أمنُ الخليج في زمنِ التحوُّلات الكبرى (2 من 5)

تتناول “أسواق العرب” في هذه الخماسية واحدةً من أبرز القضايا الاستراتيجية التي تواجه المنطقة، وهي مستقبل الأمن الخليجي في ظلِّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي والإقليم. فلم يعد أمن الخليج يُقاس بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية، بل بقدرته على التكيُّف مع عالمٍ تتبدّل فيه موازين القوى وتتغيّر فيه طبيعة التهديدات. فبين تنافس القوى الكبرى، وتطوُّر أدوات الحرب، والأهمية الاستراتيجية للممرّات البحرية والطاقة، يقف الخليج أمام مرحلة تفرض إعادة النظر في كثير من المسلّمات التي حكمت أمنه لعقود. وفي عالمٍ يُعاد فيه توزيع القوة والنفوذ، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي، وكيف يمكن لدول المنطقة التعامل مع بيئة استراتيجية تتسم بتزايد التعقيد وتسارع التحوّلات.

الحرب العراقية-الإيرانية رسمت عقيدة إيران الأمنية.

الحلقة الثانية

إيران في مُعادلةِ الأمنِ الخليجي

 

كابي طبراني*

إذا كان الأمن يُقاس بحجم الإنفاق العسكري أو عدد الطائرات والدبابات، فمن الصعب تفسير المكانة التي تحتلها إيران في معادلة الأمن الخليجي. فإيران لا تمتلك أكبر جيش في المنطقة، ولا تُنفق على قواتها المسلحة بقدر ما تُنفق بعض القوى الإقليمية، كما إنَّ قدراتها التقليدية لا تضاهي ما يمتلكه بعض جيرانها من منظومات دفاع جوي أو أساطيل بحرية متطورة. ومع ذلك، ظلت لعقود أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في البيئة الأمنية الخليجية، وأحد أبرز العوامل في حسابات الردع والاستقرار. ويكشف ذلك أنَّ القوة في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس بالتفوُّق العسكري التقليدي وحده، بل بالقدرة على بناء استراتيجيات تجعل كلفة المواجهة مع الخصم مرتفعة حتى من دون امتلاك جيش هو الأكبر أو الأكثر تطوُّرًا.

إذا كانت الحلقة السابقة قد خلصت إلى أنَّ مفهومَ الأمن لم يعد يقتصرُ على حماية الحدود أو موازين القوى العسكرية، فإنَّ أول اختبارٍ عملي لهذا التحوُّل يتمثل في كيفية قراءة إيران في المعادلة الأمنية الخليجية. فإيران ليست مجرد دولة مجاورة تختلف مع دول الخليج في ملفات سياسية، وليست أيضًا مجرّدَ خصمٍ عسكري يمكن قياسه بحجم ترسانته الصاروخية أو عدد قواته المسلحة. إنها فاعلٌ إقليمي تشكّلت سياساته الأمنية عبر تفاعُلٍ مُعقّد بين الجغرافيا، والتاريخ، والبيئة الدولية، وإدراكه الذاتي لمصادر التهديد، وهو ما يجعل فهم سلوكها يتطلّب قراءةً أعمق من متابعة تصريحاتها السياسية أو تقدير قدراتها العسكرية.

ولسنوات طويلة، انصبَّ جُزءٌ كبير من النقاش حول أمن الخليج على سؤالٍ واحد: هل تُمثّلُ إيران تهديدًا؟ وعلى الرُغم من مشروعية هذا السؤال، فإنه لا يكفي لبناء سياسة أمنية فعّالة. فالاستراتيجيات لا تُبنى على توصيف التهديدات فحسب، بل على فَهمِ منطقها، والكيفية التي تتشكّل بها، والأدوات التي تعتمد عليها، والقيود التي تحكمها. فالدولة التي تُقرَأُ قراءة غير دقيقة قد تُواجَه بسياسات غير مناسبة، حتى لو امتلك الطرف الآخر تفوُّقًا عسكريًا أو اقتصاديًا.

ومن هنا، فإنَّ السؤال الأكثر أهمية لا يتمثل في ما إذا كانت إيران تُشكّلُ تحدّيًا لدول الخليج، وإنما في كيف ينبغي فهم هذا التحدّي؟ وهل يكفي النظر إليه باعتباره تهديدًا عسكريًا تقليديًا، أم أنَّ طبيعته أصبحت أكثر تعقيدًا، بحيث تشمل أبعادًا بحرية، وسيبرانية، ومعلوماتية، واقتصادية، إلى جانب الأبعاد العسكرية والسياسية والإيديولوجية؟

وتزداد أهمية هذا السؤال إذا أخذنا في الاعتبار أنَّ إيران، مثلها مثل بقية القوى الإقليمية، لا تتحرّك في فراغ. فسلوكها الأمني يتأثر بخبراتها التاريخية، وبيئتها الجغرافية، وطبيعة النظام الدولي، وعلاقاتها مع القوى الكبرى، كما يتأثر بالطريقة التي تُعرَّفُ بها مصادر الخطر على أمنها القومي.

ومن ثمَّ، فإنَّ فهم السياسة الأمنية الإيرانية لا يعني تبريرها أو تبنّي روايتها، بل تفسيرها وفق منطق استراتيجي يساعد على بناء سياسات أكثر واقعية ودقة. فقبل اختيار أدوات الردع أو الاحتواء أو إدارة التنافس، لا بد أولًا من فهم طبيعة الفاعل الذي يجري التعامل معه، والعقيدة التي تحكم سلوكه، والقيود التي تحدد خياراته.

كيف تشكّلت العقيدة الأمنية الإيرانية؟

لا يمكن فهم السلوك الأمني الإيراني من خلال متابعة سياساته الراهنة وحدها، لأنَّ كثيرًا من خياراته الحالية تعكس تصوُّرات تراكمت عبر عقود من التجارب والصراعات. وتميل معظم الدراسات إلى تفسير العقيدة الأمنية الإيرانية بوصفها استجابة لشعور طويل الأمد بالهشاشة الاستراتيجية أكثر من كونها مشروعًا لبناء تفوُّق عسكري تقليدي. ولذلك، لم يكن السؤال الرئيس بالنسبة إلى طهران كيف تصبح القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، بل كيف ترفع كلفة أي تهديد لأمنها القومي وتمنع انتقاله إلى الداخل الإيراني.

وقد لعبت الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988) دورًا حاسمًا في ترسيخ هذا الإدراك. فلم تكن تلك الحرب مجرّد مواجهة عسكرية طويلة، بل تجربة استراتيجية عميقة أعادت تشكيل نظرة إيران إلى الأمن القومي. فقد وجدت نفسها في حرب استنزاف مُكلِفة، في ظلِّ عزلةٍ دولية نسبية، ومحدودية في الوصول إلى منظومات التسليح الحديثة، في مقابل خصم حظي بدرجات متفاوتة من الدعم الإقليمي والدولي. ولم يكن الدرس الذي خرجت به طهران ضرورة امتلاك جيش أكبر فحسب، بل امتلاك أدوات تجعل أي حرب مستقبلية أكثر كلفة على الخصوم وأقل قابلية للانتقال إلى الداخل الإيراني؛ ولذلك ظلت تلك الحرب مرجعًا أساسيًا في التفكير الأمني الإيراني ومثالًا على مخاطر العزلة والاعتماد على القدرات التقليدية وحدها.

ثم جاءت العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية لتُعزّز هذا الاتجاه. فمع تقلّص فرص تحديث القوات المسلحة عبر الاستيراد، وتراجع فرص بناء تحالفات أمنية مستقرة، اتجهت إيران إلى الاستثمار في المجالات التي تستطيع تطويرها محليًا، مثل الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والقدرات البحرية غير التقليدية، والفضاء السيبراني، إلى جانب بناء علاقات مع فاعلين إقليميين يمكن أن يسهموا في توسيع خيارات الردع خارج الحدود الإيرانية.

ولم يكن هذا التحوُّل مجرّد استجابة لقيودٍ اقتصادية أو عسكرية، بل عكس تصوُّرًا مختلفًا لطبيعة الردع. فبدلًا من السعي إلى مُضاهاة القوى الكبرى أو بعض القوى الإقليمية في حجم القوات التقليدية، اتجهت إيران إلى بناء منظومة تجعل تكلفة استهدافها أعلى من المكاسب المُحتَملة لأيِّ خصم. وهنا لم تعد القوة تُقاس بعدد الطائرات أو الدبابات فقط، بل بقدرة الدولة على تعقيد حسابات خصومها، وإطالة أمد الصراع، وفتح أكثر من مسرح للمواجهة إذا فُرِضَت عليها الحرب.

ولهذا، يصعب تفسير العقيدة الأمنية الإيرانية من زاوية واحدة، سواء كانت إيديولوجية أو عسكرية أو سياسية. فهي نتاجُ تفاعُلٍ بين اعتبارات حماية النظام السياسي، والحفاظ على وحدة الدولة، وتجنُّب العزلة، ومنع تطويقها استراتيجيًا، في بيئةٍ إقليمية ودولية تتَّسم بدرجةٍ عالية من المنافسة وعدم اليقين. ومن هذا المنطلق، فإنَّ كثيرًا من أدوات القوة التي طوّرتها إيران لا تستهدف تحقيق انتصار عسكري حاسم بقدر ما تستهدف التأثير في حسابات الخصوم، وإقناعهم بأنَّ أيَّ مواجهة ستكون طويلة، ومُكلفة، ومُتعدّدة الجبهات.

ومع ذلك، فإنَّ هذه العقيدة ليست معادلة ثابتة أو مُحصَّنة من الاختبار. فقد أظهرت التطورات الإقليمية خلال الأعوام الأخيرة أنَّ امتلاك أدوات ردع متنوّعة لا يمنع بالضرورة وقوع المواجهات، كما إنَّ فعالية هذه الأدوات تبقى مرتبطة بقدرتها على التأثير في تقديرات الخصوم، وبالتحوُّلات التي تشهدها البيئة الإقليمية والدولية. وهذا ما يجعل العقيدة الأمنية الإيرانية إطارًا يتطوّر باستمرار، أكثر من كونها نموذجًا جامدًا لا يتغيّر.

ولهذا، فإنَّ فَهمَ إيران يبدأ من فَهمِ الطريقة التي تُعرِّفُ بها أمنها القومي، قبل الانتقال إلى تقييم حجم ترسانتها العسكرية. فالدول تبني استراتيجياتها على تصوُّراتها للمخاطر بقدر ما تبنيها على مواردها المتاحة. ومن هنا يصبح السؤال التالي منطقيًا: كيف تُترجَم هذه العقيدة الأمنية إلى أدوات قوة قادرة على تحقيق الردع والتأثير في البيئة الأمنية الخليجية؟

أدواتُ القوة الإيرانية: كيف تُترجَمُ العقيدة إلى ردع؟

إذا كانت العقيدة الأمنية الإيرانية قد تشكّلت على أساس تقليل الهشاشة الاستراتيجية، فإنَّ أدوات القوة التي طوّرتها خلال العقود الماضية تمثّل التطبيق العملي لهذه الرؤية. فبدلًا من منافسة خصومها في مجالات التفوق العسكري التقليدي، ركزت إيران على قدرات غير متماثلة تعوّض اختلال ميزان القوى، وتوفر لصانع القرار خيارات متعددة، وتجعل نتائج استخدام القوة ضدها أكثر كلفة وأقل قابلية للتوقع.

يأتي البرنامج الصاروخي في قلب هذه المنظومة، لأنه يمثل الوسيلة التي عوَّضت بها إيران محدودية قوتها الجوية، ووفَّرت لها قدرةً على توجيه ضربات بعيدة المدى من دون الحاجة إلى امتلاك أسطول حديث من الطائرات المقاتلة. ولذلك استثمرت إيران على مدى عقود في تطوير الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، مع التركيز على زيادة المدى والدقة والقدرة على تجاوز الدفاعات الجوية. ولا تكمن أهمية هذه الصواريخ في استخدامها عند اندلاع الحرب فقط، بل في تأثيرها على حسابات الخصوم قبل وقوعها، إذ تسهم في رفع كلفة أيِّ قرارٍ بالتصعيد.

ولم يقتصر هذا المنطق على الصواريخ، بل امتد إلى الطائرات المسيّرة، التي أصبحت خلال العقد الأخير أحد أهم أدوات الردع الإيرانية. فالميزة الرئيسة لهذه المنظومات لا تتمثل في أنها بديل للطائرات المقاتلة، وإنما في أنها توفر وسيلة منخفضة الكلفة نسبيًا، قابلة للإنتاج بأعداد كبيرة، ويمكن استخدامها في الاستطلاع أو الهجوم أو نقل التكنولوجيا إلى شركاء إقليميين. وقد تجلّت فاعليتها في الحرب الأوكرانية والمواجهات في الشرق الأوسط، حيث فرضت على جيوش متقدمة تخصيص موارد ومنظومات دفاعية باهظة الثمن لمواجهة وسائل أقل تكلفة.

وفي البحر، اختارت إيران مسارًا مختلفًا تمامًا عن مفهوم السيطرة البحرية التقليدية. فهي لا تسعى إلى منافسة القوى البحرية الكبرى بأساطيل ضخمة، وإنما إلى امتلاك وسائل قادرة على تعطيل حرية الحركة في البيئات البحرية الحساسة، ولا سيما الخليج العربي ومضيق هرمز. ولهذا طوّرت مزيجًا من الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، بما يسمح لها بزيادة مستوى المخاطر أمام أي قوة تعمل في تلك المنطقة. ويعكس هذا النهج إدراكًا بأنَّ التأثير في البحر لا يتطلّب دائمًا السيطرة عليه، بل قد يتحقّق أيضًا من خلال رفع كلفة العمل فيه. ولهذا ظلَّ مضيق هرمز، على الرغم من بقائه مفتوحًا أمام الملاحة الدولية، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، لأنَّ مجرد احتمال اضطراب الحركة فيه ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية.

ولا تقتصر منظومة الردع الإيرانية على الوسائل العسكرية المباشرة. فالفضاء السيبراني يمثل مجالًا إضافيًا يمنح طهران قدرة على جمع المعلومات، أو إرباك بعض البنى التحتية، أو توجيه رسائل ردع من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. كما إنَّ علاقاتها مع عدد من الفاعلين غير الحكوميين في الإقليم تُوَسِّعُ من خياراتها الاستراتيجية، إذ تمنحها قدرة على التأثير في أكثر من ساحة، وتضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى حسابات الخصوم. غير أنَّ درجة التنسيق والتبعية تختلف من حالة إلى أخرى، وهو ما يجعل هذه العلاقات أكثر تنوُّعًا من أن تُختَزَل في وصفٍ واحد.

على الرُغم من اختلاف هذه الأدوات، فإنَّ أهميتها لا تكمن في كلِّ أداةٍ على حدة، بل في تكاملها داخل منظومة ردع متعددة المستويات. ولذلك تصف بعض الأدبيات الاستراتيجية هذه المنظومة بأنها ردعٌ متعدد الطبقات، إذ تعمل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرات البحرية والسيبرانية، والعلاقات الإقليمية ضمن شبكة واحدة توسّعُ خيارات الرد، وتطيل قدرة الدولة على إدارة الصراع، وتزيد مستوى عدم اليقين لدى الخصوم بشأن طبيعة الرد الإيراني وتوقيته ونطاقه. وقد ظهرت ملامح هذا النمط بوضوح في المواجهات المباشرة بين إيران وإسرائيل، حيث تداخل استخدام الصواريخ والمسيّرات والدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية، بما كشف تعدد مستويات المواجهة وصعوبة ضبط مسار التصعيد.

وتؤكد أدبيات الردع أنَّ نجاح الردع لا يُقاس بحجم الترسانة العسكرية بقدر ما يُقاس بتأثيرها في حسابات الطرف المقابل، أي بقدرتها على إقناع الخصم بأنَّ كلفة استخدام القوة ستكون أعلى من العائد المتوقَّع منها.

ومع ذلك، فإنَّ امتلاكَ أدواتٍ متعددة لا يعني بالضرورة نجاح الردع في جميع الظروف. فقد أظهرت التطورات الإقليمية في السنوات الأخيرة أنَّ بعض أدوات الردع الإيرانية استطاعت فرض كلفة وتعقيد على خصومها، لكنها كشفت أيضًا أنَّ هذه الأدوات لا تمنع بالضرورة اندلاع المواجهات، ولا تَحُولُ دون تعرّض إيران أو حلفائها لضربات مباشرة عندما يعتقد الطرف المقابل أنَّ أهدافه الاستراتيجية تستحقُّ المخاطرة.

ومن هنا، فإنَّ السؤال الذي يواجه دول الخليج لا ينبغي أن يقتصر على معرفة ما الذي تمتلكه إيران من صواريخ أو طائرات مسيّرة، وإنما كيف تؤثر هذه المنظومة المتكاملة في البيئة الأمنية الخليجية، وكيف يمكن التعامل مع منطق الردع الذي تقوم عليه. فالإجابة عن هذا السؤال تمثل الخطوة الأولى نحو بناء سياسة أمنية تستند إلى فهم طبيعة التحدي، لا إلى مجرّد حصر أدواته.

كيف ينبغي لدول الخليج أن تقرأ إيران؟

إذا كانت الأجزاء السابقة قد تناولت الكيفية التي تشكلت بها العقيدة الأمنية الإيرانية، والأدوات التي طوّرتها لدعمها، فإنَّ السؤال الذي يواجه صانع القرار الخليجي لا يتعلق فقط بما تمتلكه إيران من قدرات، وإنما بكيفية تفسير هذه القدرات ضمن رؤية استراتيجية أشمل. فنجاح أيّ سياسة أمنية لا يعتمد على معرفة ما يملكه الطرف الآخر فحسب، بل على فهم المنطق الذي يحكم سلوكه، والتمييز بين ما يستطيع القيام به، وما يريد القيام به، وما تسمح به البيئة الاستراتيجية المحيطة به.

ومن هذا المنطلق، فإنَّ قراءة إيران بوصفها مجرد تهديد عسكري تقليدي لا تُقدّمُ صورة مكتملة، كما إنَّ اختزالها في بُعدها الإيديولوجي أو السياسي وحده لا يفسر طبيعة سلوكها الإقليمي. فإيران تتحرّك من خلال مزيج من القدرات العسكرية، والردع غير التقليدي، والديبلوماسية، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية، كما تتحرّك في الوقت نفسه تحت تأثير قيود داخلية وخارجية لا تقل أهمية عن أدوات قوتها. ولهذا، فإنَّ أيَّ قراءة تتجاهل أحد هذين الجانبين، القوة أو القيود، ستقود إلى تقدير غير مكتمل للواقع.

ويذهبُ كثيرٌ من الدراسات الاستراتيجية إلى أنَّ تقييم سلوك الدول لا يكتمل بالنظر إلى قدراتها العسكرية وحدها، وإنما يستلزم الجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة: القدرة، والنية، والبيئة الاستراتيجية. وينطبق هذا الإطار على الحالة الإيرانية بصورةٍ خاصة؛ فالقدرة تشير إلى ما تمتلكه من أدوات عسكرية وتقنية وسيبرانية وبحرية، والنية إلى الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها وكيف تقيّم المخاطر والفرص، أما البيئة الاستراتيجية فتشمل التوازنات الإقليمية، والضغوط الاقتصادية، والتحوُّلات في النظام الدولي، وعلاقاتها مع القوى الكبرى، وهي عوامل تحدد مجتمعة هامش الحركة المتاح أمامها.

ويعني ذلك أنَّ التعامل مع إيران لا يمكن أن يقوم على خيارٍ واحد دائم، أو على افتراض أنَّ جميع الأزمات تتطلّب الاستجابة نفسها. فبعض السلوكيات قد تستدعي تعزيز الردع، وبعضها يحتاج إلى إدارة دقيقة للأزمات لمنع التصعيد، وبعضها قد يفتح المجال أمام تفاهمات محدودة تخدم مصالح جميع الأطراف. والسياسة الأمنية الفاعلة ليست تلك التي تعتمد أداة واحدة، بل التي تمتلك القدرة على اختيار الأداة المناسبة لكلِّ موقف.

وتزداد أهمية هذه المقاربة في ظلِّ التحوُّلات التي يشهدها النظام الدولي. فالمنافسة بين القوى الكبرى، وتغيُّر أولويات السياسة الأميركية، وصعود أدوار قوى دولية أخرى، كلها عوامل تجعل البيئة الأمنية في الخليج أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاعتماد على الضمانات التقليدية وحدها. وهذا يفرض على دول الخليج تطوير قدراتها الذاتية في التحليل الاستراتيجي، بحيث تستند قراراتها إلى قراءة مستقلة للبيئة الإقليمية، لا إلى افتراضات ثابتة أو معادلات سادت في مراحل سابقة.

وفي هذا السياق، يصبح فهم إيران جُزءًا من مشروعٍ أوسع لإعادة تعريف الأمن الخليجي، لا قضية منفصلة عنه. فالتحدي لا يتمثل في دولة بعينها، وإنما في كيفية إدارة بيئة أمنية تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والممرات البحرية، والفضاء السيبراني، والتحوّلات الدولية. ولذلك، فإنَّ جودة التقدير الاستراتيجي قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من حجم الموارد المُخصَّصة لمواجهة التهديدات.

ولهذا، فإنَّ النقاش حول إيران لا ينبغي أن ينتهي عند حدود تقييم نواياها أو قدراتها، بل يجب أن يمتد إلى فهم الطريقة التي تُبنى بها قراراتها، والقيود التي تواجهها، والفرص التي تسعى إلى استثمارها. فالدول لا تتصرّف في فراغ، ولا تبني سياساتها على الرغبات وحدها، وإنما ضمن حسابات معقّدة تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والاقتصاد، والسياسة، والتوازنات الدولية.

ومن هنا، فإنَّ بناءَ سياسةٍ أمنية خليجية أكثر فاعلية يبدأ بتطوير فهم أكثر دقة لطبيعة التحديات قبل البحث في أدوات التعامل معها. فكما انتهت الحلقة الأولى إلى أنَّ الأمن لم يعد مجرّد حمايةٍ للحدود، تخلص هذه الحلقة إلى أنَّ فهم الخصوم لم يعد يقتصر على قياس قدراتهم العسكرية، بل يتطلب فهم العقائد التي تحكم سلوكهم، والأدوات التي يستخدمونها، والبيئة الاستراتيجية التي تتحرك ضمنها. فالإدارة الرشيدة للمنافسة تبدأ دائمًا بفهمها، لا برد الفعل عليها.

فالتقدير الاستراتيجي السليم لا يبدأ بالسؤال عن حجم القوة التي يمتلكها الخصم، بل عن الكيفية التي يفكر بها، والعقيدة التي تحكم سلوكه، والبيئة التي يتحرك ضمنها.

ولعلّ ما تشهده المنطقة من أزمات متلاحقة يؤكد أنَّ فهم منطق الخصوم لم يعد ترفًا أكاديميًا، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء سياسات أمنية أكثر واقعية وفاعلية.

ومن هذا المنطلق، تقودنا الحلقة الثالثة إلى عامل لا يقل تأثيرًا عن الدول نفسها في تشكيل أمن الخليج، وهو الجغرافيا. فالممرات البحرية، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، وشبكات الطاقة، والكابلات البحرية، وسلاسل الإمداد، ليست مجرد مسرح تتحرك فيه القوى الإقليمية، بل هي أحد العناصر التي تحدد شكل التنافس، وحدود الردع، وفرص الاستقرار في الخليج خلال العقود المقبلة.

الحلقة الثالثة يوم غد: الجغرافيا… اللاعب الذي لا يتغير.

Exit mobile version