 من 5)

من اتفاقية الهدنة عام 1949 إلى تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة، شهدت العلاقة بين لبنان وإسرائيل محطات قانونية وسياسية متباينة كثيرًا ما اختلطت في الوعي العام. في هذه الخماسية، تتتبع “أسواق العرب” هذه الوثائق، لتوضح كيف تطورت، وما الذي بقي منها، وما الذي تغيّر عبر أكثر من سبعة عقود.

من اليمين: موريس درايبر، ديفيد كيمحي، وأنطوان فتّال، رؤساء الوفود الأميركية والإسرائيلية واللبنانية، خلال توقيع اتفاق 17 أيار (مايو) 1983.

الحلقة الأولى

لماذا بقيت الهدنة… وسقط 17 أيار؟

 

كابي طبراني*

بعد أكثر من سبعة عقود على أول اتفاق رسمي بين لبنان وإسرائيل، لا يزال الجدل السياسي في لبنان يتجدد مع كل تفاهم أو اتفاق جديد، سواء تعلق بترسيم الحدود أو بوقف إطلاق النار أو بآليات التفاوض. لكن هذا الجدل غالبًا ما يدور من دون العودة إلى السؤال الأساسي: ما الذي وقّعه لبنان أصلًا مع إسرائيل منذ عام 1949؟

ففي الوعي العام، تختلط مفاهيم الهدنة ووقف إطلاق النار والترسيم والاتفاق السياسي، حتى تبدو جميعها وكأنها تعني الشيء نفسه. غير أنَّ القانون الدولي، كما الوقائع السياسية، يميز بينها تمييزًا واضحًا، ولكلٍّ منها آثار قانونية وسياسية مختلفة.

ومنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، وقّع لبنان عددًا محدودًا من الوثائق التي نظمت جوانب مختلفة من العلاقة بين الطرفين، بدءًا من اتفاقية الهدنة عام 1949، مرورًا باتفاق 17 أيار (مايو) 1983 الذي لم يعمّر طويلًا، وصولًا إلى اتفاق الإطار للمفاوضات البحرية، ثم اتفاق ترسيم الحدود البحرية، وأخيرًا تفاهمات وقف إطلاق النار الأخيرة.

ورغم اختلاف ظروف هذه الاتفاقات ومضامينها، فإنها تطرح سؤالًا واحدًا ظلَّ حاضرًا طوال العقود الماضية: كيف يمكن للبنان أن يوقّع اتفاقات مع إسرائيل، في حين يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يعترف بها ولا يسعى إلى إقامة سلام معها؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى البداية؛ إلى أول وثيقة نظمت العلاقة بين الجانبين، وهي اتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية لعام 1949، التي بقيت قائمة قانونيًا حتى اليوم، في مفارقة لافتة، بينما سقط اتفاق 17 أيار (مايو)، رغم إقراره نيابيًا.

لماذا وُقِّعت اتفاقية الهدنة؟

عندما توقفت المعارك الكبرى التي أعقبت قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم يكن الشرق الأوسط قد عرف السلام، بل كان يبحث عن وسيلة تمنع استمرار الحرب. فالجيوش العربية التي دخلت فلسطين، ومن بينها الجيش اللبناني، وجدت نفسها أمام واقع عسكري جديد، بينما كانت الأمم المتحدة تسعى إلى تثبيت وقف الأعمال القتالية تمهيدًا لمعالجة النزاع عبر الوسائل السياسية.

في هذا السياق، جاءت اتفاقيات الهدنة التي وُقِّعت بين إسرائيل وكل من مصر ولبنان والأردن وسوريا خلال عام 1949، بوصفها ترتيبات عسكرية مؤقتة، لا معاهدات سلام. وكان الهدف منها وقف إطلاق النار، ورسم خطوط الهدنة، وإنشاء آليات لمعالجة الحوادث الحدودية، من دون أن تحسم القضايا السياسية أو القانونية التي كانت وراء اندلاع الحرب.

وكان لبنان ثاني دولة عربية توقّع اتفاقية هدنة مع إسرائيل، بعد مصر، وذلك في 23 آذار (مارس) 1949 في بلدة رأس الناقورة الحدودية، برعاية الأمم المتحدة، ممثلةً برئيس هيئة مراقبة الهدنة. ومنذ البداية، حرصت الاتفاقية على التأكيد أنها لا تمثّل تسوية سياسية، ولا تمسُّ حقوق أيٍّ من الطرفين أو مطالبه المستقبلية، بل تقتصر على تنظيم وقف الأعمال العسكرية على الجبهة اللبنانية.

وهذه النقطة ليست تفصيلًا قانونيًا، بل هي مفتاحٌ لفهم كل ما تلاها. فالهدنة، وفق القانون الدولي، تختلف عن معاهدة السلام، لأنها توقف القتال من دون أن تُنهي حالة النزاع، وتُنظّم العلاقة العسكرية من دون أن تُنشئ علاقة سياسية أو ديبلوماسية بين الطرفين.

وبذلك، لم تُنهِ اتفاقية الهدنة حالة الحرب القانونية بين لبنان وإسرائيل، بل علّقت الأعمال العسكرية ونظّمتها، فيما بقي النزاع بين الدولتين قائمًا من الناحية القانونية والسياسية إلى أن يُسوّى باتفاق آخر. وفي غضون ذلك، سحب لبنان صفته السابقة كدولة من دول المواجهة، وأطلق على نفسه، في عهد الرئيس شارل حلو (1964 – 1970)، صفة “دولة مساندة”، بمعنى أنه لا يشارك في أي حرب ضد إسرائيل بصورة مباشرة.

ولعلَّ هذا ما يفسر لماذا بقيت اتفاقية الهدنة قائمة من الناحية القانونية طوال أكثر من سبعة عقود، رغم الحروب التي شهدها جنوب لبنان، ورغم الاجتياحات الإسرائيلية، ورغم انهيار لجنة الهدنة المشتركة عمليًا منذ خمسينيات القرن الماضي. فقد ظل وجودها القانوني منفصلًا عن مدى الالتزام بها على الأرض.

غير أنَّ فهم ما جرى على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية خلال السبعينيات يقتضي العودة إلى محطة مفصلية لم تتناولها هذه الحلقة، وهي توقيع اتفاق القاهرة عام 1969 بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية. فقد أتاح الاتفاق تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح داخل المخيمات، كما منح الفصائل الفلسطينية هامشًا لممارسة العمل الفدائي انطلاقًا من جنوب لبنان. وبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن إثر أحداث عامي 1970 و1971، انتقل مركز ثقلها العسكري والسياسي إلى لبنان، حيث توسّع انتشار قواتها، ولا سيما في الجنوب.

وأدى هذا الواقع إلى تصاعد العمليات العسكرية عبر الحدود بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وتزايدت في المقابل الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. ومع مرور الوقت، أصبحت المواجهة على الجبهة اللبنانية جُزءًا رئيسيًا من الصراع العربي–الإسرائيلي، الأمر الذي مهّد لاجتياح عام 1978، ثم للاجتياح الإسرائيلي الواسع عام 1982. وقد بررت إسرائيل عمليتها العسكرية بضرورة وقف الهجمات المنطلقة من الأراضي اللبنانية وإبعاد قوات منظمة التحرير الفلسطينية عن حدودها، في حين رأى لبنان وكثيرٌ من الدول العربية والمجتمع الدولي أنَّ الاجتياح تجاوز هذا الهدف ليشمل احتلال أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية والتدخل في شؤونها الداخلية.

ومن دون الإشارة إلى هذه الخلفية، يصعب على القارئ فهم الأسباب التي أدت إلى انتقال العلاقة اللبنانية–الإسرائيلية من مرحلة الخروقات الحدودية المحدودة إلى مرحلة الاجتياحات العسكرية الواسعة، وما تبعها من تحولات سياسية وأمنية كان لها أثر بالغ في تاريخ لبنان الحديث. ويرى عدد من الباحثين أنَّ “اتفاق القاهرة”، ثم لاحقًا نشوء “المقاومة الإسلامية” بقيادة “حزب الله”، جعلا لبنان عمليًا يعود إلى موقع دولة مواجهة، بعدما كانت اتفاقية الهدنة قد أبقت مشاركته العسكرية المباشرة خارج الصراع. ولا يزال هذا الواقع يشكل أحد أبرز التحديات أمام الدولة اللبنانية في أيِّ مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل.

ماذا قالت اتفاقية الهدنة… وماذا لم تقل؟

قد تبدو اتفاقية الهدنة اللبنانية–الإسرائيلية، عند قراءة نصها لأول مرة، أقرب إلى وثيقة عسكرية منها إلى اتفاق سياسي. فهي لا تتناول الاعتراف المتبادل، ولا ترسم حدودًا نهائية، ولا تنصُّ على إقامة علاقات ديبلوماسية، ولا تتحدّث عن سلام أو تطبيع أو تعاون بين الطرفين. بل إنَّ معظم موادها تنصرف إلى تنظيم وقف الأعمال العسكرية، ومنع الاحتكاك على الحدود، وإنشاء لجنة مشتركة للنظر في الخروقات التي قد تقع لاحقًا.

وجاء في المادة الأولى من الاتفاقية: “لا يجوز لأيِّ عنصر من القوات العسكرية أو شبه العسكرية لأيٍّ من الطرفين القيام بأيِّ عملٍ حربي أو عدائي ضد قوات الطرف الآخر أو ضد المدنيين في الأراضي الخاضعة لسيطرته”.

ومنذ مادتها الأولى، تؤكد الاتفاقية أنَّ الهدف منها هو وضعُ حدٍّ للأعمال العسكرية تنفيذًا لقرار مجلس الأمن، تمهيدًا لإحلال السلام في فلسطين، لا إبرام معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل. كما تنص بوضوح على أنَّ أحكامها لا تمس الحقوق أو المطالب أو المواقف السياسية لأيٍّ من الطرفين في التسوية النهائية للنزاع الفلسطيني، وهي عبارة تعكس حرص الأمم المتحدة والدول العربية آنذاك على الفصل بين وقف القتال وبين الحلِّ السياسي الشامل.

كما نصت الاتفاقية على أن: “لا يجوز بأيِّ حال تفسير أيّ حكم من أحكام هذه الاتفاقية على أنه يمس الحقوق أو المطالب أو المواقف التي يتخذها أي من الطرفين في التسوية السلمية النهائية لقضية فلسطين.”

وانطلاقًا من هذا المَبدَإِ، رسمت الاتفاقية ما عُرف بـ”خط الهدنة”، وهو خط عسكري لتنظيم انتشار القوات ومنع الاشتباكات، لا حدودًا دولية جديدة. كما أنشأت لجنة الهدنة المشتركة برئاسة الأمم المتحدة، لتكون المرجع في معالجة الحوادث والخلافات التي قد تنشأ على طول الحدود.

وهنا تبرز إحدى أهم خصائص الاتفاقية. فهي لم تكن تهدف إلى إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل، بل إلى وضع قواعد لإدارة الاشتباك العسكري ومنع تحوّله إلى حرب مفتوحة كلما وقع حادث حدودي. ولذلك شكّلت إطارًا لتنظيم الصراع، لا لتسويته أو إنهائه.

ومن اللافت أيضًا أنَّ الاتفاقية خلت تمامًا من أيِّ نصٍّ يُلزم لبنان أو إسرائيل بإقامة علاقات سياسية أو اقتصادية أو أمنية دائمة، كما لم تتضمن أي إشارة إلى الاعتراف المتبادل أو تبادل التمثيل الديبلوماسي أو التعاون بين الدولتين. وهذا ما جعلها، في نظر كثير من الخبراء، اتفاقًا عسكريًا محدود الأهداف، لا يحمل الأبعاد السياسية التي تُميّز معاهدات السلام.

ولهذا السبب، استطاعت اتفاقية الهدنة أن تبقى قائمة من الناحية القانونية، رغم أنَّ الوقائع على الأرض شهدت حروبًا واجتياحات واحتلالًا وانسحابًا واشتباكات متكررة. فخرق الاتفاقية لا يؤدي تلقائيًا إلى زوالها، كما إنَّ تعطل بعض آلياتها، مثل لجنة الهدنة المشتركة، لا يعني انتهاء وجودها القانوني، ما لم يتفق الطرفان على إلغائها أو تُستَبدَل باتفاقٍ آخر ينظّم العلاقة العسكرية بينهما.

وبذلك، لم تكن اتفاقية الهدنة وثيقة لإنهاء الصراع، بل إطارًا لإدارته. وربما كان هذا هو أحد أسرار بقائها طوال أكثر من سبعة عقود.

من الهدنة إلى 17 أيار/مايو… عندما تغيّرت طبيعة الاتفاقات

لأكثر من ثلاثة عقود، بقيت اتفاقية الهدنة لعام 1949 الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة العسكرية بين لبنان وإسرائيل، رغم أنَّ الوقائع على الأرض ابتعدت كثيرًا من نصوصها. فقد شهدت الحدود الجنوبية عمليات فدائية فلسطينية، وردودًا إسرائيلية، ثم اجتياحين واسعين للبنان عامي 1978 و1982، حتى أصبح الواقع العسكري مختلفًا تمامًا عن الظروف التي وُلدت فيها الاتفاقية.

ومع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة. فلم يعد النقاش يدور حول تنظيم وقف إطلاق النار أو معالجة الحوادث الحدودية، بل حول إعادة صياغة العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل في ظل الاحتلال الإسرائيلي لجزء كبير من الأراضي اللبنانية، والوجود العسكري السوري، والانقسام الداخلي الحاد.

وفي موازاة التطوّرات العسكرية، وسّعت إسرائيل تعاونها مع بعض القوى اللبنانية، وكان من أبرز مظاهر ذلك دعمها لجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، ثم أنطوان لحد، إلى جانب تعاونها مع “القوات اللبنانية”. وفي أعقاب خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، انتخب مجلس النواب قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل رئيسًا للجمهورية في آب (أغسطس) 1982، إلّا أنه اغتيل بعد أسابيع قبل تسلمه مهامه رسميًا، فانتَخَبَ المجلس شقيقه أمين الجميل رئيسًا للجمهورية.

وفي ظل هذه التحوّلات السياسية والأمنية، بدأت مفاوضات برعاية الولايات المتحدة، انتهت بتوقيع اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 بين لبنان وإسرائيل. ومنذ اللحظة الأولى، لم يُنظر إلى الاتفاق باعتباره امتدادًا لاتفاقية الهدنة، بل بوصفه وثيقة مختلفة في أهدافها ومضمونها وآثارها السياسية.

فبينما اقتصرت اتفاقية الهدنة على تنظيم الوضع العسكري من دون المساس بالمواقف السياسية للطرفين، ذهب اتفاق 17 أيار (مايو) إلى أبعد من ذلك، متناولًا ترتيبات أمنية وسياسية أوسع، الأمر الذي جعله محور انقسام حاد داخل لبنان، كما أثار اعتراضات عربية وإقليمية واسعة، قبل أن يُلغى رسميًا عام 1984.

ومن هنا تبدأ المقارنة الحقيقية. فالسؤال لم يعد: لماذا وُقِّع اتفاق 17 أيار/مايو؟ بل: ما الذي تضمّنه وجعل كثيرين يرون فيه تحوُّلًا نوعيًا يختلف عن اتفاقية الهدنة لعام 1949؟

اتفاق 17 أيار/مايو… لماذا أثار كل ذلك الجدل؟

لم يكن اتفاق 17 أيار 1983 أول وثيقة يوقعها لبنان مع إسرائيل، لكنه كان أول اتفاق يتجاوز الإطار العسكري الضيق الذي رسمته اتفاقية الهدنة عام 1949. فبينما اكتفت الهدنة بتنظيم وقف الأعمال القتالية وآليات مراقبتها، سعى الاتفاق الجديد إلى معالجة جوانب أوسع من العلاقة بين البلدين في مرحلة كانت إسرائيل لا تزال تحتل أجزاء واسعة من الأراضي اللبنانية.

وجاء الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبرعاية أميركية مباشرة. ووقّعه في 17 أيار (مايو) 1983 مفوّضون عن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية في احتفالين أقيما في خلدة وكريات شمونة، ولم يكن توقيعًا شخصيًا من الرئيس أمين الجميّل. وبعد نحو شهر، أقرّه مجلس النواب اللبناني بأغلبية كبيرة في جلسات ترأسها كامل الأسعد، الذي امتنع عن التصويت التزامًا بحياد موقعه. غير أنَّ الاتفاق لم يستكمل مساره الدستوري؛ إذ امتنع الجميّل عن توقيع وثيقة التصديق ومنحه الصيغة التنفيذية، فلم تُتبادل وثائق التصديق بين الطرفين، وهو الشرط الذي نصت عليه مادته العاشرة لدخوله حيز التنفيذ.

وتضمن الاتفاق ترتيبات أمنية مفصلة، شملت إنشاء مناطق أمنية وآليات للتنسيق، وتعهدات متبادلة بمنع استخدام الأراضي اللبنانية لشن هجمات على إسرائيل، إلى جانب ترتيبات تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية. ورغم أن الاتفاق لم يُعلن معاهدة سلام، ولم ينص على تبادل السفارات أو إقامة علاقات ديبلوماسية، فإنَّ كثيرًا من القوى اللبنانية والعربية اعتبرت أنه يتجاوز مفهوم الهدنة التقليدي، لأنه ينظم علاقة أمنية مباشرة بين الطرفين خارج الإطار الذي رسمته الأمم المتحدة عام 1949.

وقد نص الاتفاق على أن: “يتعهد كل طرف بأن يحول دون استخدام الأراضي الخاضعة لسلطته لارتكاب أعمال عدائية ضد الطرف الآخر.”

ومن هنا بدأ الانقسام. فقد رأت الحكومة اللبنانية آنذاك أنَّ الاتفاق يشكّل وسيلة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي واستعادة السيادة على الأراضي اللبنانية. في المقابل، اعتبرت قوى سياسية لبنانية، مدعومة بموقف سوري واضح، أنَّ الاتفاق يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية لا تتناسب مع أوضاع لبنان، ويؤسس لعلاقة ثنائية تختلف في طبيعتها عن اتفاقية الهدنة.

ولم يكن الرفض السوري مجرد موقف سياسي عابر، بل ارتبط برؤية دمشق (حافظ الأسد) لموقعها في لبنان وللصراع مع إسرائيل. فقد اعتبرت القيادة السورية آنذاك أنَّ اتفاق 17 أيار (مايو) أُبرِمَ في ظلِّ الاحتلال الإسرائيلي، وبرعاية أميركية، ومن دون موافقتها، ورأت فيه محاولة لإخراج لبنان من معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي وتقليص نفوذها في الساحة اللبنانية. ولذلك دعمت القوى اللبنانية المعارضة للاتفاق، وكان لهذا الموقف، إلى جانب الانقسام الداخلي وتبدُّل الظروف الدولية، دور أساسي في سقوطه عام 1984.

وسواء اتفق اللبنانيون أو اختلفوا حول مضمون الاتفاق، فإنَّ النتيجة كانت واحدة. فلم يدخل الاتفاق حيّز التنفيذ أصلًا، رغم توقيع المفاوضين عليه وإقرار مجلس النواب له، لأنَّ إجراءات التصديق النهائية وتبادل وثائقها لم تُستكمَل. وفي الخامس من آذار (مارس) 1984، قررت الحكومة اللبنانية إلغاء الاتفاق وسحب التزامها السياسي به، بعد أن كان قد بقي أصلًا من دون نفاذ قانوني نهائي، ليصبح أحد أقصر الاتفاقات عمرًا في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها. فالاتفاقية التي حاولت تنظيم العلاقة بصورة أوسع سقطت خلال أقل من عام، بينما بقيت اتفاقية الهدنة، ذات الطابع العسكري المحدود، المرجع القانوني الوحيد الذي لم يُلغَ رسميًا منذ عام 1949.

لماذا بقيت الهدنة… وسقط 17 أيار /مايو؟

عند المقارنة بين الوثيقتين، تبدو المفارقة واضحة. فقد بقيت اتفاقية الهدنة لعام 1949 قائمة، رغم أنها وُقعت بعد أول حرب عربية–إسرائيلية وشهدت المنطقة بعدها حروبًا واجتياحات واحتلالًا ومواجهات متكررة. أما اتفاق 17 أيار/مايو، الذي جاء بعد أكثر من ثلاثة عقود، فلم يصمد سوى أشهر قليلة قبل أن يُلغى رسميًا.

ولعلّ السبب لا يكمن في الظروف السياسية وحدها، بل في طبيعة كل اتفاق. فقد انطلقت اتفاقية الهدنة من هدف محدود وواضح، هو وقف الأعمال العسكرية وتنظيمها من دون أن تمس جوهر الصراع السياسي أو القانوني بين لبنان وإسرائيل. ولذلك أمكن، رغم الخروقات المتكررة، أن تبقى مرجعًا قانونيًا ينظم الحد الأدنى من العلاقة العسكرية بين الطرفين.

أما اتفاق 17 أيار/مايو، فقد حاول معالجة ملفات تتجاوز وقف القتال إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر اتساعًا، في وقت كان لبنان يعيش انقسامًا داخليًا عميقًا، وكانت أراضيه لا تزال تشهد وجود قوات إسرائيلية وسورية في آن واحد. ولهذا لم يكن الخلاف حول بعض بنوده فحسب، بل حول الفكرة التي قام عليها الاتفاق، وحول توقيته والظروف التي وُقِّعَ فيها.

ومن هنا، يصعب النظر إلى الوثيقتين باعتبارهما نموذجين متشابهين. فالهدنة كانت أداة لإدارة الصراع، بينما سعى اتفاق 17 أيار/مايو إلى إعادة تنظيم جانب من العلاقة بين الطرفين في ظروف سياسية وأمنية معقدة. كما إنَّ الاتفاق لم يحظَ بإجماع داخلي، ولا بقبول سوري أو عربي واسع، الأمر الذي جعل استمراره مرتبطًا بتوازنات سياسية وإقليمية سرعان ما تبدلت.

لكن ما تلا عام 1984 لم يكن عودةً إلى اتفاقات من نوع 17 أيار (مايو)، ولا استمرارًا لاتفاقية الهدنة بصورتها الأصلية، بل انتقالًا إلى نموذج مختلف يقوم على قرارات مجلس الأمن، والتفاهمات غير المباشرة، والاتفاقات التقنية. وهنا تبدأ الحلقة الثانية، التي تتناول كيف انتقل لبنان من اتفاقات سياسية إلى تفاهمات تقنية وقرارات دولية لإدارة الصراع.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى