ذروةُ التحالف… بدايةُ الانفصال: كيفَ تَخسَرُ إسرائيل أميركا؟

رغم أن التعاون العسكري بين واشنطن وتل أبيب بلغ مستويات غير مسبوقة، فإن التحولات السياسية والثقافية داخل الولايات المتحدة تشير إلى أن الأسس التي قامت عليها “العلاقة الخاصة” بين البلدين تتعرض لتآكل متسارع قد يعيد تشكيل مستقبلها.

بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، تتسع الفجوة داخل أميركا نفسها.

جوشوا ليفر*

للوهلة الأولى، يبدو أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجح في تحقيق ما كان يُعد حلمًا استراتيجيًا راود أجيالًا من القادة الإسرائيليين. فاليوم، تُحلّق الطائرات الأميركية والإسرائيلية جنبًا إلى جنب في أجواء الشرق الأوسط، ويشارك ضباط إسرائيليون في أعمال التنسيق داخل مقر القيادة المركزية الأميركية في فلوريدا، في مشهدٍ يجسّد مستوى غير مسبوق من التعاون العسكري والسياسي بين البلدين.

منذ تأسيس إسرائيل، سعى ديفيد بن غوريون ومن خلفه قادة الدولة العبرية إلى ترسيخ شراكة وثيقة مع القوة العظمى المهيمنة عالميًا، باعتبارها الضمانة الأهم لأمن إسرائيل واستمرارها. ولم يكن أكثر المتفائلين آنذاك ليتصوّر حجم التنسيق الذي تشهده العلاقات الأميركية-الإسرائيلية اليوم. ولو قُدِّرَ لبن غوريون، المدفون في كيبوتس “سديه بوكير” في صحراء النقب، أن يشهد هذه اللحظة، لربما اعتبرها تتويجًا لرؤية استراتيجية عمل من أجلها طوال حياته السياسية.

غير أنَّ هذا المشهد لا يروي القصة كاملة. فبينما تبدو العلاقات الأميركية-الإسرائيلية في ذروة قوتها على المستوى العسكري والمؤسساتي، فإنَّ الأسس السياسية والاجتماعية والإيديولوجية التي قامت عليها ما عُرف لعقود بـ”العلاقة الخاصة” بين البلدين بدأت تتعرّض لتآكل متسارع. فالشبكة التقليدية الداعمة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، والتي تضم جماعات ضغط نافذة مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (أيباك)، ومنظمات يهودية مؤثرة مثل رابطة مكافحة التشهير، إضافة إلى الحركات الصهيونية المسيحية، لم تعد تتمتع بالمكانة ذاتها التي تمتعت بها خلال العقود الماضية.

وقد جاء هذا التراجع نتيجة تحولات عميقة داخل المشهد السياسي الأميركي. ففي البداية، واجهت هذه المنظومة تحديات متزايدة من الجناح التقدمي في الحزب الديموقراطي، لكنها باتت اليوم تواجه ضغوطًا متنامية أيضًا من داخل اليمين الأميركي نفسه، ولا سيما من التيار الانعزالي الصاعد داخل ائتلاف “لنجعل أميركا عظيمة مجددًا” (ماغا)، الذي ينظر بعين الشك إلى الالتزامات الخارجية والتحالفات التقليدية للولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، تشهد مواقف الرأي العام الأميركي تحوّلًا لافتًا. فعدد الأميركيين الذين يرون أنَّ دعم إسرائيل يخدم المصالح الوطنية للولايات المتحدة تراجع إلى أقل من النصف، بينما أظهرت استطلاعات الرأي للمرة الأولى تعاطفًا أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين. كما إنَّ الافتراض التقليدي القائل بوجود منظومة قيم ثقافية ودينية مشتركة تجمع المجتمعين الأميركي والإسرائيلي لم يعد يحظى بالإجماع نفسه الذي كان قائمًا في السابق.

ففي حين يشهد المجتمع الأميركي تراجعًا مستمرًا في التدين المسيحي التقليدي وتزايدًا في التنوّع الثقافي والديموغرافي، تتجه إسرائيل بصورة متزايدة نحو المحافظة الدينية والتماسك حول هوياتها التقليدية. ومع اتساع هذه الفجوة الثقافية، بدأت صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة تفقد بعضًا من عناصر الجاذبية التي طالما استندت إليها. وفي موازاة ذلك، عادت النزعات المعادية للسامية إلى الظهور في أوساط من اليمين واليسار على حد سواء، بعد أن كانت محصورة إلى حد كبير في الهوامش السياسية. بل إنَّ هذه الخطابات باتت تجد طريقها تدريجًا إلى التيار العام، خصوصًا بين فئات شبابية وشعبوية ترى في معارضة المؤسسة السياسية التقليدية وسيلة لإثبات استقلاليتها وتحديها للنظام القائم.

حين بلغت العلاقة ذروتها بدأ التآكل

كانت هذه التحوّلات تتبلور داخل المجتمع والسياسة الأميركيين حتى قبل هجوم حركة “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023. إلّا أنَّ الحرب التي أعقبت ذلك شكّلت نقطة تسريع حاسمة. فمشاهد الدمار الواسع في غزة، والحصار الطويل، والأزمة الإنسانية المتفاقمة، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، انتقلت يوميًا إلى ملايين المتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي على مدى أكثر من عامين. ونتيجة لذلك، تحوّل الجدل حول إسرائيل من قضية تحظى بإجماع سياسي واسع إلى أحد أكثر الملفات إثارةً للانقسام داخل الولايات المتحدة، مولّدًا موجة متنامية من الانتقادات والرفض باتت جُزءًا من المشهد السياسي الأميركي المعاصر. وإذا كانت المواجهة المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تمثل الذروة العسكرية للتحالف بين البلدين، فإنها قد تمثل في الوقت نفسه بداية مرحلة التراجع السياسي والاجتماعي لهذا التحالف.

ومع ذلك، فإنَّ العلاقة الأميركية-الإسرائيلية لم تكن دائمًا على الصورة التي تبدو عليها اليوم. صحيح أنَّ الرئيس هاري ترومان كان أول من اعترف بإسرائيل بعد قيامها، لكن خلفه دوايت أيزنهاور تعامل معها بقدر كبير من التحفظ، انطلاقًا من اعتبارات الحرب الباردة وحسابات النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. لاحقًا، كسر جون كينيدي بعض هذه القيود عندما أصبح أول رئيس أميركي يزوّد إسرائيل بأسلحة أميركية متطوّرة. أما التحوُّل الأبرز فجاء خلال حرب عام 1973، حين لعب الرئيس ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر دورًا حاسمًا في إنقاذ إسرائيل من الهزيمة من خلال جسر جوي عسكري مكّنها من استعادة توازنها في مواجهة الجيوش العربية.

لكن حتى في تلك المراحل، لم تكن العلاقة بين الطرفين بلا حدود أو ضوابط. فقد أظهر رؤساء أميركيون مثل جيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب استعدادًا لمعارضة الحكومات الإسرائيلية عندما رَأوا أنَّ مصالح الولايات المتحدة تقتضي ذلك. وفي أكثر من مناسبة، استخدمت الإدارات الأميركية الضغوط السياسية والاقتصادية لإجبار إسرائيل على تعديل سلوكها أو التراجع عن بعض سياساتها. ولم يكن القادة الأميركيون آنذاك ينظرون إلى جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل باعتبارها قوة لا يمكن تحديها، كما سيصبح الحال في العقود اللاحقة.

العصر الذهبي للتحالف الأميركي-الإسرائيلي

أدى انهيار الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة إلى تغيير جذري في طبيعة هذه العلاقة. فمع اختفاء المنافس العالمي الرئيسي للولايات المتحدة، لم تعد إسرائيل تُقيَّم من منظور التوازنات الدولية الكبرى بقدر ما أصبحت جزءًا من النظام الإقليمي الذي سعت واشنطن إلى بنائه وإدارته في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تشكل ما يسميه بعض منظّري العلاقات الدولية “مجتمع المصالح الاستراتيجية”، حيث تزايدت القناعة داخل المؤسستين الأميركية والإسرائيلية بأنَّ مصالحهما الأمنية والسياسية أصبحت أكثر تداخلًا من أيِّ وقت مضى.

وجاءت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 والحرب العالمية على الإرهاب لتدفع هذا التداخل إلى مستويات غير مسبوقة. فقد أعادت النخب السياسية والإعلامية في البلدين تعريف التهديدات التي تواجههما باعتبارها جُزءًا من صراعٍ واحد ضد الإرهاب والتطرّف. وبات الخطاب السائد في واشنطن ينظر إلى خصوم الولايات المتحدة وإسرائيل، من أسامة بن لادن وتنظيم “القاعدة” إلى ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، بوصفهم تجليات مختلفة لخطر واحد، الأمر الذي عزز التقارب بين أجندتي البلدين الأمنية والاستراتيجية.

ولم يقتصر هذا التقارب على المصالح الأمنية وحدها، بل امتد إلى المجال القيمي والثقافي. ففي الوقت الذي رفعت الولايات المتحدة شعار نشر الديموقراطية وتعزيزها عالميًا، قدمت إسرائيل نفسها باعتبارها الديموقراطية الوحيدة المستقرة في الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى التيارات المحافظة التي نظرت إلى الصراعات الدولية من منظورٍ حضاري، تحوّلت إسرائيل إلى خط الدفاع المتقدم عن الغرب في مواجهة الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة. أما كثيرون من الليبراليين الأميركيين، فوجدوا فيها نموذجًا لمجتمع تعددي ومنفتح وسط بيئة إقليمية اتسمت بالاستبداد والصراعات المزمنة.

في تلك المرحلة، سواء في عهد بيل كلينتون أو خلال إدارة جورج بوش الإبن، هيمنت على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط نخب تدخّلية ليبرالية ومحافظة رأت في الشراكة مع إسرائيل عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الولايات المتحدة الإقليمية. وقد وفر هذا المناخ السياسي مساحة واسعة أمام جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لتعزيز نفوذها داخل مؤسسات صنع القرار الأميركية.

واستفادت منظمات مثل لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (أيباك) من هذا الواقع لتكريس دعم شبه إجماعي لإسرائيل داخل الحزبين الجمهوري والديموقراطي. كما لعبت مراكز الأبحاث والشبكات السياسية المرتبطة بها دورًا مؤثرًا في الحفاظ على حضور ثابت داخل الإدارات المتعاقبة، بغض النظر عن توجهاتها الحزبية. وفي المقابل، كانت الأصوات المدافعة عن الحقوق الفلسطينية تفتقر إلى البنية التنظيمية والموارد والنفوذ اللازم لموازنة هذا التأثير، فيما ظل الحضور الفلسطيني في وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية محدودًا مقارنة بما هو عليه اليوم.

وفي ظلِّ هذه المعادلة، بقي التشكيك في نفوذ اللوبيات المؤيدة لإسرائيل محصورًا إلى حد كبير في هوامش الحياة السياسية، حيث كانت هذه الانتقادات غالبًا ما ترتبط بخطابات المؤامرة الآتية من أقصى اليمين أو أقصى اليسار. كما إنَّ صعود ثقافة إحياء ذكرى المحرقة (الهولوكوست) خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي تَجسَّدَ أحد أبرز معالمها في افتتاح متحف ذكرى المحرقة في واشنطن عام 1993، جعل من اتهامات معاداة السامية سلاحًا سياسيًا وأخلاقيًا بالغ التأثير، قادرًا على إلحاق أضرار جسيمة بالسمعة المهنية والسياسية لمن يتعرض له.

نتنياهو وكسر الإجماع الأميركي

لكن التحوُّل الحاسم الذي كسر الإجماع التقليدي حول إسرائيل في واشنطن لم يأتِ من اليسار المؤيد للفلسطينيين بقدر ما جاء من اليمين المؤيد لإسرائيل نفسه. وكان عام 2015 نقطة انعطاف رئيسية في هذا المسار. فبينما كانت إدارة الرئيس باراك أوباما تعمل على إبرام الاتفاق النووي مع إيران، خاضت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل مواجهة مفتوحة مع البيت الأبيض. وأنفقت لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (أيباك) 40 مليون دولار في محاولة لإفشال الاتفاق، فيما أثار قرار رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر دعوة بنيامين نتنياهو لإلقاء خطاب أمام الكونغرس من دون تنسيق مسبق مع الرئيس الأميركي جدلًا واسعًا باعتباره خروجًا عن الأعراف السياسية المعمول بها. ومن على منصة الكونغرس، شنَّ نتنياهو هجومًا مباشرًا على الاتفاق النووي، محذرًا من أنه سيجعل الشرق الأوسط أكثر خطورة لا أكثر استقرارًا.

ورُغمَ أنَّ هذه الحملة لم تنجح في منع توقيع الاتفاق، فإنها تركت أثرًا أعمق على المدى الطويل، إذ ساهمت في تقويض ما تبقى من صورة الدعم الحزبي المشترك لإسرائيل. فمنذ ذلك الحين، بدأت المنظمات المؤيدة لإسرائيل تميل بصورة أوضح نحو المعسكر الجمهوري، بينما تراجعت قدرتها على تقديم نفسها بوصفها ممثلًا لإجماع أميركي عابر للأحزاب. كما اتسعت الفجوة بين أولويات عدد من كبار الممولين المحافظين وبين توجهات شرائح واسعة من اليهود الأميركيين.

وجاءت ولاية دونالد ترامب الأولى لتدفع هذا التحوُّل إلى مدى أبعد. فقد تبنت إدارته سياسات غير مسبوقة في انحيازها إلى المواقف الإسرائيلية، بدءًا من إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، مرورًا بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وصولًا إلى الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. وبدل أن تُعزّز هذه الخطوات الإجماع الأميركي حول إسرائيل، ساهمت في تحويلها إلى قضية أكثر استقطابًا داخل السياسة الأميركية، ودفع المزيد من الديموقراطيين إلى إعادة النظر في مواقفهم التقليدية تجاهها.

وفي الوقت ذاته، كانت إسرائيل نفسها تشهد تحوّلات داخلية عميقة. فخلال الانتخابات التي جرت عام 2015، بدأ نتنياهو بالابتعاد عن صورته التقليدية كزعيم يميني براغماتي، متجهًا نحو خطاب شعبوي أكثر حدة انسجم مع صعود التيارات القومية والشعبوية حول العالم. ومع مرور الوقت، تراجع حديثه عن التسوية السياسية مع الفلسطينيين لصالح خطاب أكثر تشددًا يقوم على توسيع السيطرة الإسرائيلية وترسيخ الوقائع على الأرض.

وازداد هذا المسار وضوحًا بعد توجيه اتهامات الفساد إلى نتنياهو عام 2019. فمع احتدام معركته للبقاء في السلطة، أقام تحالفات مع قوى كانت تُعد سابقًا خارج الإجماع السياسي الإسرائيلي، بما في ذلك تيارات قومية ودينية متطرفة ارتبط بعضها بإرث الحاخام مئير كاهانا وحركات الاستيطان ذات النزعات المسيحانية. ولم يقتصر الأمر على منح هذه القوى شرعية سياسية، بل امتد إلى إشراكها في الحكم ومنحها حقائب وزارية مؤثرة.

وقد انعكست هذه التحوّلات مباشرة على صورة إسرائيل لدى الليبراليين الأميركيين. فمع استمرار التوسع الاستيطاني، وتدهور فرص التسوية السياسية، وتصاعد الانتقادات المتعلقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان داخل إسرائيل والأراضي الفلسطينية، أصبح الحديث عن “القيم المشتركة” أقل حضورًا مما كان عليه في العقود السابقة. كما برز جيل جديد من التقدميين الأميركيين لم يعرف سوى إسرائيل في عهد نتنياهو، وكان أكثر تنوُّعًا عرقيًا وثقافيًا من الأجيال التي سبقته، وأكثر استعدادًا للتشكيك في المسلمات التقليدية للسياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط.

وضم هذا الجيل أعدادًا متزايدة من أبناء المهاجرين الآتين من جنوب آسيا وجنوب شرقها والشرق الأوسط، وهي فئات لم ترتبط عاطفيًا أو سياسيًا بالسرديات التقليدية التي شكلت أساس الدعم الأميركي لإسرائيل لعقود طويلة. كما بدأ عدد متزايد من اليهود الأميركيين الشباب بالتشكيك في اعتبار دعم إسرائيل عنصرًا أساسيًا في الهوية اليهودية الأميركية، وبرز بعضهم في مقدمة الحركات المناهضة للصهيونية داخل الولايات المتحدة.

وفي الخلفية، كانت الولايات المتحدة تشهد تحولات فكرية وثقافية أوسع. فبين احتجاجات فيرغسون بولاية ميسوري بعد مقتل مايكل براون عام 2014، والاحتجاجات التي أعقبت مقتل جورج فلويد في مينيابوليس عام 2020، خاضت الأوساط التقدّمية ما يشبه مراجعة شاملة لمفاهيم العرق والسلطة والتمييز. وأعادت هذه المراجعات صياغة الطريقة التي ينظر بها كثير من النشطاء والشباب إلى قضايا العدالة والحقوق حول العالم، بما في ذلك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ولذلك لم يكن مفاجئًا أن تصف حركة “حياة السود مهمة” في برنامجها السياسي الصادر عام 2016 السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين بأنها شكل من أشكال الإبادة الجماعية، وذلك قبل سنوات من أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) وما تلاها من حرب في غزة.

ما بعد العلاقة الخاصة

وفي السنوات الأخيرة، لم يعد التشكيك في العلاقة الأميركية-الإسرائيلية حكرًا على اليسار التقدمي. فقد بدأت أصوات مؤثرة داخل حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجددًا” (ماغا) تتبنّى مواقف أكثر انتقادًا لهذا التحالف، وإن انطلقت من دوافع مختلفة تمامًا. فبينما يركز التقدميون على قضايا الاحتلال وحقوق الإنسان، ينظر أنصار ما يُعرف بتيار “ضبط النفس” داخل اليمين الأميركي إلى العلاقة مع إسرائيل من زاوية المصلحة الوطنية الأميركية. ويجادل هؤلاء بأنَّ المصالح الاستراتيجية بين البلدين لم تعد متطابقة كما كانت في السابق، وأنَّ النفوذ الذي تمارسه إسرائيل وحلفاؤها داخل واشنطن تجاوز الحدود المقبولة. ومن هذا المنطلق، يدعون إلى إعادة النظر في المساعدات الأميركية للحلفاء الخارجيين عمومًا، ويرفضون استثناء إسرائيل من هذا التوجه.

وهكذا، بينما يتراجع الإجماع التقليدي المؤيد لإسرائيل، بدأت ملامح إجماع جديد أكثر انتقادًا لها تتشكل على أطراف الحزبين الرئيسيين. ففي أوساط الحزب الديموقراطي، تبدو إسرائيل مرشّحة لأن تتحوَّل إلى أحد الملفات المحورية في الانتخابات التمهيدية لعام 2028. وقد نجح النشطاء بالفعل في دفع عدد من السياسيين إلى الابتعاد عن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (أيباك). وإذا كانت الرعاية الصحية الشاملة قد شكلت القضية الأبرز في الانتخابات التمهيدية لعام 2020، فإنَّ الجدل حول المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل قد يؤدي دورًا مشابهًا في الدورة المقبلة. كما أصبحت المواقف من إسرائيل معيارًا متزايد الأهمية لدى قطاعات واسعة من القاعدة التقدمية عند تقييم المرشحين السياسيين.

أما داخل الحزب الجمهوري، فإنَّ مستقبل هذا الجدل سيتأثر إلى حد كبير بنتائج المواجهة مع إيران وتداعياتها. فإذا أدت هذه السياسات إلى أعباء اقتصادية أو سياسية إضافية على الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تتجه أصابع الاتهام نحو إسرائيل وحلفائها في واشنطن. وفي هذه الحالة، قد يكتسب أنصار الانعزالية الجديدة مزيدًا من النفوذ داخل الحزب الجمهوري، وفي مقدمتهم شخصيات مثل نائب الرئيس جي. دي. فانس. وحتى إذا تراجعت مكانة بعض رموز هذا التيار، فإنَّ شخصيات أخرى تتبنّى الموقف ذاته تبدو جاهزة لملء الفراغ، ومن بينها المعلق السياسي المحافظ تاكر كارلسون. وفي جميع الأحوال، بات خفض المساعدات الخارجية، بما فيها المساعدات المقدمة لإسرائيل، جُزءًا من الخطاب السياسي المتنامي داخل قطاعات واسعة من القاعدة الترامبية.

وفي ظل هذه التحولات، يبدو أنَّ نتنياهو نفسه بات يدرك أنَّ البيئة السياسية الأميركية تتغير بسرعة. ولذلك بدأ يطرح فكرة تقليص الاعتماد على المساعدات العسكرية الأميركية باعتبارها خيارًا إسرائيليًا استراتيجيًا، بدل أن تظهر كاستجابة لضغوط سياسية متزايدة في واشنطن. وقد تحدث بالفعل عن إنهاء اعتماد إسرائيل على هذه المساعدات خلال العقد المقبل، فيما طرحت دوائر فكرية محافظة، مثل مؤسسة التراث، تصورات تقوم على استبدال المساعدات التقليدية بتعاون أوسع في مجالات التكنولوجيا العسكرية وتطوير أنظمة التسليح.

لكن الرهان على قدرة إسرائيل على تجاوز مرحلة “التحالف الخاص” من دون خسائر كبيرة قد يكون أكثر تفاؤلًا مما تسمح به الوقائع الحالية. فالعلاقة التي استغرقت عقودًا لبنائها تواجه اليوم تحوّلات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة داخل الولايات المتحدة، يصعب عكس اتجاهها بسهولة. والمفارقة أنَّ نتنياهو، الذي قاد إسرائيل خلال ذروة نفوذها داخل واشنطن، قد يكون أيضًا أحد أبرز المسؤولين عن تسريع التآكل الذي أصاب أسس هذا النفوذ. وعندما يغادر المشهد السياسي، قد يترك خلفه إسرائيل أكثر قوة عسكريًا من أي وقت مضى، لكنها أقل قدرة على الاعتماد على الإجماع الأميركي الذي شكّل لعقود أحد أهم مصادر قوتها الاستراتيجية.

Exit mobile version