الرنمينبي في الخليج… هل يُهَدِّدُ هَيمَنَةَ الدولار؟

شكّل تنفيذ أول تحويل مباشر بين الإمارات العربية المتحدة والصين بالدرهم والرنمينبي مؤشرًا جديدًا إلى اتساع الحضور المالي للعملة الصينية في الخليج. لكن هل يعكس ذلك تحوُّلًا حقيقيًا في موازين النظام النقدي الدولي، أم مجرّد توسُّعٍ تدريجي في استخدام الرنمينبي؟

الشيخ منصور بن زايد يجري أول معاملة دفع رقمية مباشرة مع الصين.

عمّار الحلّاق*

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، شهدت دولة الإمارات تنفيذ تحويل مالي بقيمة 50 مليون درهم إلى الصين باستخدام الدرهم الإماراتي والرنمينبي مباشرة، من دون المرور بالدولار الأميركي، وذلك خلال مراسم حضرها الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس إدارة مصرف الإمارات المركزي. ولم تكن أهمية الحدث في قيمة التحويل، بل في دلالته على تسارع جهود بكين لتوسيع استخدام عملتها في تعاملاتها مع دول الخليج. ويُثيرُ هذا التطوّر سؤالًا مهمًا: إلى أيِّ مدى نجحت الصين في توسيع استخدام الرنمينبي في علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج؟ وهل يشكل ذلك تهديدًا حقيقيًا لهيمنة الدولار على النظام المالي العالمي؟

شهدت السنوات الأخيرة توسُّعًا ملحوظًا في الروابط المالية بين الصين ودول الخليج، في إطار سعي بكين إلى تدويل عملتها ومنح الرنمينبي حضورًا أوسع في الاقتصاد العالمي. ولا يقتصر هذا التوجُّه على تسهيل التجارة، بل يندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص الاعتماد على الدولار. ومع ذلك، يظلُّ الجدل حول هذه القضية مبالغًا فيه أحيانًا؛ فبينما يتحدث البعض عن نهاية وشيكة لهيمنة الدولار، يتجاهل آخرون تعقيد النظام النقدي العالمي والدور الذي لا تزال تؤديه العملات الرئيسة الأخرى.

ولا تقتصر المنافسة بين الدولار والرنمينبي على تجارة السلع أو احتياطيات البنوك المركزية، بل تمتد إلى حركة رؤوس الأموال، والأسواق المالية، وأنظمة المدفوعات الرقمية، وغيرها من المجالات التي تحدد مكانة العملات في الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه المقالة أبرز مسارات توسُّع الرنمينبي في الخليج، وما إذا كانت هذه التطورات تمثل بداية تحوُّل في موازين النظام النقدي الدولي، أم أنها لا تزال تدور ضمن حدود الهيمنة المستمرة للدولار.

التجارة والطاقة… المدخل الرئيس لتدويل الرنمينبي

اعتمدت الصين نموذجًا نقديًا يقوم على الحفاظ على استقرار سعر صرف عملتها مع الإبقاء على استقلالية السياسة النقدية، مقابل فرض قيود على حركة رؤوس الأموال. وللتوفيق بين هذه السياسة وطموحها إلى تدويل الرنمينبي، قسمت العملة إلى سوقين منفصلين: السوق المحلية الخاضعة لرقابة بنك الشعب الصيني، والسوق الخارجية التي تتمتع بمرونة أكبر وتخضع بدرجة أوسع لقوى العرض والطلب. ويتيح هذا النظام لبكين الحفاظ على سيطرتها الداخلية، مع توفير العملة للأسواق العالمية في الوقت نفسه.

ولتسهيل استخدام الرنمينبي في التجارة مع دول الخليج، أنشأت الصين شبكة من آليات المقاصة والتسوية الثنائية مع عدد من دول مجلس التعاون الخليجي، بما يتيح للشركات تنفيذ معاملاتها بالرنمينبي بدلًا من الدولار. كما تستضيف الإمارات وقطر مراكز رسمية لمقاصة العملة الصينية، وأصبح بنك أبوظبي الأول عضوًا مباشرًا في نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود  (CIPS)، وهو المنصة الرئيسة لتسوية المدفوعات الدولية بالرنمينبي.

وأبرمت بكين كذلك ترتيبات للتسوية المالية مع جميع دول مجلس التعاون، إلى جانب اتفاقيات لتبادل العملات مع السعودية والإمارات وقطر، بهدف توفير السيولة اللازمة لتوسيع استخدام العملة الصينية في التجارة والاستثمار.

لكن إنشاء هذه البنية المالية لا يعني بالضرورة تراجع دور الدولار. فأسعار صرف الدولار تتحدد في أسواق عالمية تتمتع بدرجة عالية من السيولة والانفتاح، وهو ما يمنح المستثمرين ثقة أكبر في تسعيره مقارنة بالرنمينبي، الذي لا تزال قيمته تتأثر إلى حد كبير بالسياسات الحكومية الصينية. ولذلك، فإنَّ نجاح هذه البنية يعتمد في نهاية المطاف على استعداد الشركات والمستثمرين لاستخدام الرنمينبي على نطاق أوسع، وليس على وجود الأنظمة المالية وحدها.

ويبرز قطاع الطاقة بوصفه الساحة الأكثر أهمية في جهود الصين لتوسيع استخدام عملتها. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، جرى تسعير معظم صادرات النفط الخليجية بالدولار ضمن ما يعرف بنظام “البترودولار”، حيث تُباع صادرات النفط بالدولار ثم يعاد استثمار جزء كبير من عائداتها في الأصول الأميركية.

غير أنَّ هذا المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع تحوُّل الصين إلى أكبر مستورد للنفط الخام في العالم منذ عام 2017، وأكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال منذ عام 2021، في وقتٍ تعتمد اقتصادات الخليج بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة، بينما أصبحت الولايات المتحدة مُصدّرًا صافيًا للنفط والغاز بعد طفرة النفط الصخري.

ويمنح ذلك بكين نفوذًا متزايدًا قد يتيح لها تشجيع مورّديها الخليجيين على تسوية جُزء من صادراتهم النفطية بالرنمينبي بدلًا من الدولار، في ما يعرف اصطلاحًا بـ”البترويوان”.

واتخذت الصين بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، من أبرزها إطلاق عقود النفط الخام المقوَّمة بالرنمينبي في بورصة شنغهاي للطاقة عام 2018، وتنفيذ أول صفقة لشراء الغاز الطبيعي المسال من الإمارات بالعملة الصينية عام 2023.

ومع استمرار نمو الطلب الصيني على الطاقة، قد تعرض بكين مزايا استثمارية أو تمويلية لبعض الدول الخليجية مقابل قبول تسوية جزء من صادراتها النفطية بالرنمينبي، بينما قد ترى بعض الدول في الاحتفاظ بالعملة الصينية وسيلة لتنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد الكامل على الدولار.

إلّا أنَّ هذا المسار لا يزال يواجه تحديات هيكلية. فأغلب الدول الخليجية ستجد صعوبة في إعادة توظيف الرنمينبي خارج السوق الصينية، كما إنَّ معظم عملات الخليج ـباستثناء الدينار الكويتيـ مرتبطة بالدولار، وهو ما يجعل استمرار تسعير صادرات الطاقة بالدولار أكثر استقرارًا ويحدُّ من مخاطر تقلبات أسعار الصرف.

ولذلك، ورغم التقدم الذي أحرزته الصين في توسيع استخدام عملتها داخل قطاع الطاقة، فإنَّ الانتقال من نظام “البترودولار” إلى “البترويوان” لا يزال احتمالًا بعيد المدى، في ظل استمرار العوامل الهيكلية التي تدعم هيمنة الدولار.

الأسواق المالية… الرهان الثاني لبكين

إذا كانت التجارة والطاقة تمثّلان المدخل الأول لتوسيع استخدام الرنمينبي، فإنَّ أسواق المال تشكّل الرهان الثاني في استراتيجية بكين لتدويل عملتها. فمن خلال تعميق الروابط بين المؤسسات المالية الصينية والخليجية، تسعى الصين إلى توسيع حضور الرنمينبي في حركة الاستثمارات ورؤوس الأموال.

ففي عام 2019، أطلقت شركة “أم أس إي كابيتال” (MSA Capital) الصينية وبنك السلام البحريني صندوقًا لرأس المال الجريء بقيمة 50 مليون دولار للاستثمار في الشركات والتقنيات الصينية داخل أسواق الشرق الأوسط. وفي عام 2024، أعلنت مؤسسة الصين للاستثمار و”إنفستكورب” البحرينية تأسيس منصّة استثمارية بقيمة مليار دولار لتمويل الشركات الناشئة سريعة النمو في الصين ودول الخليج. وإذا جرى تنفيذ هذه الاستثمارات بالرنمينبي بدلًا من الدولار، فقد يُسهِمُ ذلك في توسيع استخدام العملة الصينية خارج سوق الصرف الأجنبية.

كما بدأ الرنمينبي يشق طريقه إلى سوق الملكية الخاصة (Private Equity) في الخليج. فقد أعلنت “إنفستكورب” خططًا لإنشاء أول صندوق استثمار خاص مُقوَّم بالرنمينبي، بقيمة تتراوح بين مليارين وأربعة مليارات يوان. ورغم أنَّ هذه المبادرة لا تزال محدودة مقارنة بصناديق الاستثمار الأميركية الكبرى، فإنها تعكس اتساع حضور العملة الصينية في أسواق المال الخليجية. غير أنَّ طبيعة هذه الاستثمارات، التي تمتد عادة بين سبع وعشر سنوات، تعني أنها تزيد حجم الأصول المقوَّمة بالرنمينبي، من دون أن تنعكس بالضرورة على حجم تداوله اليومي.

ويمتد هذا التقارب إلى أسواق الأسهم. ففي عام 2014، أصبحت “ناسداك دبي” أول بورصة خليجية تدرج سندًا صينيًا مقوَّمًا بالرنمينبي، بعدما أدرجت سندًا أصدره البنك الزراعي الصيني بقيمة مليار يوان، ما أتاح للمستثمرين الإقليميين الاستثمار في أصول مقوَّمة بالعملة الصينية.

وفي عام 2024، وقّعت بورصة شنتشن وسوق دبي المالي مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون، ولا سيما في مجال الصناديق المتداولة في البورصة. كما شهدت السعودية خطوات مماثلة؛ إذ اعترفت بورصة هونغ كونغ رسميًا بالسوق المالية السعودية عام 2023، قبل أن تطلق أول صندوق آسيوي يتتبع الأسهم السعودية، ثم أطلقت بورصتا شنغهاي وشنتشن في العام التالي أول صناديق استثمار داخل الصين تستثمر في الأسهم المدرجة في السوق السعودية، بما يدعم جهود المملكة لاستقطاب الاستثمارات المرتبطة برؤية 2030، حتى وإن لم يؤدِّ ذلك مباشرة إلى زيادة استخدام الرنمينبي في التداول.

ويتزامن هذا التقارب مع توسُّع حضور الصناديق السيادية الخليجية في السوق الصينية. فقد افتتحت شركة “مبادلة للاستثمار” الإماراتية مكتبًا في بكين عام 2023، بينما افتتح صندوق الاستثمارات العامة السعودي مكاتب في بكين وشنغهاي. كما استثمرت صناديق إماراتية خاصة في عدد من الشركات الصينية الكبرى، في حين أصبحت شركة قطر القابضة، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، ثالث أكبر مساهم في شركة “تشاينا إي أم سي” (ChinaAMC)، ثاني أكبر شركة لإدارة الصناديق الاستثمارية في الصين، بعد استحواذها على حصة تبلغ 10%.

وتعكس هذه الخطوات تنامي اهتمام المستثمرين الخليجيين بالأصول المقوَّمة بالرنمينبي، سواء باعتبارها وسيلة لتنويع المحافظ الاستثمارية أو لتحقيق عوائد طويلة الأجل، وهو ما يمنح العملة الصينية حضورًا أوسع في الأسواق المالية.

ومع ذلك، لا يزال الرنمينبي بعيدًا من منافسة الدولار في سوق السندات السيادية. فالسندات الأميركية تظل أكثر الأصول المالية سيولة وأمانًا في العالم، إذ يبلغ حجم سوقها نحو 31 تريليون دولار، مقابل نحو 18 تريليون دولار للسندات الحكومية الصينية. كما إنَّ القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال، إلى جانب المخاوف من تدخُّل الحكومة الصينية في الأسواق، تحدُّ من جاذبية الأصول الصينية مقارنة بنظيرتها الأميركية.

لذلك، ورغم اتساع الروابط المالية بين الصين ودول الخليج، فإنها لا تزال تمثل توسُّعًا تدريجيًا أكثر من كونها تحوُّلًا جذريًا في موازين النظام المالي. ويبقى تعزيز الدور الدولي للرنمينبي مرهونًا بزيادة حجم الاستثمارات المقوَّمة به، إلى جانب قدرة بكين على معالجة القيود التي تحد من جاذبية عملتها.

العملات الرقمية… ساحة جديدة للمنافسة

لم تقتصر جهود الصين على التجارة والأسواق المالية، بل امتدت أيضًا إلى العملات الرقمية وأنظمة المدفوعات الحديثة، بالتعاون مع الإمارات والسعودية، في محاولة لتطوير وسائل جديدة لتسوية المعاملات المالية العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، أطلقت الصين وهونغ كونغ والإمارات عام 2021، تحت مظلة بنك التسويات الدولية، مشروع “أم بريدج” (mBridge) الهادف إلى استخدام العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية في تسوية المدفوعات الدولية. وانضمت السعودية إلى المشروع في أواخر عام 2024، بعدما كانت الرياض وأبوظبي قد اختبرتا قبل ذلك مشروعًا مشتركًا للعملات الرقمية حمل اسم “عابر”.

ونُظِرَ إلى مشروع “أم بريدج” باعتباره خطوة قد تسهم في تقليل الاعتماد على نظام “سويفت”  (SWIFT)، الذي يشكل العمود الفقري للمدفوعات الدولية وأحد أبرز مصادر قوة الدولار في النظام المالي العالمي. كما كان من شأن المشروع أن يعزز دور نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود (CIPS)  عبر توفير قنوات دفع رقمية أكثر سرعة وكفاءة للمعاملات المقوَّمة بالرنمينبي.

وفي كانون الثاني (يناير) 2024، نفذت الإمارات عبر المشروع أول تحويل رقمي إلى الصين بقيمة 13.6 مليون دولار باستخدام الدرهم الرقمي، في تجربة أبرزت الإمكانات التقنية للنظام الجديد.

لكن المشروع تلقى انتكاسة في تشرين الأول (أكتوبر) 2024، عندما انسحب منه بنك التسويات الدولية، في خطوة فسرها كثيرون برغبة البنك في تجنّب الظهور بمظهر الداعم لنظام مالي قد يُنظر إليه بوصفه بديلًا من الدولار أو لنظام سويفت. ومع ذلك، واصلت الدول المشاركة تطوير المشروع بصورة مستقلة، واستمرت المعاملات المقوَّمة بالرنمينبي عبره في النمو.

ورغم أنَّ أنظمة الدفع الرقمية الجديدة قد تُسرّع تنفيذ التحويلات المالية وتخفّض تكلفتها بين الصين وشركائها الخليجيين، فإنها لا تعالج العقبات الأساسية التي تحدُّ من انتشار الرنمينبي عالميًا. كما إنَّ استخدام العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية لا يزال في مراحله الأولى، بينما تواصل غالبية الشركات الاعتماد على أنظمة الدفع التقليدية.

وفي المقابل، تواجه الصين تحديًا آخر يتمثل في النمو السريع لسوق العملات المشفّرة والعملات المستقرّة المرتبطة بالدولار. ففي الوقت الذي تبنت الإدارة الأميركية توجُّهًا أكثر انفتاحًا تجاه الأصول الرقمية، واصلت بكين فرض قيود على استخدام العملات المشفرة داخل الصين.

ويعكس حجم السوق هذا التفاوت بوضوح؛ إذ بلغت القيمة السوقية للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار نحو 103 مليارات دولار بحلول تشرين الأول (أكتوبر) 2025، مقابل نحو 3.2 ملايين دولار فقط للعملات المستقرة المرتبطة بالرنمينبي الخارجي، وهو ما يؤكد أنَّ التفوق الذي يتمتع به الدولار لا يزال يمتد إلى قطاع المدفوعات الرقمية أيضًا.

منافسة متدرجة… لا انقلابًا على الدولار

حققت الصين تقدمًا متفاوتًا في توسيع استخدام الرنمينبي داخل أسواق الخليج، سواء في تجارة السلع أو أسواق المال أو أنظمة المدفوعات الرقمية. غير أنَّ هذه المسارات لا تتحرّك بالوتيرة نفسها، ولا تقود بالضرورة إلى النتيجة ذاتها؛ فقد يتوسع استخدام الرنمينبي في بعض مجالات الاستثمار، بينما تظل تجارة الطاقة، على سبيل المثال، تعتمد بدرجة كبيرة على الدولار.

ومع ذلك، فإنَّ اتساع استخدام العملة الصينية في أكثر من قطاع قد يحقق، بمرور الوقت، أثرًا تراكميًا يقلل تدريجيًا من النفوذ الذي يستمده الدولار من هيمنته على الشبكات المالية العالمية. لكن هذا يختلف عن الحديث عن إحلال سريع ومباشر للرنمينبي محل الدولار، إذ إنَّ النظام النقدي الدولي تحكمه اعتبارات اقتصادية ومؤسسية وسياسية أكثر تعقيدًا.

ويقتضي تقييم توسع استخدام الرنمينبي التمييز بين البنية المالية والتدفقات المالية الفعلية. فربط أسواق المال وتطوير أنظمة المدفوعات مع الصين يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، وقد يمنح دول الخليج هامشًا أوسع لتنويع خياراتها المالية وتقليل تعرضها للمخاطر، لكنه لا يعني بالضرورة انتقالًا فعليًا من الدولار إلى الرنمينبي في عمليات التسوية التجارية أو الاستثمارية.

ويُقاس انتشار العملة الصينية عمليًا بحجم التجارة التي تُسوّى بالرنمينبي، وقيمة الاستثمارات والأصول المقوَّمة به، ومدى استخدامه في المعاملات العابرة للحدود، أكثر من عدد الاتفاقيات أو المنصات المالية الجديدة.

ولا تزال هيمنة الدولار تستند إلى عوامل يصعب منافستها في المدى المنظور، وفي مقدمتها عمق الأسواق المالية الأميركية وسيولتها، والثقة العالمية بالمؤسسات الاقتصادية الأميركية، واتساع استخدام الدولار في التجارة والاستثمار والاحتياطيات الدولية. أما الصين، فإنَّ توسيع الدور الدولي لعملتها سيظل مرهونًا بقدرتها على معالجة القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال، وتعزيز شفافية أسواقها المالية، وزيادة ثقة المستثمرين الدوليين في الرنمينبي.

وفي النهاية، لا يمكن اختزال العلاقة بين الدولار والرنمينبي في معادلة فائز وخاسر، بل هي عملية إعادة تشكيل تدريجية للنظام المالي الدولي، تتداخل فيها التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والاعتبارات الجيوسياسية. ومن هذا المنظور، لا يبدو أنَّ الخليج يتجه إلى استبدال الدولار بالرنمينبي، بقدر ما يتجه إلى توسيع هامش الخيارات بينهما.

Exit mobile version