تسير السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عبر مسارين تفاوضيين متوازيين يتناولان الملف اللبناني، لكنهما ينطلقان من رؤيتين مختلفتين لمستقبله. وبين هذين المسارين تبرز أسئلة جوهرية حول مدى اتساق الاستراتيجية الأميركية في إدارة أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا.
هاني مكارم*
تكشف التحرّكات الديبلوماسية الأميركية الأخيرة في الشرق الأوسط عن وجود مسارين تفاوضيين متوازيين يتناولان ملفَّين وثيقَي الارتباط، لكنهما ينطلقان من مقاربتين مختلفتين لمستقبل لبنان ولدور “حزب الله” فيه. ويثير هذا التباين تساؤلات حول مدى انسجام السياسة الأميركية في إدارة الملفات الإقليمية المتشابكة، ولا سيما في ظلِّ تداخل أبعاد الصراع اللبناني مع المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي هذا السياق، شهد الأسبوع الماضي توقيع اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يهدف إلى وضع آلية لاستعادة الدولة اللبنانية سيادتها على كامل أراضيها. وجاء هذا التطوُّر بعد أقل من أسبوعين على توقيع “مذكرة إسلام آباد”، التي قاد مفاوضاتها بصورة رئيسة نائب الرئيس جي دي فانس، والهادفة إلى إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تضمينها بنودًا تتصل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالوضع اللبناني.
ورُغمَ أنَّ الوثيقتين تتقاطعان عند الملف اللبناني، فإنهما تعكسان مقاربتَين مختلفتَين لكيفية معالجة أحد أبرز عناصر الأزمة، والمتمثل في مستقبل “حزب الله”. فـ”مذكرة إسلام آباد” تُركّز على تثبيت وقف الأعمال القتالية بين إسرائيل والحزب، من دون أن تجعل من نزع سلاحه أو إعادة صياغة توازن القوى الداخلي شرطًا لتنفيذها. ووفق هذه المقاربة، فإنَّ وقف المواجهات يمكن أن يتحقق مع بقاء البنية العسكرية للحزب وقدراته على حالها.
أما الاتفاق الإطاري الذي رعاه روبيو، فيقوم على تسلسل مختلف، إذ يربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بإتمام عملية نزع سلاح “حزب الله” على يد الجيش اللبناني. ويعني ذلك أنَّ استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، وفق هذه الصيغة، ترتبط بإعادة احتكارها استخدام القوة المسلحة. وإذا أمكن تنفيذ هذا التصوُّر، وهو أمرٌ تحيط به تحديات سياسية وأمنية كبيرة، فإنَّ دور الحزب سيتحوّل من تنظيم يجمع بين العملين السياسي والعسكري إلى حزب سياسي يعمل ضمن مؤسسات الدولة، في وقت تشير التطورات خلال العامين الماضيين إلى تراجع ملموس في قدراته العسكرية والسياسية مقارنة بالمراحل السابقة.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الاختلاف بين الوثيقتين على ترتيب الأولويات أو آليات التنفيذ، بل يمتد إلى طبيعة النتيجة التي يسعى كل مسار إلى تحقيقها. ففي حين ينظر أحدهما إلى وقف التصعيد بوصفه مدخلًا للاستقرار، حتى مع بقاء موازين القوى الداخلية على حالها، ينطلق الآخر من فرضية أنَّ أيَّ استقرار طويل الأمد يظل مرهونًا بإعادة تشكيل هذه الموازين عبر حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
التنافس داخل واشنطن أم تصحيح للمسار؟
في ضوء هذا التباين بين المسارَين، جاء الرفض الإيراني ورفض “حزب الله” وحلفائه في لبنان للاتفاق الإطاري الثلاثي متوقعًا، بالنظر إلى أنَّ تنفيذه يقوم على معادلة تنتهي إلى تجريد الحزب من قدراته العسكرية، وهو ما يتعارض مع الرؤية التي تتبناها طهران وحلفاؤها لدور الحزب في معادلة الردع الإقليمية.
ومن شأن تزامن المبادرتين الديبلوماسيتين أن يفتح الباب أمام تفسيرات تربط بينهما وبين التنافس السياسي داخل الإدارة الأميركية، ولا سيما بين وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس، اللذين يُنظر إليهما باعتبارهما من أبرز الأسماء المطروحة لخوض السباق الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب في عام 2028.
غير أنَّ هذا التفسير، وإن كان حاضرًا في بعض القراءات، لا يكفي وحده لفهم طبيعة التحرك الأميركي. فثمة قراءة أخرى ترى أنَّ المبادرة التي قادها روبيو تعكس محاولة لإعادة صياغة المقاربة الأميركية تجاه لبنان، ومعالجة بعض الثغرات التي أفرزتها “مذكرة إسلام آباد”، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل “حزب الله” ودوره العسكري، مستفيدًا في ذلك من خبرته الأطول في ملفات السياسة الخارجية مقارنة بفانس.
ويكتسب الملف اللبناني أهمية خاصة في هذا السياق بسبب عودة المواجهات بين إسرائيل و”حزب الله” منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، بالتوازي مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. ويعود هذا الوجود إلى المواجهة التي اندلعت بين الطرفين عام 2024، قبل أن يتوسع لاحقًا في أعقاب الجولة الأخيرة من الاشتباكات.
ومع بدء العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط (فبراير)، فتح “حزب الله” جبهة الشمال عبر استهداف بلدات إسرائيلية حدودية، في خطوة وصفها بأنها تأتي دعمًا لإيران. وردت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة أسفرت، وفق تقديرات مختلفة، عن سقوط آلاف القتلى ونزوح أكثر من مليون شخص من المناطق الحدودية اللبنانية. كما وسعت نطاق انتشارها العسكري في جنوب لبنان، بعدما كانت تسيطر على عدد محدود من المواقع الاستراتيجية عقب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، لتقيم منطقة عازلة أوسع على طول الحدود بهدف تعزيز أمن المستوطنات الإسرائيلية القريبة. واستمرت المواجهات الميدانية في الجنوب اللبناني حتى خلال فترة وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، بما عكس استمرار الترابط بين الساحتين اللبنانية والإقليمية، رغم المساعي الديبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد.
لبنان في قلب التسوية الأميركية ـ الإيرانية
وتَناوُلُ لبنان في مذكرة التفاهم الموقعة أواخر حزيران (يونيو)، والتي استهدفت في الأساس إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، جاء ضمن البند الأول المتعلق بـ”الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات”. إلّا أنَّ إدراج الساحة اللبنانية في الوثيقة تم من دون مشاركة مباشرة لأيٍّ من لبنان أو إسرائيل في المفاوضات التي أفضت إليها.
وأثار هذا المسار تساؤلات بشأن موقع الدولة اللبنانية في الترتيبات التي تناولت مستقبلها الأمني، إذ اعتبر مراقبون أن تجاوز المؤسسات الرسمية اللبنانية في مناقشة ملف يتصل مباشرة بسيادتها منح إيران، ومن خلالها “حزب الله”، دورًا ضمنيًا في تقرير مستقبل الوضع اللبناني. كما إنَّ الصيغة التي تضمنتها المذكرة بدت، في نظر هؤلاء، أقرب إلى تثبيت الواقع القائم، بما يسمح للحزب الاحتفاظ بدوره العسكري في مرحلة يواجه فيها ضغوطًا غير مسبوقة على المستويين العسكري والسياسي.
فعلى الصعيد الميداني، تعرض “حزب الله” لخسائر كبيرة خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية التي اندلعت في أواخر عام 2024، فيما أسهمت المواجهات اللاحقة في استنزاف جزء إضافي من القدرات التي تمكّن من الحفاظ عليها أو إعادة بنائها بعد تلك الحرب. وفي الداخل اللبناني، تزامنت هذه التطورات مع تصاعد الدعوات الرسمية إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها، في إطار توجُّه يتبنّاه الرئيس جوزيف عون وعدد من القوى السياسية الساعية إلى تقليص النفوذ الإيراني في لبنان. كما إنَّ تكرار المواجهات مع إسرائيل أدى إلى اتساع دائرة الانتقادات الداخلية للحزب، إذ حمّلت شرائح واسعة من اللبنانيين قيادته مسؤولية إدخال البلاد في جولة جديدة من الصراع، رغم استمرار الغضب الشعبي من العمليات العسكرية الإسرائيلية وما خلفته من خسائر بشرية ومادية.
وفي موازاة ذلك، كانت المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل قد انطلقت قبل التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، لكنها ظلت تصطدم بالعقبتين اللتين رافقتا مختلف محاولات التسوية بين الطرفين خلال العقود الماضية: إحجام الدولة اللبنانية عن اللجوء إلى القوة لنزع سلاح “حزب الله”، واستمرار التشكيك الإسرائيلي في قدرة المؤسسات اللبنانية على تنفيذ مثل هذه الخطوة وضمان استدامتها.
غير أنَّ التطورات التي رافقت مفاوضات إسلام آباد أعادت خلط الأوراق، إذ دفعت الأطراف المنخرطة في المسار اللبناني – لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة – إلى تكثيف جهودها للتوصل إلى صيغة بديلة تعالج الإشكاليات التي أثارتها المذكرة الأميركية-الإيرانية، ولا سيما ما يتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان ودور “حزب الله” فيها.
وفي هذا الإطار، أُعلن في 26 حزيران (يونيو) من واشنطن التوصل إلى “اتفاق الإطار الثلاثي”. واستهلت الوثيقة نصها بالتأكيد أنَّ لبنان وإسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، يشتركان في هدف يتمثل في التوصل إلى سلام وأمن دائمين، مع الالتزام بالعمل على معالجة الملفات العالقة بينهما وإقامة علاقات تقوم على مبدَإِ حُسن الجوار، رغم استمرار حالة الحرب بين البلدين من الناحية القانونية.
ويحمل هذا التوجه دلالات تتجاوز الجوانب الإجرائية للاتفاق، إذ يطرح تصورًا مختلفًا لمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، يقوم على الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث في أسس تسوية طويلة الأمد. وفي المقابل، يتعارض هذا التصور مع المقاربة التي تتبناها إيران و”حزب الله”، والتي ما تزال تنطلق من رفض الاعتراف بإسرائيل أو إدراجها ضمن أي إطار لعلاقات طبيعية أو مستقرة في المنطقة.
اختبار التنفيذ… بين الواقع الميداني والحسابات السياسية
ويؤكد الاتفاق الإطاري كذلك مبدأ احتكار الدولة اللبنانية للسلاح وبسط سيادتها الكاملة على أراضيها، وهما شرطان يُعَدّان من مقومات الدولة ذات السيادة. إلّا أنَّ الواقع اللبناني ما زال بعيدًا من تحقيق هذين الشرطين، في ظل امتلاك “حزب الله” قدرات عسكرية تفوق في بعض جوانبها إمكانات الجيش اللبناني، إلى جانب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية.
ولتحويل هذه المبادئ إلى خطوات تنفيذية، يقترح الاتفاق آلية تقوم على مبدَإِ التدرُّج والتزامن. فبينما يتولى الجيش اللبناني تفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله” ونزع سلاحه واستعادة السيطرة على المناطق التي يهيمن عليها، تلتزم إسرائيل بإعادة انتشار قواتها والانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها بالتوازي مع توسع انتشار الجيش اللبناني واستعادة مؤسسات الدولة سلطتها الميدانية.
وفي إطار اختبار قابلية هذه الآلية للتنفيذ، وافقت إسرائيل على الانسحاب من عدد محدود من المناطق (مناطق تجريبية) التي تقول إنها أزالت منها وجود “حزب الله”، على أن تنتقل مسؤولية ضبطها إلى الجيش اللبناني، بما يشكل اختبارًا عمليًا لقدرة الدولة اللبنانية على ملء الفراغ الأمني.
ويمثل هذا الاتفاق، من حيث بنيته وأهدافه، محاولة لمعالجة جذور الأزمة الأمنية بين لبنان وإسرائيل، إلّا أنَّ نجاحه يبقى رهينًا بجملة من المتغيرات الإقليمية والداخلية. وفي مقدمة هذه المتغيرات تأتي تداعيات الحرب مع إيران، التي يرى أصحاب هذا الطرح أنها عززت موقع طهران التفاوضي، في مقابل إضعاف هامش المناورة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما انعكس، وفق هذا التقدير، في قبول واشنطن باتفاق لوقف إطلاق النار تضمن تنازلات لصالح إيران.
ويبرز الملف اللبناني باعتباره أحد أبرز مظاهر هذه التنازلات، إذ منحت “مذكرة إسلام آباد”، بحسب هذا التصوُّر، إيران دورًا مؤثرًا في تحديد مسار التطورات في لبنان، الأمر الذي انعكس على حساب موقعَي الحكومة اللبنانية وإسرائيل. ويستند هذا التقييم إلى المواقف التي اتخذتها طهران خلال الأزمة، عندما ربطت في مرحلة أولى إعادة فتح مضيق هرمز بوقف العمليات العسكرية في لبنان، ثم عادت ولوّحت بإغلاقه مجددًا إذا استؤنف القتال بعد التوصل إلى هدنة جديدة بين إسرائيل و”حزب الله”.
ومع ذلك، فإنَّ أيًا من الوثيقتين لا يقدم ضمانات تحول دون تجدد المواجهة العسكرية. فكلٌّ من “مذكرة إسلام آباد” والاتفاق الإطاري الثلاثي يتركان لإسرائيل هامش الرد على أيِّ هجوم قد يشنّه “حزب الله”، في حين يواصل الحزب تأكيد أنَّ مواجهة إسرائيل تمثل جوهر دوره العسكري. ويعني ذلك أنَّ عناصر التوتر الأساسية التي أطلقت جولات الصراع السابقة ما زالت قائمة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة أي من الاتفاقين على توفير استقرار طويل الأمد.
إلى جانب ذلك، يواجه الاتفاق الإطاري تحديًا داخليًا لا يقل أهمية، يتمثل في محدودية قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المهمة الأساسية التي يقوم عليها الاتفاق، وهي نزع سلاح “حزب الله”. فميزان القوى القائم يجعل من الصعب تصور إنجاز هذه المهمة بالقوة، كما إنَّ اللجوء إلى الخيار العسكري قد ينطوي على مخاطر اندلاع مواجهة داخلية واسعة. وفي المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة، رغم دورها كضامن للاتفاق، مستعدة لتولي هذه المهمة بصورة مباشرة، الأمر الذي يترك أحد أهم بنود الاتفاق معتمدًا على معادلة تنفيذية شديدة التعقيد.
وفي المرحلة الحالية، لا يبدو أنَّ أيًا من المسارَين قد حلَّ محلَّ الآخر، إذ لا تزال كل من “مذكرة إسلام آباد” و”اتفاق الإطار الثلاثي” يشكلان جزءًا من المقاربة الرسمية للإدارة الأميركية، وإن كان كل منهما يعكس تصورًا مختلفًا لكيفية إدارة التوازنات الإقليمية والملف اللبناني على وجه الخصوص. وبينما تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى أولويات الرئيس دونالد ترامب، بما يرجح استمرارها بوصفها الإطار السياسي الأوسع، تشير التحركات الديبلوماسية التي يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو إلى وجود مساعٍ داخل الإدارة لتعزيز المسار الذي يمثله “اتفاق الإطار الثلاثي”، أو على الأقل الحد من التداعيات التي قد تترتب على المقاربة الأخرى.
وفي المحصلة، لا يقتصر التحدي على التوفيق بين مسارين تفاوضيين مختلفين، بل يمتد إلى الكيفية التي سينعكس بها هذا التباين على الواقع اللبناني. فلبنان يجد نفسه مرة أخرى في قلب تفاعلات إقليمية ودولية تتجاوز حدوده، حيث تتقاطع مصالح القوى الخارجية مع حسابات الفاعلين المحليين، في مشهد يعيد إنتاج إحدى السمات الأكثر ثباتًا في تاريخه الحديث: ارتباط مساره الداخلي، بدرجات متفاوتة، بموازين القوى والصراعات الدائرة في محيطه الإقليمي.
- هاني مكارم هو مدير تحرير “أسواق العرب”.
