… بل اللبنانيَّةُ عفيفة كرم أَوَّل روائيَّة عربيَّة (الحلقة الأَخيرة: 4 من 4)

غلاف “غادة عمشيت” (1910)

هنري زغيب*

في السائد العام أَنَّ المصري محمد حسين هيكل (1888-1956) رائدُ الرواية العربية وأَولُ روائي عربي في روايته “زينب” (1914). مش صحيح. ريادة الرواية العربية ترقى إِلى الكاتبة اللبنانية عفيفة كرم (1883-1924) في روايتها “بديعة وفؤَاد” (1906 – منشورات جريدة “الهدى” – نيويورك). 

قبل أَيام صدرت للباحث الإِيطالي فرنشسكو ميديتشي Francesco Medici دراسة عن الروائية اللبنانية في أَميركا عفيفة كرم (في موقعKahlil Gibran Collective ). هنا مقاطع منها، أَضفتُ إِليها معلومات أُخرى من أَبحاثي الشخصية.

في الحلقة الأُولى سردتُ نبذة بيوغرافية عن عفيفة كرم، وفي الثانية نبذة عن نشاطها الصحافي في “الهدى” وفي الثالثة نبذة عن روايتَيْها الأُولَيَيْن.

في هذه الحلقة الرابعة (الأَخيرة) نبذة عن روايتها الأَخيرة وأَيامها الأَخيرة.

  1. غادة عمشيت

هي روايتها الثالثة والأَخيرة. صدرت سنة 1910، وكروايتَيْها السابقتَيْن، صدرت كذلك لدى منشورات جريدة “الهدى” نيويورك. تدور حول نهاية تاعسة لقصة حبٍّ بين فريدة وفريد، هشَّمها زواجٌ قسريٌّ لم يكن فيه لفريدة أَيُّ قرار. وكان الزوج حبيب متعسِّفًا، سكِّيرًا، ونموذجًا فاقعًا لِما تعانيه نساء عربيات كثيرات فترتئذٍ، كنَّ يتحوَّلْنَ أَقلَّ من أَغراضٍ حقيرةٍ في عهدة أَزواجهنّ، وتحت رحمتهم. حاول فريد أَن يُنقذ حبيبته لكنه فشِل، ثم تحوَّل ناشطًا سياسيًّا ومصلحًا اجتماعيًّا ليبراليًّا، لكنه، بالرغم من دعواته إِلى المساواة، لم يتحرَّر كلِّيًّا من ضغوط المجتمع الذكوري. وانتهى الأَمر بفريدة أَرملة وحيدة منعزلة متروكة، إِلى أَن توفيَت صبيَّةً في ديرٍ كانت لجأَت إِليه آملةً أَن تجد فيه الملاذ والسلام.

دراسة بربارة يوسف بدوي

إِلى الترجمات

بعد “غادة عمشيت”، أَشاحت عفيفة كرم عن كتابة الروايات، وانصرفت إِلى تعريب روايات أَجنبية، منها” ملكة اليوم” (1908، منشورات “الهدى”) للكاتبة الإِيرلندية إِليزابيت ميد سميث (1844-1914)، و”كيوپاترا” للكاتب الإِنكليزي هنري رايدر هاغرد (1856-1925) وضعها سنة 1889، و”نانسي ستاير” (1914) للأَميركية إِلينور ماكارتْني لين (1864-1909)، و”ابنة نائب الملك” (منشورات “الهدى”- 1918) للكاتب الفرنسي أَلكسندر دوما (1-1870)، و”محمد علي باشا الكبير” (نيويورك – “الهدى” 1919)، للكاتبة الأَلمانية لويز مولباخ (الاسم الأَدبي للكاتبة كلارا مونْتْ: 1814-1873).

مدفنها مع زوجها في شريڤپورت (لويزيانا)

الانعزال والغياب الأَخير

بعد هذا النتاج الوفير، تأْليفًا وترجمةً وصحافةً ومقالاتٍ كثيرةً، انسحبَتْ عفيفة كرم إِلى الصمت، حتى توفيَت في 29 تموز/يوليو 1924 بانفجار في الدماغ وهي لم تكمل الحادية والأَربعين. نعَتْها الصحافة العربية الأَميركية واصفةً إِياها بـ”المدافعة القوية عن المرأَة السورية”، و”أَميرة القلَم”، و”حاملة شعلة تحرير المرأَة”، و”عبقرية لبنان”. وتم دفْنُها في مقبرة القديس يوسف (شريڤپورت) وفيها كذلك دُفنَ زوجها.

الرائدة الأُولى في الأَدب المهجري 

سنة 2015 أَصدرَت الباحثة الأَميركية إِليزابيت كلير سايلور أُطروحتها الجامعية “جسْرٌ مبكِّر: عفيفة كرم الروائية العربية الأَميركية الأُولى-حياتُها وأَعمالها” (منشورات جامعة كاليفورنيا في بيركلي). وفي ختام أُطروحتها كتبَت: “سيرة عفيفة كرم ومسيرتها الأَدبية تشكِّلان نموذجًا فريدًا للحوار الثقافي والديني بين نصفَي الكوكب، وتثْبتان بأَنَّ العرب، قبل مئة عام، كانوا يشكِّلون جزءًا، ولو مهمَلًا حاليًّا، من تاريخ أَميركا. وعفيفة كرم، هوية راسخة لمثقَّفة حرة تناقض ما كان يجري في الصحافة الأَميركية من صورة نمطية مغلوطة عن المرأَة العربية، لتُظْهِرَ أَنَّ المرأَة العربية استطاعت أَن تترك بصمة فاعلة للثقافة الأَدبية العربية والأَدب المهجري في الولايات المتحدة”.

وهكذا، قبل “زينب” محمد حسين هيكل (1914)، وقبل قصة جبران “الأَجنحة المتكسرة” (1912)، كانت عفيفة كرم

أَطلقَت الرواية العربية الأُولى وحفَرَت مكانها رائدًا خالدًا في تأْسيس الأَدب المهجري.

Exit mobile version