خطَّةُ الإقليم لاحتواءِ “حزب الله”

بينما يُركّز الغرب على نزع سلاح “حزب الله”، تعمل مجموعة من القوى الإقليمية بقيادة السعودية على مقاربة مختلفة تقوم على إدارة الأزمة واحتوائها ضمن تسوية سياسية أوسع. ويطرح هذا المسار سؤالًا جوهريًا: هل يمكن حل مشكلة الحزب عبر التفاهمات الإقليمية بدلًا من المواجهة المباشرة؟

المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية تحت رعاية واشنطن: هل تستطيع النجاح في ظل المفاوضات الإيرانية-الأميركية؟

مايكل يونغ*

في خطوةٍ حملت أبعادًا سياسية واقتصادية تتجاوز آثارها التجارية المباشرة، أعلنت الرياض الأسبوع الماضي رفع جميع القيود المفروضة على الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية، وذلك قبل يومٍ واحد فقط من وصول المبعوث السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت. وقد قرأت الأوساط السياسية اللبنانية هذه الخطوة باعتبارها رسالة دعم واضحة من المملكة للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في مرحلةٍ شديدة الحساسية يمرُّ بها لبنان.

ولا تقتصر أهمية القرار السعودي على ما يوفّره من متنفّس اقتصادي لبلدٍ يعاني أزمة مالية غير مسبوقة، بل تتعداها إلى دلالاته السياسية والإقليمية. فلبنان لا يزال يواجه تداعيات الحرب الإسرائيلية المدمّرة على أراضيه، فيما يجد نفسه في قلب صراع إقليمي مفتوح بين إسرائيل وإيران تتداخل فيه الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.

تحالف إقليمي لاحتواء التصعيد

خلال الأشهر الماضية، برزت السعودية إلى جانب تركيا ومصر وقطر وباكستان كجزء من محور إقليمي سعى إلى احتواء تداعيات التصعيد الإسرائيلي المتزايد في المنطقة، والعمل على منع انزلاق الدول الهشّة، وفي مقدمتها لبنان، نحو مزيد من عدم الاستقرار. وفي هذا السياق، لم يقتصر دور هذه الدول على إدارة التوترات الإقليمية، بل شمل أيضًا محاولة تخفيف الاحتقان الداخلي اللبناني والحؤول دون تحول الانقسامات السياسية والطائفية إلى مواجهة مفتوحة.

ولا تستند هذه المقاربة إلى اعتباراتٍ إيديولوجية أو اصطفافات سياسية تقليدية بقدر ما تعكس منطقًا استراتيجيًا قائمًا على توازن القوى. فالدول الخمس تنطلق من قناعة متزايدة بأنَّ الشرق الأوسط مُقبلٌ على مرحلة إعادة تشكيل لموازين النفوذ في ظلِّ احتمالات تراجع الانخراط الأميركي المباشر في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تسعى إلى منع أي قوة إقليمية، سواء كانت إيران أو إسرائيل، من الانفراد بفرض هيمنتها على النظام الإقليمي الناشئ.

أما في لبنان، فقد ترجمت هذه المقاربة نفسها من خلال الجهود الرامية إلى تجنُّب أي صدام داخلي حول ملف سلاح “حزب الله”. فبينما تصاعدت الضغوط الأميركية والإسرائيلية على الحكومة اللبنانية لدفعها نحو مواجهة مباشرة مع الحزب أو فرض نزع سلاحه بالقوة، أبدت الرياض وشركاؤها الإقليميون تحفُّظًا واضحًا على هذا المسار، انطلاقاً من خشيتهم من أن يؤدّي إلى تفجير الساحة اللبنانية وإعادة إنتاج الصراعات الأهلية والطائفية.

وفي هذا الإطار، اكتسبت الزيارة التي قام بها علي حسن خليل، الموفد السياسي لرئيس مجلس النواب نبيه بري وأحد أبرز قنوات التواصل مع “حزب الله”، إلى الرياض قبل أسابيع دلالة خاصة. فبحسب مصادر مطلعة، حمّلته المملكة خلال اللقاءات التي عقدها رسالة واضحة مفادها أنها ترفض أي انزلاق نحو العنف الطائفي أو المواجهة الداخلية، وتعتبر أنَّ الحفاظ على الاستقرار اللبناني يشكل أولوية لا تقل أهمية عن معالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة.

من نزع السلاح إلى إدارة الأزمة

وفي إطار السعي إلى تجنُّب أيّ مواجهة داخلية، برز خلال العام الماضي توجُّه إقليمي يدعو إلى معالجة ملف سلاح “حزب الله” عبر آليات الاحتواء والتدرج، بدلًا من فرض نزع السلاح بالقوة. فقد عملت القاهرة على إعداد مقاربة تقوم على دمج هذا الملف ضمن تسوية سياسية وأمنية أوسع، انطلاقًا من قناعة بأنَّ أيَّ محاولة لدفع الجيش اللبناني إلى مواجهة مباشرة مع الحزب قد تفتح الباب أمام صدام مسلح يحمل مخاطر كبيرة على استقرار البلاد ومؤسساتها.

وتتداول الأوساط السياسية والديبلوماسية حاليًا وثيقة تتناول تفاصيل هذه المقاربة. وبحسب مصادر مطلعة عليها، فإنها لا تقتصر على الرؤية المصرية فحسب، بل تتضمن أيضًا مساهمات وأفكارًا مدعومة من أطراف إقليمية عدة، من بينها المملكة العربية السعودية. وتتمحور إحدى ركائز الوثيقة حول استكمال تنفيذ البنود غير المطبَّقة من اتفاق الطائف، الذي شكّل الإطار الدستوري والسياسي لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وإعادة تنظيم توازنات السلطة في البلاد منذ عام 1990.

ويعكس هذا الطرح فهمًا مختلفًا لطبيعة الأزمة. فبدلًا من التعامل مع سلاح “حزب الله” بوصفه قضية أمنية منفصلة، يجري النظر إليه كجُزءٍ من معادلة سياسية داخلية أوسع ترتبط بموقع الطائفة الشيعية داخل الدولة اللبنانية ودورها في النظام السياسي. ومن هذا المنطلق، تتحدث الوثيقة عن “انتقال تدريجي منظّم” لمعالجة ملف السلاح، ضمن مسار متكامل يترافق مع إصلاحات سياسية ومؤسساتية تعزز مشاركة مختلف المكونات اللبنانية في مؤسسات الدولة.

ولا يبدو أنَّ هذه المقاربة قد بلغت مرحلة النضج النهائي بعد. فـ”حزب الله” قدّم ملاحظاته على الوثيقة، إلّا أنَّ مضمون هذه الملاحظات يشير إلى استمرار التباعد بشأن عدد من القضايا الأساسية، ما يعني أنَّ الطريق لا يزال مفتوحًا أمام جولات إضافية من التفاوض والحوار قبل التوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

وفي هذا السياق، اكتسبت الزيارة الأخيرة التي قام بها قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، إلى باكستان اهتمامًا خاصًا لدى المراقبين. فرغم غياب تفاصيل واضحة حول طبيعة المحادثات التي أجراها هناك، فإنَّ بعض الأوساط السياسية ربطت الزيارة بالدور المتنامي الذي تلعبه إسلام آباد في الوساطات الإقليمية، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران. ومن هذا المنظور، لا يستبعد بعض المتابعين أن تكون النقاشات قد تناولت سبل تعزيز دور الجيش اللبناني في الجنوب ضمن ترتيبات أمنية تضمن توسيع حضور الدولة من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، وهو سيناريو يصعب نجاحه من دون موافقة إيرانية ضمنية.

وتقود هذه المعطيات إلى استنتاجٍ أساسي مفاده أنَّ معالجة قضية “حزب الله” تبدو اليوم أقرب إلى أن تكون جُزءًا من تفاهُمٍ إقليمي واسع، لا مجرّد قرار لبناني داخلي أو استجابة لضغوط خارجية. فالتجارب السابقة أظهرت أنَّ المقاربات القائمة على الإكراه والمواجهة غالبًا ما تؤدي إلى تعقيد الأزمة بدلًا من حلها، بينما توفر التسويات التدريجية فرصة أكبر للحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب الانزلاق نحو صراعات جديدة.

ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية في ظل وقف إطلاق النار القائم حاليًا بين الولايات المتحدة وإيران، والذي أوجد نافذة سياسية قد تسمح ببحث عدد من الملفات الإقليمية العالقة، ومن بينها الملف اللبناني. وإذا ما نجحت الجهود الرامية إلى إدراج لبنان ضمن أي تفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران، فإنَّ المبادرة الإقليمية المطروحة قد تشكل أساسًا عمليًا لخارطة طريق تتناول مستقبل سلاح “حزب الله” ضمن إطار سياسي وأمني متدرج، بدلًا من سيناريوهات المواجهة التي يخشى كثيرون أن تدفع لبنان نحو دورة جديدة من عدم الاستقرار.

لبنان في قلب التفاهمات الإقليمية الجديدة

وتعكس التطورات الإقليمية الأخيرة حجم التحوّل الجاري في بنية التوازنات الشرق أوسطية. فقد لفتت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي الانتباه عندما اعتبر أنَّ الهجمات الإسرائيلية في سوريا ولبنان تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي. ولم يكن هذا الموقف مجرد رد فعل سياسي عابر، بل مؤشرًا إلى أنَّ عددًا متزايدًا من القوى الإقليمية بدأ يعيد رسم تعريف مصالحه الأمنية ومجالات نفوذه في المنطقة، استعدادًا لمرحلة يُتوقع أن يتراجع فيها الحضور الأميركي المباشر الذي طبع المشهد الإقليمي لعقود.

ويعني ذلك أنَّ لبنان لم يعد قادرًا على النظر إلى أزماته الداخلية بمعزل عن التحوّلات الجارية حوله. فمصير البلاد بات مرتبطًا بصورة متزايدة بالتوازنات الإقليمية الناشئة وبطبيعة التفاهمات التي تتشكل بين القوى المؤثرة في المنطقة. ومع ذلك، لا يزال الرئيس جوزيف عون وحكومته يراهنان إلى حد كبير على المظلة الأميركية باعتبارها السبيل الأنجع لحماية لبنان من الضغوط الإسرائيلية المتواصلة ومنع انزلاقه إلى مزيد من الدمار.

غير أن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى الأزمة اللبنانية من زاوية مختلفة. فاهتمامهما ينصبُّ بصورة أساسية على الجوانب الأمنية والاستراتيجية المرتبطة بـ”حزب الله” وإيران، بينما لا يبدو أن ملف الاستقرار الداخلي اللبناني أو متطلبات السلم الأهلي يحتلان الموقع نفسه على سلم الأولويات. ومن هنا تبرز أهمية المبادرات الإقليمية التي تقودها دول مثل السعودية ومصر وتركيا وقطر وباكستان، والتي تنطلق من مقاربة مختلفة تضع الحفاظ على الاستقرار اللبناني ومنع الانفجار الداخلي في صلب أهدافها.

وليس هذا النهج جديدًا على التجربة اللبنانية. فمنذ الاستقلال، كانت معظم المحطات المفصلية في تاريخ لبنان الحديث ترتبط بشكل أو بآخر بتفاهمات أو وساطات إقليمية ساعدت على تجاوز الانقسامات الداخلية الحادة. فطبيعة النظام اللبناني وتركيبته الطائفية والسياسية جعلتا من الصعب الوصول إلى تسويات مستدامة من دون مظلة إقليمية توفر الضمانات اللازمة للأطراف المختلفة.

صحيح أنَّ لبنان لا يملك القدرة على وقف الهجمات الإسرائيلية أو فرض ترتيبات أمنية جديدة من دون دور أميركي مؤثر، إلّا أنَّ من الخطَإِ أيضًا الاعتقاد بأنَّ معالجة ملف “حزب الله” وسلاحه يمكن أن تتم من خلال ضغوط داخلية أو دولية منفصلة عن البيئة الإقليمية المحيطة. فهذه القضية تجاوزت منذ زمن حدودها اللبنانية، وأصبحت جُزءًا من شبكة معقدة من التوازنات والصراعات الإقليمية التي تتداخل فيها مصالح دول عدة.

ولهذا السبب، يبدو أنَّ أيَّ تسوية قابلة للحياة ستحتاج إلى إطار إقليمي أوسع يضم الدول المنخرطة في المبادرة الحالية، إلى جانب الولايات المتحدة، والأهم من ذلك إيران، باعتبارها الطرف الأكثر تأثيرًا في مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و”حزب الله”. فبدون مشاركة الأطراف القادرة على تقديم الضمانات السياسية والأمنية اللازمة، ستبقى أيُّ حلول مطروحة عُرضةً للاهتزاز أو التعثّر عند أول اختبارٍ جدي.

ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد للبنان أن يسعى إلى إدراج المبادرة الإقليمية الخاصة بمعالجة ملف “حزب الله” ضمن أي حوار أميركي ـ إيراني مقبل. فالتقاطع بين المسارين قد يخلق فرصة نادرة لتحويل الأزمة اللبنانية من ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية إلى ملف تفاوضي قابل للمعالجة ضمن تسوية أوسع. وفي حال توافرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية، فقد يشكل ذلك المدخل الأكثر واقعية للتعامل مع واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في لبنان المعاصر، بعيدًا من رهانات القوة أو سيناريوهات المواجهة التي أثبتت التجارب السابقة محدودية قدرتها على إنتاج حلول دائمة.

Exit mobile version