هنري زغيب*
فيما يترنَّح لبنانُ السياسةِ وسياسييه “الأَشاويس” بين مَن يَجترحُ العَجَب ومَن لا يُعجبُهم عَجَب، يُواصل لبنانُ الثقافة سطوعَه البهيَّ محليًّا ودُوَليًّا، معتزًّا بأَعلامه المبدعين، ساعين إِلى تنصيع لبنان الوطن، غيرَ آبهين للبنان الدولة وتعتيرها ويوضاسييها.. لذا يَتَأَلَّقُ الوطن ويتأَنَّق بلبنان الثقافي، متساميًا إِلى فضائه النقي..
ها نحن إِلى أُسبوعٍ مقْبلٍ مُكَرَّسٍ باحتفالاتٍ ثقافيةٍ ثلاثةٍ، مُرَصَّعةٍ معًا بعَلَمَيْن عالَميَّيْن ينبُضان بلبنان اللبناني هنا وفي كلِّ هناك: الدكتور فيليب سالِم والشاعرة ميّ الريحاني..
الاحتفال الأَول: “جائزة مي الريحاني” تكريسًا إِنجازَ لبنانيٍّ أَسهمَ في تنصيع لبنان الوطن.. لذا ارتأَت اللجنةُ منْحها “مسرحَ كركلَّا”: “لِما يمثِّل من قيَم نصَّعت صورةَ لبنان في العالم على أَرقى مسارح العالم”.. البادرةُ نبيلةٌ مرَّتين: من مؤَسِسة اللجنة ورئيستِها الكاتبة المغربية/اللبنانية فَتيحة بن منصور بدران، عضو “مجلس البرلمانيات الفرنكوفونيات”، ومن لجنة الجائزة بإِجماعها على اختيار “مسرح كركلَّا” لدورتها الأُولى (مساءَ الجمعة المقبل 10 تموز/يوليو الجاري في مسرح كركلَّا).. ولا أَعرف ورشةً ثقافيةً عكَسَت في نتاجها حضارةَ لبنان، بقيمتها وجماليَاها، كـ”مسرح كركلَّا” وإِبداعاته في كُبريات صالات المسرح والأُوبرا، لدى أَبرز العواصم والمدُن العربية والعالَمية: مشاهدَ مكتوبةً بأَبجديةٍ كوريغرافيةٍ خطَّها المؤَسِّس عبدالحليم كركلَّا وما زال يواصل ابتكارَ جديدٍ بها، يَرفدُه إِخراجًا المبدعُ الطَليعيُّ إِيفان كركلَّا، وتحوك له طليعيَّتَها الباهرة أَليسار كركلَّا..
الاحتفال الثاني في الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU: افتتاحُ جَنَاح “أَكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني”، العهدِ الجديدِ لـ”مركز التراث اللبناني” الذي، منذ تأْسيسه (2002) حتى اليوم، شكَّل مرجعًا أَكاديميًّا لشُؤُون التراث، في سلسلةٍ غنيَّةٍ من محاضراتٍ وندواتٍ ومؤْتمراتٍ متعدِّدة المواضيع والأَعلام، كما في اقتنائه مجموعةً واسعةً من موادَّ تراثيةٍ مهمَّةٍ، في طليعتها أَغراضٌ أَصليةٌ خاصة من مي زيادة (عودُها الذي كانت تعزف عليه في صالونها الأَدبي قبل 110 سنوات، آلتُها الكاتبة، ومخطوطات لها وإِليها)، ومن مصطفى فرُّوخ (تمثالُهُ من صنع شربل فارس، علبةُ أَلوانه، ريشاتُه، دفاتر مخطوطاته ومذكِّراته، …)، وكنوزٌ تراثيةٌ سيكتشفها زوَّار الجناح لدى افتتاحه ظُهر السبت المقبل 11 تموز/يوليو الجاري، يستقبلُهم الدكتور فيليب سالم الذي منح الجامعة هبَةً نبيلةً جعلَت الجامعة تُطْلق اسمَه على “مركز التراث اللبناني”..
الاحتفال الثالث: استذكارُ الناشر النَهضوي أَلْبِرت الريحاني في “مركز فيليب سالم للدراسات السياسية اللبنانية” لدى جامعة القديس يوسف (الاثنين المقبل 13 تموز/يوليو الجاري): ندوةٌ أَدبيةٌ تُسَطِّر صفحاتٍ ساميةً عن هذا الريحاني الْكان له حضورٌ ساطعٌ في الوسَط الأَدبي والثقافي اللبناني مدى النصف الثاني من القرن الماضي.. وهو نشرَ مؤَلفاتِ كوكبةٍ من شعراء وأُدباء لبنانيين ومن دُوَل عربية، ومجلَّاتٍ طليعيةً، منها “شعر” و”صوت المرأَة” و”دنيا الأَحداث”.. وتأْتي هذه الندوةُ تكملةً طبيعيةً بعدَ إِنشاءِ “كرسيّ أَلْبِرْت الريحاني” لدى الجامعة الأَميركية – بيروت.. وكان انعقدَ قبلَذاك مؤْتمرٌ عنه في “مركز التراث اللبناني” لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية LAU في حزيران/يونيو 2025..
بلى، هذا هو لبنانُ الثقافة والتراث: لا تغيب شمسُه مهما غيَّم فضاؤُه اسودادًا يوضاسيًّا وقتاماتٍ سياسيَّةً ستزول هي ومسبِّبوها، مهما طال “اسبِطْرارُهم” في مراكزهم، و”استرباخُهم” على أَكتاف الشعب.. إِنهم زائلون كرَغْوة الصابون، عابرون إِلى النسيان كفُقاعات الزبد يبتلعُها الرمل عند حصى الشاطئ.. أَمَّا مبدعو لبنان، فكلَّما مرَّ بهم الزمان، يُحْيونه ويُحْييهم فلا يصيبُهم غياب..
هذه هي العبقرية الإِبداعية اللبنانية: تتجدَّد شمسُها كلَّ صباح وتُحَوِّل مغيبَها موعدًا لشروق جديد، مثالُهُ موعدُنا بعد أَيامٍ، في أُسبوع واحدٍ، ثلاثةُ احتفالات ركْناها عَلَمان عالَميَّان من لبنان: فيليب سالم ومي الريحاني..
المجدُ للبنان الثقافة والتراث: شَمسُه تَشعُّ على أَرضه وشعبه، هُنا ووِسْعَ مَهَاجره في كلِّ هناك.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت)
