هل تُحقِّقُ الصناعات الدفاعية التركية لأنقرة استقلالًا استراتيجيًا؟

حققت تركيا خلال العقدين الماضيين طفرة لافتة في صناعاتها الدفاعية، لكنها لم تتحرّر بالكامل من القيود الاستراتيجية التي يفرضها الاعتماد على التكنولوجيا الغربية. فهل تقود هذه الصناعة أنقرة إلى الاستقلال الاستراتيجي، أم تتحوّل إلى بوّابة لإعادة بناء شراكتها مع أوروبا؟

القوة البحرية… إحدى ركائز الصناعات الدفاعية التركية.

سرهات غوفينتش*

يُمكن إرجاع جذور صعود الصناعات الدفاعية التركية إلى ستينيات القرن الماضي، عندما دفعت أزمات قبرص المتلاحقة أنقرة إلى إعادة النظر في اعتمادها شبه الكامل على الولايات المتحدة لتلبية احتياجاتها العسكرية. ففي تلك المرحلة، لم يكن مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية” قد تبلور بعد بصيغته الحالية، بل انصبَّ اهتمامُ صانعي القرار الأتراك على تقليص الاعتماد على السلاح الأميركي عبر تنويع مصادر التسلح، وتشجيع التجميع المحلي، ثم الانتقال تدريجًا إلى تطوير وإنتاج منظومات عسكرية وطنية. ومن رحم تلك المرحلة وُلدت مؤسسات أصبحت لاحقًا العمود الفقري للصناعات الدفاعية التركية، وفي مقدمتها “الشركة التركية لصناعات الطيران والفضاء” (TAI) وشركة “أسيلسان”  (Aselsan).

ومنذ ذلك الحين، قطعت تركيا شوطًا طويلًا، لتتحوَّل من دولةٍ تعتمد على الدعم العسكري الغربي إلى لاعب ينافس في سوق السلاح العالمية. وقد تناولتُ هذا التحوُّل، بالاشتراك مع سيتكي إيجلي، وتشاغلار كورتش، وأردا مولوت أوغلو، في دراسةٍ أُنجزت خلال عامي 2024 و2025 بعنوان “الصناعة الدفاعية الوطنية: من رافعة للاستقلالية الاستراتيجية إلى جسر يربط تركيا بأوروبا”. وانطلقت الدراسة من فرضية مفادها أنَّ تحقيق استقلالية استراتيجية كاملة عبر الصناعة الدفاعية قد يظل هدفًا يصعب بلوغه، لكنها خلصت في المقابل إلى أنَّ التطور الذي حققته هذه الصناعة يفتح آفاقًا جديدة لإعادة بناء العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، خصوصًا في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، وتزايد الشكوك بشأن مستقبل الالتزام الأميركي بأمن أوروبا مع احتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. ومن هذا المنطلق، سعت الدراسة إلى استكشاف ما إذا كانت الصناعات الدفاعية التركية قادرة على أن تصبح مدخلًا لكسر الجمود الذي يطبع العلاقات بين أنقرة وبروكسل.

حدود الاستقلال الاستراتيجي

حققت الصناعات الدفاعية التركية خلال العقدين الماضيين قفزة نوعية، نقلتها من موقع المستورد شبه الكامل للسلاح إلى مصاف المنتجين والمصدرين في سوق الصناعات العسكرية. فبعد أن كانت تُصنف ضمن دول “الدرجة الرابعة” في تجارة السلاح العالمية، أصبحت اليوم ضمن “الدرجة الثالثة”، مع طموح معلن للارتقاء إلى مصاف الدول المنتجة للمنظومات المتكاملة، على غرار النموذج الفرنسي.

غير أنَّ هذا النجاح الصناعي لا يعني بالضرورة تحقيق ما تسميه أنقرة “الاستقلال الاستراتيجي”.

فثمة فجوة واضحة بين امتلاك قاعدة صناعية دفاعية متطورة وبين القدرة على توظيفها بما يمنح صانع القرار حرية كاملة في رسم السياسات الخارجية أو اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة عن ضغوط الحلفاء والشركاء الغربيين. ومن هنا، يبدو التلازم بين تطور الصناعات الدفاعية والاستقلال الاستراتيجي أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى حقيقة استراتيجية مكتملة.

وتقدم تجربة العقد الماضي مثالين واضحين على هذه المعضلة.

ففي عام 2019، أدى قرار الرئيس رجب طيب أردوغان شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية “أس-400” ( S-400)  إلى أزمة غير مسبوقة مع الولايات المتحدة، التي ردت بفرض عقوبات على أنقرة واستبعادها من برنامج المقاتلة “أف-35” (F-35). ولم يقتصر أثر القرار على الجانب السياسي، بل انعكس مباشرة على خطط تحديث القوات الجوية التركية، التي فقدت فرصة الحصول على إحدى أكثر المقاتلات تطورًا في العالم، واضطرت إلى إعادة صياغة استراتيجيتها الجوية على المدى الطويل.

وفي المقابل، كشفت أزمة شرق البحر المتوسط عن وجه آخر للمشكلة. فقد أدى التوتر مع عدد من الشركاء الأوروبيين إلى فرض ألمانيا قيودًا غير معلنة على تصدير بعض المعدات العسكرية، الأمر الذي أخّر إدخال غواصات “تايب 214” (Type 214) المزودة بنظام الدفع المستقل عن الهواء إلى الخدمة. ورغم أنَّ برلين وافقت لاحقًا على استكمال عمليات التوريد، فإنَّ الأزمة أظهرت أنَّ حتى الصناعات الدفاعية المتقدمة تظل رهينة سلاسل الإمداد الدولية عندما يتعلق الأمر بالمنصات الرئيسية أو المكوّنات الحساسة.

ولهذا، لا تزال تركيا تعتمد بدرجاتٍ متفاوتة على المورّدين الأجانب، سواء في ما يتعلق بالمنظومات القتالية الرئيسة، أو بالمكوّنات الفرعية عالية التقنية، مثل محرّكات الدبابات والطائرات والسفن، وأنظمة التوجيه والاستشعار الخاصة بالصواريخ. كما إنَّ أنقرة، رُغمَ التوسُّع الكبير في إنتاجها العسكري، اضطرت في السنوات الأخيرة إلى العودة إلى سوق السلاح العالمية لشراء أنظمة جاهزة، وفي مقدمتها مقاتلات “يوروفايتر تايفون”، في محاولة لسد الفجوة التي خلفها استبعادها من برنامج “أف-35”.

وينطبق الأمر نفسه على الدفاع الجوي بعيد المدى، إذ أعادت الحاجة إلى تعزيز القدرات التركية في مواجهة الصواريخ الباليستية إحياء الاهتمام بمنظومات قائمة، مثل النظام الفرنسي-الإيطالي “SAMP/T”، في انتظار اكتمال تطوير البدائل الوطنية.

ولا يعني ذلك أنَّ تركيا تخلت عن طموحها في تحقيق الاكتفاء الدفاعي، بل على العكس، فهي تراهن على مشاريع استراتيجية كبرى، مثل المقاتلة الوطنية “KAAN” ومنظومة الدفاع الجوي “Hisar-3”.  إلّا أنَّ هذه البرامج لا تزال في مراحل التطوير، ومن غير المرجح أن تدخل الخدمة التشغيلية الكاملة قبل نهاية العقد الحالي، وهو جدول زمني يراه كثير من الخبراء متفائلًا أكثر من اللازم.

وبذلك، تبدو الصناعات الدفاعية التركية اليوم أداة مهمة لتعزيز هامش المناورة الاستراتيجية لأنقرة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى يمنحها استقلالًا كاملًا في قراراتها الأمنية والعسكرية. فالخبرة التي راكمتها تركيا خلال العقد الماضي تشير إلى أنَّ الاستقلال الصناعي لا يعني بالضرورة استقلالًا استراتيجيًا، خصوصًا عندما تظل المنظومات الأكثر تعقيدًا وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة مرتبطة بشبكات التعاون مع الحلفاء الغربيين.

توظيف صفقات السلاح في الديبلوماسية

لم تكن صفقات السلاح بالنسبة إلى أنقرة يومًا مجرد وسيلة لتحديث قواتها المسلحة، بل شكلت أيضًا أداةً لخدمة أهدافها السياسية والديبلوماسية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أدركت الحكومات التركية أنَّ عقود التسليح الضخمة يمكن أن تتحوّل إلى ورقة نفوذ في علاقاتها مع العواصم الأوروبية، ولا سيما في سياق مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وتشير تجارب تلك المرحلة إلى أنَّ أنقرة نجحت، بدرجات متفاوتة، في توظيف هذه الصفقات لتعزيز مواقف بعض شركائها الأوروبيين الداعمين لانضمامها إلى الاتحاد. فقد حظيت إيطاليا، خلال عهد رئيس الوزراء سيلفيو بيرلسكوني، بحصة معتبرة من عقود الدفاع التركية، في وقت كانت فيه من أبرز المؤيدين لملف عضوية تركيا. كما تشير معطيات عديدة إلى أنَّ منحَ شركات فرنسية عقودًا دفاعية أسهم في تليين موقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك من ترشح تركيا للاتحاد الأوروبي خلال تسعينيات القرن الماضي.

لكن البيئة الأوروبية التي تتحرك فيها أنقرة اليوم تختلف جذريًا عن تلك التي عرفتها قبل ثلاثة عقود.

ففي مقدمة الأنظمة الدفاعية الأوروبية التي تسعى تركيا إلى الحصول عليها يبرز كل من مقاتلة “يوروفايتر” (Eurofighter) ومنظومة الدفاع الجوي “سامب/تي”  (SAMP/T)، وهما مشروعان صناعيان يعكسان طبيعة التعاون الدفاعي الأوروبي. فمقاتلة “يوروفايتر” تُنتجها المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، بينما يجمع مشروع “سامب/تي” بين فرنسا وإيطاليا، ما يجعل إيطاليا الدولة الأوروبية الوحيدة المشاركة في كلا البرنامجين، ويمنحها موقعًا خاصًا في أيِّ ترتيباتٍ دفاعية مستقبلية مع أنقرة.

وتبدو مواقف الشركاء الأوروبيين متباينة إزاء التعاون الدفاعي مع تركيا.

فالمملكة المتحدة تؤيد بالفعل انضمام أنقرة إلى برنامج “يوروفايتر”، رُغمَ خروجها من الاتحاد الأوروبي. أما إسبانيا، فقد عزّزت تعاونها العسكري مع تركيا، وأصبحت أول زبون أوروبي لطائرة التدريب المتقدم “هورجيت” (Hürjet) التي تنتجها شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية  (TAI)، كما تتقاطع مواقف البلدين في عدد من ملفات الشرق الأوسط. وفي المقابل، تنظر إيطاليا بإيجابية متزايدة إلى الشراكة مع قطاع الصناعات الدفاعية التركي، بينما تبقى ألمانيا الطرف الأكثر تحفظًا، بسبب اعتبارات سياسية واستراتيجية تتجاوز البُعد العسكري.

أما مشروع “سامب/تي”  (SAMP/T)، فيواجه عقبة مختلفة تتمثل في الموقف الفرنسي. فقد اتخذت باريس خلال السنوات الماضية موقفًا داعمًا لليونان والجزء الخاضع للإدارة اليونانية من قبرص في الخلافات الإقليمية بشرق البحر المتوسط، وهو ما انعكس على تعاونها الدفاعي مع أنقرة. وتشير تقارير إلى أنَّ فرنسا كانت وراء تعطيل محاولات تركية سابقة للانضمام إلى برنامج “سامب/تي”، غير أنَّ التحوُّلات التي تشهدها البيئة الأمنية الأوروبية منذ الحرب الروسية على أوكرانيا قد تدفع باريس إلى إعادة تقييم موقفها، إذا ما رأت أنَّ إشراك تركيا يخدم المصالح الدفاعية الأوروبية الأوسع.

وفي موازاة ذلك، تبدو أنقرة وكأنها تُعيدُ رسم أولوياتها الاستراتيجية في مجال التسليح.

فبعد سنوات من التوتر مع الولايات المتحدة، بدأت تركيا ترسل إشارات واضحة إلى أنَّ مرحلة الابتعاد عن أوروبا والغرب قد شارفت على نهايتها، وأنَّ الصناعات الدفاعية الأوروبية قد تصبح مجددًا الشريك الرئيس في خطط تحديث قواتها المسلحة.

ويرتبط هذا التحوُّل بجملة من التجارب التي تركت أثرًا عميقًا في مؤسسات المشتريات الدفاعية التركية، وفي مقدمتها استبعاد أنقرة من برنامج “أف-35”  (F-35)، وفرض العقوبات الأميركية بموجب قانون مواجهة خصوم أميركا من خلال العقوبات (CAATSA)، فضلًا عن سنوات من التأخير والجدل داخل الكونغرس الأميركي بشأن صفقة مقاتلات “أف-16 في بلوك 70” (F-16V Block 70).

وقد دفعت هذه التجارب صنّاع القرار في أنقرة إلى إعادة النظر في جدوى الاعتماد المفرط على السلاح الأميركي، ليس لأسباب تقنية، بل لتجنُّب تكرار الارتهان لاعتبارات السياسة الداخلية الأميركية عند كل صفقة استراتيجية.

وفي هذا السياق، تبدو الصفقة المرتقبة لشراء 20 مقاتلة من طراز “يوروفايتر تايفون” أكثر من مجرّد قرار تسليحي، خصوصًا أنَّ تركيا لا تزال تدرس في الوقت نفسه شراء 40  مقاتلة من طراز “أف-16 في” (F-16V) من الولايات المتحدة. ورغم عدم صدور موقف رسمي من واشنطن، يؤكد ديبلوماسي أميركي مقيم في أنقرة أن تكلفة “يوروفايتر تايفون” تفوق بكثير تكلفة “أف-16” في، ما يعني أنَّ القرار لا يمكن تفسيره بالاعتبارات المالية وحدها.

فالاختيار التركي يحمل في جوهره رسالة استراتيجية. صحيح أنَّ شراء مقاتلة أوروبية جاهزة قد يبدو تراجعًا عن السياسة التي أولت الأولوية للمكوّن المحلي وتعزيز الاستقلالية الصناعية، لكنه في المقابل يمنح أنقرة فرصة لتقليص اعتمادها التاريخي على المنظومة الأميركية في سلاح الجو، وهي علاقة امتدت منذ عام 1947. ومن هذا المنظور، تبدو الكلفة الإضافية لشراء “يوروفايتر” ثمنًا سياسيًا واستراتيجيًا تقبل تركيا دفعه مقابل توسيع هامش المناورة في علاقاتها الدفاعية مع الغرب، وإعادة تنويع مصادر قوتها العسكرية.

ديناميكيات جديدة: الصناعات البحرية وإعادة وصل تركيا بالغرب

في الوقت الذي تتجه تركيا إلى توسيع تعاونها الدفاعي مع أوروبا، بدأت تظهر مؤشرات إلى تحسُّنٍ تدريجي، وإن كان محدودًا، في علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة. ولا يتعلق الأمر هذه المرة بصفقات تسليح تقليدية، بل باندماج متزايد للصناعة الدفاعية التركية في سلاسل الإنتاج الغربية.

وتجسَّدَ ذلك في عددٍ من التطوّرات اللافتة خلال الفترة الأخيرة. فشركة تركية تتولى حاليًا إنتاج قذائف مدفعية عيار 155 ملم لصالح الجيش الأميركي في مصنع بولاية تكساس، كما أوفدت واشنطن مؤخّرًا فريقًا إلى أحواض بناء السفن التركية لبحث إمكانية إسناد عقود فرعية لتصنيع مكوّنات تدخل في إنتاج السفن الحربية الأميركية.

ولا تبدو هذه الخطوات معزولة عن التحوّلات التي يشهدها ميزان القوى العالمي. فالولايات المتحدة تسعى إلى تسريع وتيرة إنتاجها البحري في مواجهة التوسُّع السريع للأسطول الصيني، وهو ما يدفعها إلى الاستفادة بصورة أكبر من القدرات الصناعية لحلفائها، وفي مقدمتهم كوريا الجنوبية واليابان وتركيا.

وهنا تبرز إحدى أهم نقاط القوة التي راكمتها الصناعات الدفاعية التركية خلال العقدين الماضيين، وهي بناء السفن الحربية.

فبعدما كانت أحواض بناء السفن التركية تُركّز على تلبية احتياجات البحرية الوطنية، أصبحت اليوم من بين أبرز المورّدين للمنصّات البحرية العسكرية لعدد متزايد من الدول. وقد انضمت في الآونة الأخيرة دول أعضاء في حلف “الناتو”، مثل رومانيا والبرتغال، إلى قائمة عملاء أحواض بناء السفن التركية، في مؤشر إلى تنامي الثقة الأوروبية بالقدرات الصناعية التركية في هذا المجال.

ولا يقتصر هذا الاهتمام على الدول التي ترتبط تقليديًا بعلاقات وثيقة مع أنقرة. فقد شهدت تركيا مؤخرًا زيارة وفد بلجيكي رفيع المستوى، كانت أحواض بناء السفن من أبرز محطاته. ورغم أنَّ اهتمامَ البحرية البلجيكية لا ينصب في الوقت الراهن على شراء التصاميم التركية المحلية، مثل مشروع “ميلجم”  (MİLGEM)، فإنها تدرس إمكانية إسناد عقود لبناء سفن تعتمد تصاميم غير تركية داخل الأحواض التركية، مستفيدة من خبرتها الصناعية وقدرتها الإنتاجية.

وقد يبدو هذا التفصيل تقنيًا، لكنه يحمل دلالات سياسية أوسع.

فبلجيكا لم تكن، حتى وقت قريب، من أكثر الدول الأوروبية انفتاحًا على تطوير علاقاتها مع تركيا. ومن ثم، فإنَّ مجرّد بحث إمكانات التعاون في بناء السفن العسكرية قد يعكس تحوُّلًا تدريجيًا في النظرة الأوروبية إلى أنقرة، حيث لم تعد تُعامل فقط بوصفها مستوردًا للسلاح أو شريكًا أمنيًا، بل باعتبارها قاعدة صناعية يمكن الاعتماد عليها في دعم القدرات الدفاعية الأوروبية.

وإذا تُرجِمَت هذه المشاورات إلى عقود فعلية، فإنها قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التقارب بين تركيا وعدد من العواصم الأوروبية، تقوم على المصالح الصناعية المشتركة بقدر ما تقوم على الاعتبارات السياسية والأمنية.

ولا يقتصر هذا التحوُّل على القطاع البحري.

فبحسب تقارير متخصصة، أبدت ألمانيا اهتمامًا ببرامج الصواريخ الباليستية التركية، في تطوّرٍ يعكس المكانة التي بدأت الصناعات الدفاعية التركية تكتسبها داخل البيئة الأمنية الأوروبية. وكان المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) قد أشار إلى أنَّ تركيا هي الدولة الأوروبية الوحيدة العضو في حلف “الناتو” التي تمتلك صاروخًا تقليديًا يُطلق من الأرض ويزيد مداه على 300 كيلومتر.

وربما تكشف هذه التطورات عن تحوُّلٍ أعمق مما يبدو للوهلة الأولى. فبعد سنوات كانت الصناعات الدفاعية التركية تُطرَحُ باعتبارها وسيلة لتقليص الاعتماد على الغرب، أصبحت هذه الصناعات نفسها تشكل اليوم أحد الجسور الذي قد يُعيدُ دمج تركيا تدريجًا في المنظومة الدفاعية الأوروبية والأطلسية. ومن ثم، لم تعد قيمة هذه الصناعة تُقاس فقط بما تمنحه لأنقرة من قدرات عسكرية، بل أيضًا بما توفره من نفوذ سياسي، وشراكات صناعية، وفرص لإعادة بناء الثقة مع الحلفاء الغربيين.

الخلاصة

عندما بدأنا، أنا وزملائي، دراسة العلاقة بين الصناعات الدفاعية التركية والاستقلال الاستراتيجي، افترضنا أنَّ التعاون الدفاعي لن يكون كافيًا، في حد ذاته، لإعادة الحيوية إلى العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي. وقد جاءت التطوّرات اللاحقة لتؤكّد هذا التقدير. فاستبعاد أنقرة من الأداة المالية الأوروبية “العمل الأمني لأوروبا” (Security Action for Europe) أظهر أنَّ العقبات السياسية والمؤسسية التي تعترض هذه العلاقة لا تزال قائمة، رُغمَ تنامي الحاجة الأوروبية إلى القدرات الدفاعية التركية.

في المقابل، كشفت التطورات الأخيرة عن مسار مختلف. فبدلًا من التعاون المؤسسي الشامل بين تركيا والاتحاد الأوروبي، بدأت تتبلور شبكة من الشراكات الثنائية مع عدد من الدول الأوروبية، خصوصًا في مجالات الصناعات الدفاعية وبناء السفن والتسليح. ويبدو، حتى الآن، أنَّ هذا النهج الثنائي هو الأكثر واقعية لتعزيز التعاون بين الطرفين في المستقبل المنظور.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الشراكات مجرد امتداد لنهج براغماتي يقوم على تبادل المصالح والصفقات، أم أنها قد تتحوّل إلى قاعدة سياسية تسمح لتركيا ببناء كتلة من الدول الأوروبية الداعمة لتجاوز العقبات المؤسسية التي لا تزال تعرقل اندماجها في المنظومة الدفاعية الأوروبية؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل العلاقة بين الصناعات الدفاعية التركية والسياسة الخارجية لأنقرة.

فالاستقلال الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد امتلاك مصانع حديثة أو إنتاج منصات عسكرية وطنية، بل يتطلب أيضًا القدرة على الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد، وبرامج التطوير المشتركة، والأسواق الدولية. وحتى الآن، ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها تركيا في تطوير منصاتها العسكرية، فإنها لا تزال تعتمد على شركائها الخارجيين في عدد من المكوّنات والأنظمة الفرعية ذات الأهمية الحيوية.

ومن المفارقات أنَّ الصناعات الدفاعية التركية، التي طُرحت في البداية باعتبارها وسيلة لتقليص الاعتماد على الخارج، حققت معظم نجاحاتها بفضل الانفتاح على الشركاء الغربيين، والاستفادة من برامج الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي التي امتدت لعقود.

ولهذا، فإنَّ التحدّي الذي يواجه أنقرة اليوم لم يعد يتمثّل في بناء صناعة دفاعية وطنية، فقد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال، وإنما في الحفاظ على قدرتها التنافسية من خلال البقاء جُزءًا من شبكات الابتكار والتطوير الغربية. فبدون شراكات صناعية دولية، قد تواجه هذه الصناعة صعوبة في الحفاظ على زخمها التقني، بما ينعكس في نهاية المطاف على الطموح التركي في تعزيز استقلالها الاستراتيجي.

وفي هذا السياق، ربما يكون التحوُّل الأبرز هو أنَّ الصناعات الدفاعية التركية لم تعد تمثل مجرد أداة لتحقيق الاستقلال عن الغرب، بل أصبحت، على نحوٍ متزايد، جسرًا لإعادة وصل تركيا بأوروبا. وإذا نجحت أنقرة في توظيف هذا التحوُّل، فقد تتحوَّل الصناعات الدفاعية من أحد ملفات الخلاف مع الاتحاد الأوروبي إلى واحدة من أهم ركائز إعادة بناء الثقة والشراكة بين الجانبين خلال السنوات المقبلة.

Exit mobile version