مصر… مَن يُمَوِّلُ الجمهورية الجديدة؟
لم تعد صفقة رأس الحكمة بين مصر ودولة الإمارات مجرّد استثمار عقاري قياسي، بل أصبحت نافذة لفهم التحوُّل الذي طرأ على النموذج الاقتصادي المصري، حيث تحوّلت الأصول العامة إلى إحدى أهم أدوات تمويل التنمية.

هُدى أحمد*
في صباح الثالث والعشرين من شباط (فبراير) 2024، لم يكن الخبر الذي هيمن على الأسواق المصرية مشروعًا سياحيًا جديدًا على ساحل البحر المتوسط، بل الإعلان الذي أعاد الدولار الأميركي إلى البنوك.
فبعد أشهر من أزمة حادة في النقد الأجنبي، اتسعت خلالها الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وقّعت القاهرة وأبوظبي اتفاقًا لتطوير منطقة رأس الحكمة باستثمارات بلغت 35 مليار دولار. وخلال أيام، تبدّلت المؤشرات؛ ارتفع احتياطي النقد الأجنبي، واستعاد الجنيه شيئًا من استقراره، بينما اعتبرت الحكومة الصفقة نقطة تحوُّل في مسار الاقتصاد.
وتُعدُّ الصفقة أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، كما إنها جاءت في لحظةٍ كان الاقتصاد يواجه فيها ضغوطًا غير مسبوقة على سوق الصرف.
لكن أهمية رأس الحكمة لم تكن في حجمها المالي فقط. فالصفقة كشفت عن تحوُّلٍ أعمق شهدته السياسة الاقتصادية المصرية خلال العقد الأخير. فبدل الاعتماد على أدوات التمويل التقليدية وحدها، أصبحت الدولة تنظر إلى الأراضي والموانئ والشركات العامة بوصفها أصولًا يمكن إعادة توظيفها لجذب الاستثمارات، وتوفير السيولة، وتمويل موجة غير مسبوقة من الاستثمار في البنية التحتية.
هذا التحوُّل لم يبدأ مع رأس الحكمة، ولن ينتهي عندها. فمنذ عام 2014، أعادت الدولة رسم دورها في الاقتصاد، ليس فقط باعتبارها مستثمرًا في الطرق والمدن الجديدة، بل بوصفها مديرًا لمحفظة واسعة من الأصول، تراهن على أنَّ تعظيمَ قيمتها سيخلق الموارد اللازمة لتمويل التنمية.
غير أنَّ هذا الرهان يثير سؤالًا يتجاوز حدود صفقة بعينها: هل يمثل توظيف الأصول العامة مرحلةً انتقالية فرضتها الأزمات العالمية، أم أنه أصبح نموذجًا اقتصاديًا جديدًا؟ والأهم من ذلك، هل يستطيع هذا النموذج أن يقود إلى اقتصادٍ أكثر إنتاجًا وقدرةً على توليد الثروة، أم أنه يظل، في جوهره، وسيلة لإدارة ضغوط التمويل وتأجيلها؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يكفي النظر إلى صفقة رأس الحكمة باعتبارها أكبر استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر، بل باعتبارها نافذة لفهم التحوُّل الأوسع الذي شهدته العلاقة بين الدولة، والسوق، والتمويل، في واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية إثارة للنقاش في العالم العربي.
الدولة… من مُستثمرٍ إلى مُديرٍ للأصول
في الاقتصادات النامية، ليس غريبًا أن تتولّى الدولة قيادة الاستثمار خلال المراحل الأولى من التنمية. فالمشروعات الكبرى، مثل الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء، تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا يكون القطاع الخاص مستعدًا لضخها بمفرده. لكن التجربة المصرية أفرزت مع مرور الوقت نموذجًا مختلفًا، لم تعد فيه الدولة مجرّد مموِّل للبنية التحتية، بل أصبحت الطرف الذي يصنع السوق ويحدد اتجاهاته.
يكفي النظر إلى خريطة الاستثمار خلال العقد الأخير لفهم هذا التحوُّل. فمن العاصمة الإدارية الجديدة إلى العلمين الجديدة، ومن رأس الحكمة إلى المناطق اللوجستية على البحرين الأحمر والمتوسط، تبدأ العملية عادةً بالأرض. تُخصِّص الدولة مساحة واسعة، وتربطها بشبكات الطرق والمرافق، فتقفز قيمتها السوقية خلال فترة قصيرة. بعد ذلك، تدخل شركات التطوير المحلية والأجنبية في شراكات أو تحصل على حقوق تطوير، بينما تستعيد الدولة جُزءًا من استثماراتها عبر بيع الأراضي أو منح حق الانتفاع أو الدخول في مشروعات مشتركة.
بهذا المعنى، لم تعد الأرض مجرد وعاء لمشروع اقتصادي، بل أصبحت هي نفسها أداة اقتصادية.
وتفسّر هذه الآلية كيف استطاعت الحكومة جذب استثمارات بمليارات الدولارات في مناطق لم تكن، قبل سنوات قليلة، سوى امتدادات صحراوية أو ساحلية محدودة النشاط. فالقيمة لم تكن كامنة في الأرض وحدها، بل في البنية الأساسية التي أُقيمت حولها، وفي القرار السياسي الذي جعلها جُزءًا من خريطة التنمية.
لكن هذه السياسة غيّرت أيضًا العلاقة بين الدولة والسوق.
في السابق، كان المستثمر يبحث عن الأرض المناسبة، ثم يتحمّل مخاطر تطويرها. أما اليوم، فإنَّ الدولة هي التي تتحمّل الجُزء الأكبر من هذه المخاطر في البداية، ثم تدخل في مرحلة الشراكة مع المستثمر بعد أن تصبح الأرض أكثر جاذبية. ومن هنا، لم تعد الدولة أكبر مالك للأراضي فحسب، بل أصبحت أيضًا أكبر صانع للقيمة الاقتصادية المرتبطة بها.
يرى مسؤولون حكوميون أنَّ هذا النموذج أتاح لمصر تعويض عقود من التأخّر في الاستثمار، وسرّع تنفيذ مشروعات كانت ستحتاج سنوات طويلة لو تُركت بالكامل لقوى السوق. كما إنه وَفّرَ للدولة أداة جديدة لتمويل التنمية، عبر تعظيم قيمة الأصول العامة بدلًا من الاعتماد الحصري على الضرائب أو الاقتراض.
ويعكس حجم الإنفاق العام هذا التوجه؛ إذ تجاوزت الاستثمارات العامة تريليون جنيه في بعض السنوات، وفق بيانات وزارة التخطيط، وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ الاستثمار الحكومي الحديث.
في المقابل، يلفت عددٌ من الاقتصاديين إلى أنَّ نجاح هذه السياسة يرتبط بقدرتها على تحقيق مرحلة ثانية أكثر أهمية: تحويل هذه الأصول إلى نشاطٍ إنتاجي مستدام. فالمدينة الجديدة لا تحقق قيمتها الاقتصادية بمجرد اكتمال مبانيها، بل عندما تصبح مركزًا للأعمال والصناعة والخدمات، وتولّد دخلًا وفرص عمل وصادرات.
ولهذا، ركّز صندوق النقد الدولي في مراجعاته المتكرّرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي على قضية تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها تمسُّ جوهر النموذج. فالصندوق لا يعترض على استثمار الدولة في البنية الأساسية، بل يدعو إلى أن يكون ذلك مدخلًا لتوسيع دور القطاع الخاص، لا بديلًا منه. كما يشدّد على أهمية توفير بيئة تنافسية متكافئة، بحيث لا تتحوّل الدولة، في الوقت نفسه، إلى المنظم والمطوِّر والمنافس داخل السوق.
وهنا يبرز التحوُّل الأكثر أهمية في التجربة المصرية.
فالنقاش لم يعد يدور حول حجم القطاع العام، بل حول طبيعة الدولة الاقتصادية. هل هي دولة تبني الأصول ثم تنسحب تدريجًا لإفساح المجال أمام السوق؟ أم أنها تتجه إلى إدارة محفظة واسعة من الأصول، تصبح فيها الشراكة مع المستثمرين جُزءًا دائمًا من نموذج النمو؟
أين يقف القطاع الخاص؟
هذا السؤال أصبح محورًا للنقاش داخل مجتمع الأعمال نفسه.
فمن جهة، استفادت شركات المقاولات والتطوير العقاري، ومصانع الحديد والإسمنت، وشركات الخدمات الهندسية، من أكبر موجة بناء شهدتها البلاد منذ عقود. ومن جهة أخرى، يرى عدد من المستثمرين أنَّ توسُّع الدولة في النشاط الاقتصادي جعل كثيرًا من الشركات تربط خططها الاستثمارية بالمشروعات الحكومية أكثر من ارتباطها بإشارات السوق التقليدية.
ولا يعني ذلك تراجع القطاع الخاص، بقدر ما يعني تغيُّر طبيعة دوره.
وتستهدف الحكومة رفع مساهمة القطاع الخاص إلى نحو 65% من إجمالي الاستثمارات، وفق وثيقة سياسة مُلكِيّة الدولة، باعتبار ذلك أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة.
فالاستثمارات الخاصة اتجهت بصورة واضحة إلى القطاعات المرتبطة بالعمران والبنية الأساسية، بينما بقيت مساهمة الصناعة التحويلية والصادرات أقل من الطموحات التي أعلنتها الحكومة في برامجها الاقتصادية.
وهنا تكمن المفارقة.
فالمشروعات القومية خلقت نشاطًا اقتصاديًا واسعًا، لكنها لم تحسم بعد السؤال الذي يحدد نجاح أي نموذج تنموي: هل يتحوّل هذا النشاط إلى اقتصاد أكثر إنتاجية، أم يبقى معتمدًا على دورة مستمرة من الاستثمار في الأصول؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على حجم المدن الجديدة أو قيمة الصفقات المقبلة، بل على قدرة الاقتصاد على إنتاج ما يكفي من الدخل والعملات الأجنبية لتمويل نفسه. وهذا هو الاختبار الذي بدأ يفرض نفسه مع كلِّ أزمة خارجية، وكل ضغوط جديدة على سوق الصرف، وكل ارتفاع في كلفة التمويل العالمي.
الاختبار الحقيقي… ماذا أنتجت عشر سنين من الاستثمار؟
بعد عقد من الإنفاق المكثَّف على البنية التحتية، لم يعد السؤال الرئيس هو ما إذا كانت مصر احتاجت إلى هذه الاستثمارات، بل ما إذا كانت بدأت تحقق العائد الاقتصادي الذي بُنيت من أجله.
ففي علم الاقتصاد، لا تُقاس قيمة الطريق بعدد الكيلومترات التي أُنجِزَت، وإنما بحجم النشاط الاقتصادي الذي يخلقه. ولا تُقاس المدينة الجديدة بعدد الأبراج التي ارتفعت فيها، بل بعدد الشركات التي تستقر فيها، وفرص العمل التي توفرها، والصادرات التي تساعد على إنتاجها.
ومن هذه الزاوية، تبدو حصيلة السنين العشر الماضية أكثر تعقيدًا من الصورة التي تعكسها المشروعات العمرانية وحدها.
فقد نجحت مصر في بناء شبكة طرق تُعد من الأكبر في المنطقة، ورفعت قدرتها على إنتاج الكهرباء إلى مستويات أنهت سنوات من الانقطاع، كما توسعت في الموانئ والمناطق اللوجستية بصورة غير مسبوقة. وهي إنجازات لا يختلف كثير من الاقتصاديين حول أهميتها، لأنها عالجت اختناقات مزمنة كانت تعيق الاستثمار لعقود.
لكن في المقابل، بقي الاقتصاد يواجه التحدّي نفسه الذي رافقه منذ سنوات: توفير العملات الأجنبية بصورة مستدامة.
وتكشف المؤشرات المالية حجم هذا التحدي؛ إذ ارتفع الدين الخارجي من نحو 46 مليار دولار عام 2014 إلى ما تجاوز 160 مليار دولار قبل أن يبدأ في التراجع مع برامج الإصلاح وبيع بعض الأصول، وهو ما جعل تأمين مصادر مستقرة للنقد الأجنبي أولوية دائمة للسياسة الاقتصادية.
فالصادرات السلعية، على الرُغمِ من تحسّنها في بعض القطاعات، لم تنمُ بالوتيرة التي تسمح بتقليص الفجوة التجارية، بينما ظلت الصناعة تعتمد على استيراد نسبة كبيرة من مستلزمات الإنتاج والمواد الوسيطة. وأدى ذلك إلى استمرار حساسية الاقتصاد لأيِّ اضطراب في تدفقات النقد الأجنبي، سواء جاء من السياحة، أو تحويلات العاملين في الخارج، أو قناة السويس، أو الاستثمارات الأجنبية.
فعلى الرُغم من تجاوز الصادرات السلعية المصرية 40 مليار دولار في بعض السنوات، فإنها لم ترتفع بالوتيرة الكافية لتقليص الفجوة التجارية أو تخفيف الاعتماد على التدفقات الخارجية من السياحة، وتحويلات العاملين، والاستثمار الأجنبي.
وهنا تكمن مفارقة أخرى.
لقد أصبح الاقتصاد المصري يمتلك بنية تحتية أكثر تطوّرًا، لكنه لا يزال يعتمد، بدرجة كبيرة، على مصادر خارجية لتوفير العملة الصعبة التي يحتاجها لتشغيل جزء من هذه البنية.
ولهذا السبب، لم تكن أزمات سعر الصرف في السنوات الأخيرة مجرد أزمة نقدية، بل كانت انعكاسًا لسؤالٍ أعمق يتعلق بتركيبة الاقتصاد نفسه.
بين الاستثمار والنمو
في الخطاب الرسمي، يُنظر إلى المشروعات القومية باعتبارها استثمارًا طويل الأجل، لا يمكن الحكم عليه خلال سنوات قليلة. وتؤكد الحكومة أنَّ عوائد هذه المشروعات ستظهر تدريجًا مع انتقال السكان إلى المدن الجديدة، وازدياد النشاط الصناعي واللوجستي، وتوسع الاستثمارات الخاصة.
هذا المنطق يجد ما يدعمه في تجارب دول أخرى احتاجت سنوات طويلة قبل أن تجني ثمار استثماراتها في البنية الأساسية.
لكن المؤسسات المالية الدولية تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.
ففي تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لا ينصبُّ التركيز على حجم الاستثمار، بل على نوعية النمو الذي ينتجه. فالنمو القائم على التوسع في الإنشاءات يختلف عن النمو الذي تقوده الصناعة أو التكنولوجيا أو الخدمات القابلة للتصدير، لأنَّ الأخير يخلق تدفقات مستمرة من الدخل والعملات الأجنبية، بينما يعتمد الأول على استمرار الإنفاق والاستثمار.
ولهذا تتكرر في توصيات المؤسستين فكرة واحدة بصيغ مختلفة: المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة رفع الإنتاجية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتحسين تنافسية الاقتصاد، لأنَّ هذه العناصر هي التي تُحدّد قدرة أي دولة على تمويل نموّها من مواردها الذاتية.
اقتصادٌ يبحث عن محرّكٍ جديد
خلال العقد الماضي، كانت الدولة هي المحرّك الأساسي للاستثمار. أما اليوم، فيبدو أنَّ هذا النموذج يقترب من لحظة انتقالية.
فبعد اكتمال الجزء الأكبر من مشروعات البنية الأساسية، يصبح التحدي مختلفًا: كيف يمكن تحويل هذه الاستثمارات إلى دورة إنتاج يقودها القطاع الخاص؟
هذا التحوُّل لا يتطلب إنشاء طرق جديدة بقدر ما يتطلب تحسين بيئة الأعمال، وتوسيع التمويل المُوَجَّه إلى الصناعة، وزيادة اندماج الشركات المصرية في سلاسل الإنتاج العالمية، ورفع مساهمة القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
بمعنى آخر، لم يعد السؤال: ماذا ستبني الدولة بعد ذلك؟ بل أصبح: ماذا سيبني المستثمرون فوق ما أنجزته الدولة؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت المشروعات العملاقة التي غيّرت الخريطة العمرانية لمصر ستتحوّل إلى قاعدة لاقتصاد أكثر تنافسية، أم ستبقى إنجازًا عمرانيًا سبق التحوُّل الاقتصادي الذي كان يُفترَض أن يرافقه.
ما بعد البناء… إلى أين يتجه النموذج؟
بعد أكثر من عشر سنين من الاستثمار الكثيف، يبدو أنَّ الاقتصاد المصري يقف عند نقطة تحوُّل أكثر منها نقطة نهاية. فغالبية المشروعات التي شكّلت العمود الفقري لبرنامج الدولة أصبحت واقعًا قائمًا، من شبكة الطرق إلى محطات الكهرباء، ومن المدن الجديدة إلى الموانئ والمناطق اللوجستية. ولم يعد التحدي الأساسي هو تشييد المزيد من البنية التحتية، بل تحقيق أفضل عائد اقتصادي منها.
هذا التحول يفرض على صانع القرار معادلة مختلفة عن تلك التي واجهها عام 2014. ففي ذلك الوقت، كان السؤال: كيف يمكن تعويض عقود من نقص الاستثمار في البنية الأساسية؟ أما اليوم، فأصبح السؤال: كيف يمكن تحويل هذه البنية إلى اقتصادٍ أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير؟
من هنا، تتجه الأنظار إلى المرحلة التي تصفها الحكومة بأنها “تعظيم العائد من الأصول”، وهي مرحلة تقوم على جذب استثمارات خاصة، محلية وأجنبية، إلى المدن الجديدة، والمناطق الصناعية، والموانئ، والمشروعات اللوجستية، بحيث تصبح هذه الأصول قادرة على تمويل نفسها، والمساهمة في النمو من دون الاعتماد المستمر على الإنفاق الحكومي.
لكن هذه المرحلة ستكون، بطبيعتها، أكثر تعقيدًا من مرحلة البناء.
فالطرق يمكن إنجازها بقرار إداري وتمويل حكومي، أما جذب الاستثمارات الإنتاجية فيرتبط بعوامل لا تستطيع الدولة التحكُّم فيها وحدها، مثل تنافسية بيئة الأعمال، واستقرار السياسات الاقتصادية، وتكلفة التمويل، وكفاءة سوق العمل، والقدرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.
ولهذا، لم تعد المنافسة اليوم بين الدول تقوم على حجم ما تبنيه من مشروعات، بل على قدرتها على جذب الشركات التي تبحث عن مواقع إنتاج جديدة في ظلِّ التحوُّلات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وتدرك القاهرة هذه الحقيقة، وهو ما يفسر تركيزها المتزايد على توطين الصناعات، وتوسيع المناطق الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، والهيدروجين الأخضر، ومكوّنات السيارات، والخدمات اللوجستية. غير أنَّ نجاح هذه التوجُّهات سيعتمد، في النهاية، على مدى قدرتها على زيادة الصادرات والقيمة المضافة، لا على حجم الاستثمارات المعلنة وحده.
في المقابل، يرى عدد من الاقتصاديين أنَّ نجاح المرحلة المقبلة يتطلّبُ أيضًا إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام. فبعد عقد من الاستثمار في الأصول المادية، قد تصبح الحاجة أكبر إلى الاستثمار في عناصر أقل ظهورًا، لكنها أكثر تأثيرًا في المدى الطويل، مثل التعليم، والتدريب المهني، والبحث والتطوير، والتحوُّل الرقمي، وهي المجالات التي ترفع إنتاجية الاقتصاد وتزيد قدرته على المنافسة.
وبين هاتين الرؤيتين، يبدو أن مصر تدخل مرحلة مختلفة من مشروعها الاقتصادي. فالسنوات الماضية كانت، في جوهرها، اختبارًا لقدرة الدولة على البناء. أما السنوات المقبلة، فستكون اختبارًا لقدرة السوق على استثمار ما بُني.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو عدد المدن الجديدة التي ستُقام، أو حجم الصفقات التي ستُبرَم، بل ما إذا كان الاقتصاد المصري سينجح في الانتقال من مرحلة يقود فيها الاستثمار العام النمو، إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار الإنتاجي الخاص هو المحرّك الرئيس للاقتصاد.
ذلك الانتقال، إن تحقَّق، لن يُغيّرَ فقط طريقة تمويل النمو، بل سيُحدّد أيضًا ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة التي شهدها العقد الماضي ستُقرأ مستقبلًا بوصفها بداية دورة تنموية جديدة، أم مجرد مرحلة تأسيس طويلة احتاجت إلى ما بعدها حتى تكتمل.
بين بناء الأصول وبناء الاقتصاد
حين أُعلن عن صفقة رأس الحكمة، انصبّ الاهتمام على الرقم: 35 مليار دولار. لكن قيمة الصفقة، مهما بلغت، ليست ما سيحدد مكانتها في التاريخ الاقتصادي المصري.
فالصفقة كانت، قبل كل شيء، مرآة لنموذج تشكّل على مدى عقد كامل؛ نموذجٌ راهن على أنَّ الاستثمار في البنية التحتية وتعظيم قيمة الأصول العامة يمكن أن يفتح بابًا جديدًا للنمو، وأنَّ الأرض، حين تُدار كأصلٍ اقتصادي، تستطيع أن تجذب رؤوس الأموال، وتوفر السيولة، وتمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط أنفاسه في مواجهة الأزمات.
لكن التجارب الاقتصادية لا تُقاس بما تنجزه في لحظة الأزمة، بل بما تتركه بعدها.
لقد نجحت مصر، خلال السنين العشر الماضية، في تغيير خريطتها العمرانية بوتيرة غير مسبوقة، وأنشأت بنية أساسية كانت البلاد تحتاج إليها منذ عقود. غير أنَّ نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بعدد المدن الجديدة أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل بقدرة هذه الأصول على خلق اقتصاد أكثر إنتاجية، وأكثر تنافسية، وأقل اعتمادًا على التمويل الخارجي.
ففي نهاية المطاف، لا تستطيع أي دولة أن تبني مستقبلها على بيع الأصول وحده، كما لا تستطيع أن تعتمد إلى ما لا نهاية على الاقتراض أو على تدفقات الاستثمار الخارجي لتغطية احتياجاتها من النقد الأجنبي. وحده الاقتصاد القادر على إنتاج سلع وخدمات تنافس في الأسواق العالمية هو الذي يملك، في النهاية، القدرة على تمويل نموه بنفسه.
ولهذا، فإنَّ السؤال الذي بدأ مع رأس الحكمة سيظل مطروحًا، حتى بعد إبرام صفقات أخرى وإطلاق مشروعات جديدة: هل كانت السنوات الماضية عقدًا لبناء الأصول، أم أنها كانت أيضًا بداية لبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا؟
الإجابة لن تأتي من قيمة الصفقة التالية، ولا من عدد الأبراج التي ستُشيّد، بل من مؤشرات أكثر هدوءًا، لكنها أكثر حسمًا: نمو الصادرات، وارتفاع الإنتاجية، واتساع دور القطاع الخاص، وقدرة الاقتصاد المصري على توليد الثروة من العمل والابتكار، لا من قيمة الأرض وحدها.
- هدى أحمد هي مراسلة “أسواق العرب” في القاهرة.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.