
هنري زغيب*
فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في أَيِّ لغة، ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية.
في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته.
في هذه الحلقة أَضواء على سنوات مريرة من فترة زواجه.
تَزَوَّجها وكانت حُبْلى
لم تكُن عصرئذٍ فضيحةً أَن يتزوَّجَ الرجل من امرأَة حبلَت منه قبل الزواج. وزواج شكسبير لا في مدينته الأُمّ بل في تـِمْبل غرافتون (تشرين الثاني/ نوفمبر1582) من آنا هاثاواي (1556-1623) لم يكن ناجحًا إِلَّا ظاهريًّا. كان في الثامنة عشرة، وكانت في السادسة والعشرين. وعدم نجاح الزواج بدا واضحًا حين توسَّعت شهرته وانتقل إِلى العاصمة لندن.
الفوارق الاجتماعية
كانت آنّا من مستوى اجتماعي رفيع، ومن أُسرة غنية، فيما جون شكسبير (والد الشاعر) في وضع مالي مأْساوي. ويورد المؤَرخون، تكرارًا، أَنَّ وليام هو الذي أَغراها لا العكس، بالرغم من كونها تكبره سنًّا. ولذا لم تكن أُسرتها راضية عن هذا الزواج، بل مرغمة على القبول به، خصوصًا حين ذاع الخبر أَنها تزوجَت لكونها حبلى. وكان ذلك سترًا للأُسرتين من الفضيحة. فسنُّ السادسة والعشرين كان طبيعيًّا في ذاك الزمن الإِليزابيتي (فترة تودور 1485-1602) بينما سن الثامنة عشرة كانت دون المتاح. لذا كان على وليام أَن يأْخذ الإِذن من والده كي يتزوَّج. وواضح من وضع “العروس الحبلى” أَنْ لم يكن العرس علنيًّا كما المأْلوف. وهو تم لا في ستراتفورد بل في غرافتون، كي لا يُعرفَ تاريخ الزواج في بيئة ستراتفورد.
قبل انكشاف الفضيحة
كانت الكنيسة تحرِّم الزواج في فترة صوم الميلاد وفي بضعة الأَسابيع بعده. فكان على وليام أَن يسرّع زواجه في مطلع تشرين الثاني، قبل صوم الميلاد، وتجنُّبًا البقاءَ أَسابيع بعده كي لا ينفضح أمر زوجته الحبلى. هكذا كان على العريس وشاهدَي الزواج أَن ينتقلوا إِلى مدينة وُورْسِسْتِر للحصول من راعي كنيستها على إِذنٍ للزواج يتيح إِتمام العقد في تشرين الثاني، وألَّا يكون العرس في ستراتفورد رعيَّة العريسَين. كل ذلك اتقاءً فضيحةً لا تحتملها المدينة.
راعي الكنيسة المتعصب
سبب آخر للعرس في مدينة أُخرى: كان راعي كنيسة ستراتفورد بروتستانتيًّا متعصِّبًا عنيدًا، فلم يرضَ بمباركة عرسٍ كاثوليكيّ.
صحيح أَن حمْل آنَّا كان أَكيدًا، لكنه ليس غير مأْلوف. وعن المؤَرخ الإِنكليزي مايكل وود (م. 1948) أنَّ آنَّا كانت فترتئذٍ ثالث امرأَة في ستراتفورد تتزوَّج سرًّا وهي حبلى. وهذا يدل على اهتمام المجتمع الإِليزابيتي، وخصوصًا الوسط الكهنوتي فيه، بشؤُون العلاقات الجنسية.
وفي وثائق العظات الكنسية من زمن شكسبير، إشاراتٌ إِلى نقدٍ ساخط لاذع ضد النساء الشبقات اللواتي ينزلقنَ إِلى الاتصال الجنسي قبل الزواج. ولم يكن ذلك مسلَّطًا على الرجال بهذه الحدَّة. لكن الاتصال الجنسي قبل الزواج كان، علانيةً، محرَّمًا على الجنسَين.
زواج غير سعيد
نادرًا ما نقرأُ إِن كانت آنَّا هاثاوي سعيدة مع وليام في زواجها. مع ذلك دام الزواج طيلة حياة شكسبير حتى وفاته. ومع أَنه عاش فتراتٍ طويلةً من حياته بعيدًا عن زوجته التي لم يَرِدْ عنها أَنها غادرت ستراتفورد، كان هو يتردَّد باستمرارٍ على مدينته الأُم بين وقت وآخر. وفي أَواخر حياته، حين توقَّف عن الكتابة والتمثيل، انسحب إِلى ستراتفورد متقاعدًا بين أَفراد أُسرته.
بعد وفاته، مع أَنه كان مبتعدًا عن زوجته وعلى شبه خصامٍ معها، ورَدَ في وصيته أَنه يوصي لها بـ”السرير الآخر” (عادةً سرير الزوار)، لكنه، وفق تقاليد تودور الاجتماعية (في ذاك الزمن الإِليزابيتي بين 1485 و1602)، لم يكن بالفعل سوى سريرهما الزوجيّ. ورمزية ذلك أَنها المرأَةُ الوحيدةُ في حياته الحميمة، وأَنه لم يعرف امرأَةً سواها، ولا سريرًا حميمًا سوى سريرهما الزوجيّ.
الحلقة التالية: مآسٍ في حياته أَطلعت منه روائع.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)
