تتناول “أسواق العرب” في هذه الخُماسية واحدةً من أبرز القضايا الاستراتيجية التي تُواجِهُ المنطقة، وهي مستقبل الأمن الخليجي في ظلِّ التحوُّلات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي والإقليم. فلم يعد أمن الخليج يُقاس بعدد الجيوش أو حجم الترسانات العسكرية، بل بقدرته على التكيُّف مع عالم تتبدّل فيه موازين القوى وتتغيّر فيه طبيعة التهديدات. فبين تنافس القوى الكبرى، وتطوُّر أدوات الحرب، والأهمية الاستراتيجية للممرّات البحرية والطاقة، يقف الخليج أمام مرحلة تفرض إعادة النظر في كثيرٍ من المسلمات التي حكمت أمنه لعقود. وفي عالمٍ يُعاد فيه توزيع القوة والنفوذ، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي، وكيف يمكن لدول المنطقة التعامل مع بيئةٍ استراتيجية تتسم بتزايد التعقيد وتسارع التحوُلات.
الحلقة الأولى
من حمايَةِ الحدود إلى حمايَةِ الدولة
كابي طبراني*
عندما تأسّس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، كان مفهوم الأمن الخليجي يقوم أساسًا على حماية الحدود، وبناء القدرات العسكرية، والحفاظ على توازن القوى الإقليمي، وتأمين تدفُّق النفط عبر الممرات البحرية. ولم يكن هذا التصوُّر استثناءً خليجيًا، بل كان امتدادًا للفكر الاستراتيجي السائد خلال معظم القرن العشرين، حين كانت الحروب النظامية والردع العسكري والتحالفات الدفاعية تمثّل الأدوات الرئيسة لحماية الدول.
ولم يكن ذلك الفهم قاصرًا على دول الخليج، بل كان يعكس طبيعة الدولة في القرن العشرين نفسها. فقد كانت الدولة تُعرَّف أساسًا من خلال ثلاثة عناصر: الإقليم، والسيادة، والقدرة على احتكار استخدام القوة داخل حدودها. ولذلك، كان من الطبيعي أن تتمحور العقائد الأمنية حول حماية الحدود وردع الاعتداءات الخارجية.
غير أنَّ العالم الذي أنتج هذا المفهوم لم يعد قائمًا بالصورة نفسها. فمع نهاية الحرب الباردة، وتسارُع العولمة، والثورة الرقمية، وتزايُد الاعتماد على البنى التحتية المُترابطة، لم تتغيّر طبيعة التهديدات فحسب، بل تغيّرت طبيعة الدولة نفسها. ولم يعد هذا التغيُّر يقتصر على طبيعة التهديدات، بل شمل أيضًا طبيعة القوة التي تعتمد عليها الدولة الحديثة. فكلما ازدادت الاقتصادات اعتمادًا على شبكات الكهرباء والاتصالات والأنظمة الرقمية وسلاسل الإمداد العالمية، أصبحت هذه الشبكات جُزءًا من القوة الوطنية، لكنها أصبحت في الوقت نفسه مصدرًا جديدًا للهشاشة. ومن هنا بدأ التحوُّل الحقيقي في التفكير الأمني؛ إذ لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية منع الخصم من اختراق الحدود، بل أصبح يمتد إلى كيفية منع أيّ اضطرابٍ محدود من تعطيل وظائف الدولة وإحداث آثار استراتيجية واسعة.
وهذا التحول لا يمثل اجتهادًا نظريًا، بل أصبح جُزءًا من الأدبيات الرسمية للمؤسسات الأمنية الكبرى. ففي المفهوم الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (NATO) لعام 2022، لم يعد الأمن يُعرَّف من خلال الردع العسكري وحده، وإنما من خلال القدرة على مواجهة بيئة استراتيجية تتسم بـ”المنافسة الاستراتيجية، وعدم الاستقرار، والصدمات المتكررة”، مع اعتبار المرونة الوطنية (Resilience) عنصرًا أساسيًا في الردع والدفاع، إلى جانب حماية البنية التحتية الحيوية، والتصدّي للتهديدات السيبرانية والهجينة، وتقليل الاعتماد على نقاط الضعف الاستراتيجية.
وتحمل هذه الوثائق دلالة مهمة؛ فهي لا تقول إنَّ القوّة العسكرية فقدت أهميتها، بل تؤكّد أنَّ الردع لم يعد يعتمد على القوة العسكرية وحدها. فالدولة التي تمتلك جيشًا متطوّرًا، لكنها تعجز عن حماية شبكات الطاقة، أو الاتصالات، أو الأنظمة المالية، أو الموانئ، تظل معرَّضة لضغوط قد تحقق للخصم أهدافًا استراتيجية من دون خوض حرب تقليدية. ولهذا أصبح مفهوم الردع بالحرمان (Deterrence by Denial) يقوم على تقليل قدرة الخصم على تحقيق أهدافه، من خلال بناء دولة قادرة على امتصاص الصدمات والتعافي السريع، وليس فقط من خلال التهديد بالردِّ العسكري.
ومن هنا، فإنَّ التحوُّلَ الأهم خلال العقدين الماضيين لم يكن اتساع قائمة المخاطر، وإنما انتقال موضوع الحماية من الدولة بوصفها إقليمًا إلى الدولة بوصفها منظومة وظائف. ففي الاقتصاد الرقمي، لا يكفي أن تبقى الحدود آمنة إذا تعطّلت شبكات الكهرباء، أو توقفت الموانئ، أو انهارت الخدمات الرقمية، أو تعطلت سلاسل الإمداد. فهذه المكوّنات لم تعد مجرّد قطاعات اقتصادية، بل أصبحت جُزءًا من البنية التي تقوم عليها قدرة الدولة على الحُكم والإنتاج والتفاعل مع العالم.
وهذا التحوُّل غَيَّرَ كذلك مفهوم النجاح في السياسة الأمنية. ففي الماضي، كان نجاح الدولة يُقاس بقدرتها على منع الاحتلال أو تحقيق الانتصار العسكري. أما اليوم، فأصبح النجاح يُقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على استمرارية مؤسّساتها وخدماتها الأساسية حتى في أثناء الأزمات. وبعبارة أخرى، انتقل مركز الثقل في التفكير الأمني من حماية الإقليم إلى حماية قدرة الدولة على أداء وظائفها. وهذه ليست مسألة لغوية أو مفاهيمية، بل تغيُّرٌ في موضوع الأمن ذاته؛ إذ لم تعد الدولة تدافع عن حدودها فقط، وإنما عن قدرتها على الاستمرار في العمل مهما تنوّعت مصادر الضغط.
ويكتسب هذا التحوُّل أهمية مضاعفة في الخليج. فخلال العقود الأربعة الماضية، لم تعد دول الخليج مجرد منتج رئيس للطاقة، بل أصبحت مراكز مالية ولوجستية واستثمارية ورقمية ترتبط بشبكات التجارة العالمية، وتستضيف موانئ ومطارات وشبكات اتصالات ومنشآت طاقة تُعَدُّ من بين الأكثر أهمية للاقتصاد الدولي. وكلما ازداد هذا الترابط، ازدادت معه الحاجة إلى مفهوم أمني يتجاوز حماية الحدود ليشمل حماية استمرارية الدولة نفسها.
ولهذا، فإنَّ اختزال أمن الخليج في التوازنات العسكرية أو في حجم الإنفاق الدفاعي لم يعد كافيًا لفهم البيئة الاستراتيجية الراهنة. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال وقوع حرب، بل في قدرة أي أزمة محدودة ــسيبرانية، أو اقتصادية، أو لوجستية، أو معلوماتيةــ على إحداث آثار متسلسلة تمتد من الداخل إلى الاقتصاد العالمي. وهذا ما يفسر انتقال العديد من الدول من التفكير في الدفاع عن الدولة إلى التفكير في مرونة الدولة؛ أي قدرتها على مواصلة أداء وظائفها الأساسية تحت الضغط، ثم التعافي بسرعة بعد الأزمات.
ومن هذه الزاوية، تصبح إعادة تعريف الأمن الخليجي ضرورة تحليلية قبل أن تكون خيارًا سياسيًا. فالأسئلة التي ستتناولها الحلقات التالية ــالعلاقة مع إيران، وأهمية الجغرافيا البحرية، ومستقبل المنظومة الأمنية الخليجية، وتداعيات الحرب الأميركية–الإيرانية على الأمن الخليجي ــ لا يمكن فهمها بالمنطق الذي ساد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فهي جميعًا تنتمي إلى بيئة استراتيجية تغيَّرَ فيها معنى القوة، وتغيّرت معه أدوات الردع، وأولويات الحماية، ومعايير الأمن.
ولذلك، فإنَّ الفكرة المركزية التي تنطلق منها هذه السلسلة هي أنَّ التحوُّلَ الأكبر الذي يواجه الخليج اليوم ليس تغيُّرَ مصادر التهديد، بل تغيُّر مفهوم الأمن نفسه. وما لم يُستوعب هذا التحوُّل، ستظل النقاشات حول الأمن الخليجي تدور حول أدوات الماضي، بينما تتشكل تحديات المستقبل وفق منطق مختلف تمامًا.
كيف أعادت التحوّلات الدولية صياغة مفهوم الأمن؟
لم يتغيَّر مفهوم الأمن لأنَّ الدول قرّرت طوعًا توسيع تعريفه، بل لأنَّ البيئة الدولية نفسها تغيّرت بصورةٍ جعلت الأدوات القديمة أقل قدرة على تفسير الواقع. فطوال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ثم خلال مرحلة الحرب الباردة، كان النظام الدولي يقوم على منافسة عسكرية وسياسية واضحة بين القوى الكبرى، وكانت غالبية التهديدات الأمنية تُفهَمُ من خلال احتمالات الحرب التقليدية أو المواجهة النووية. وفي مثل هذه البيئة، كان من الطبيعي أن تتمحور الاستراتيجيات الأمنية حول الجيوش، والتحالفات العسكرية، وتوازُن القوى.
ولم يكن هذا التحوُّل نتيجةَ مراجعة نظرية لمفاهيم الأمن، بقدر ما كان استجابةً لتغيُّر مصادر القوة في النظام الدولي. فكلُّ مرحلةٍ تاريخية تُعيدُ تعريفَ الأمن وفق الموارد التي تقوم عليها قوة الدولة. وحين أصبحت التكنولوجيا، والبيانات، وسلاسل الإمداد، والبنية التحتية الرقمية عناصر أساسية في إنتاج القوة الوطنية، أصبح من الطبيعي أن تنتقلَ إليها الاهتمامات الأمنية أيضًا.
لكن نهاية الحرب الباردة لم تؤدِّ إلى نهاية التنافس الدولي كما كان يُعتقد في تسعينيات القرن الماضي، بل دَشّنت مرحلةً أكثر تعقيدًا. فقد أدى تسارُع العولمة، والاعتماد المتبادَل بين الاقتصادات، والثورة الرقمية، إلى خلق شبكة عالمية مترابطة أصبحت فيها التجارة، والطاقة، والبيانات، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في تحديد مكانة الدول ونفوذها. وفي الوقت نفسه، عاد التنافس بين القوى الكبرى في العقدين الأخيرين بصورة مختلفة، فلم يعد يقتصر على سباقات التسلّح، بل امتدَّ إلى التكنولوجيا المتقدمة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والممرات البحرية، والبنية التحتية الحيوية.
غير أنَّ العولمة لم تجعل الدول أكثر ترابُطًا فحسب، بل جعلتها أكثر اعتمادًا على شبكاتٍ تمتدُّ خارج حدودها الوطنية. وهذا الاعتماد المُتبادَل خلق مفارقة استراتيجية؛ فقد أصبح مصدر الازدهار الاقتصادي هو نفسه مصدرًا مُحتَمَلًا للهشاشة. فكلما ازدادت الدولة اندماجًا في الاقتصاد العالمي، ازدادت حساسيتها لأيِّ اضطرابٍ في التجارة أو التكنولوجيا أو النقل أو البيانات، حتى وإن وقع بعيدًا من حدودها.
ولهذا، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، وإنما بقدرة الدولة على حماية شبكاتها الاقتصادية والتكنولوجية، وضمان استمرارها في العمل خلال الأزمات. وقد انعكس هذا الإدراك في وثائق الأمن القومي الصادرة عن الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، التي باتت تتحدث عن الأمن الاقتصادي، والأمن التكنولوجي، ومرونة سلاسل الإمداد بوصفها قضايا أمن قومي، وليس مجرد ملفات تنموية أو تجارية.
ومن أهم نتائج هذا التحوُّل أنَّ الفصل التقليدي بين السياسة والاقتصاد والأمن أصبح أقل وضوحًا. فالاستثمار في ميناء استراتيجي، أو السيطرة على سلاسل توريد المعادن النادرة، أو تطوير البنية الرقمية، أو امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم تعد قرارات اقتصادية بحتة، بل أصبحت أدوات تؤثر في ميزان القوة الدولي. لذلك، أخذت الدول الكبرى تنظر إلى الاعتماد المفرط على مورد واحد، أو شريك واحد، أو تقنية واحدة، بوصفه مصدرًا للمخاطر الاستراتيجية، حتى في غيابِ أيِّ تهديدٍ عسكري مباشر.
ونتيجة لذلك، لم تعد المنافسة بين الدول تدور فقط حول امتلاك الموارد، بل حول التحكُّم في الشبكات التي تنتقل عبرها تلك الموارد. فالنفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُمارَس بالضرورة عبر السيطرة المباشرة على الأراضي، وإنما قد يُمارَس عبر التكنولوجيا، أو البيانات، أو سلاسل التوريد، أو الممرات البحرية، أو المعايير التقنية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. ولهذا، أصبح الأمن مرتبطًا بحماية القدرة على الوصول إلى هذه الشبكات واستمرارها، بقدر ارتباطه بحماية الحدود الوطنية.
وبالنسبة إلى منطقة الخليج، فإنَّ هذا التحوُّل يحمل دلالةً خاصة. فالمنطقة لم تعد تُنظَر إليها باعتبارها مجرّد مصدرٍ للطاقة، وإنما باعتبارها عقدة استراتيجية تربط بين أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتضمُّ ممرّات بحرية حيوية، وبنية تحتية للطاقة، واستثمارات ضخمة في الاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية. ولذلك، فإنَّ أيَّ تغيُّرٍ في طبيعة المنافسة بين القوى الكبرى ينعكس مباشرة على البيئة الأمنية الخليجية، حتى لو لم تكن دول الخليج طرفًا في تلك المنافسة.
ومن هنا، فإنَّ إعادة تعريف الأمن الخليجي لا تنبع فقط من تغيُّرِ التهديدات الإقليمية، بل من تحوُّلٍ أوسع في بنية النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي كانت فيه القوة العسكرية هي الأداة المُهَيمنة لإدارة الصراعات، يتجه اليوم نحو بيئة تتداخل فيها أدوات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي والعسكري بصورةٍ غير مسبوقة. وهذا يعني أنَّ الدولة التي تُركّزُ على بُعدٍ واحد من أبعاد الأمن، مهما بلغت قوتها العسكرية، قد تجد نفسها أقل قدرة على التعامل مع بيئةٍ استراتيجية تتغيّر قواعدها باستمرار.
ولهذا، فإنَّ فَهمَ أمن الخليج في القرن الحادي والعشرين يبدأ بفَهمِ هذه الحقيقة: التحوُّلُ في النظام الدولي لم يُغَيِّر موازين القوى فقط، بل غَيَّرَ أيضًا المعايير التي تُقاس بها القوة، وبالتالي غَيَّرَ مفهوم الأمن ذاته. ومن دون استيعاب هذا التحوُّل، ستظل السياسات الأمنية أسيرة تصوُّرٍ صُمِّمَ لعالمٍ كانت فيه الحروب التقليدية هي الشكل الغالب للصراع، بينما تتجه المنافسة الدولية اليوم إلى مجالات أوسع وأكثر تعقيدًا.
ومن هذا المنظور، فإنَّ إعادة تعريف الأمن لم تكن خيارًا سياسيًا، بل كانت نتيجة مباشرة لتحوُّل بُنية النظام الدولي. فحين تغيّرت أدوات إنتاج القوة، كان لا بُدَّ أن تتغيّرَ أيضًا أدوات حمايتها. ولهذا، فإنَّ أيَّ نقاشٍ حول أمن الخليج لا يمكن فصله عن هذا التحوُّل العالمي؛ لأنَّ المنطقة لم تَعُد تتأثر فقط بما يجري داخلها، بل أيضًا بما يطرأ على قواعد المنافسة الدولية التي أصبحت تُشكّلُ بيئتها الاستراتيجية.
لماذا يُعَدُّ الخليج حالةً استراتيجية استثنائية؟
إذا كانت التحوّلات التي شهدها النظام الدولي قد دفعت معظم الدول إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن، فإنَّ تأثيرها في منطقة الخليج كان أعمق من كثير من الأقاليم الأخرى. فالخليج العربي ليس مجرّد مساحة جغرافية تتجاور فيها مجموعة من الدول، بل يُمثّلُ إحدى أكثر المناطق اندماجًا في الاقتصاد العالمي، وأكثرها تأثُّرًا بالتغيُّرات في ميزان القوى الدولي. ولذلك، فإنَّ أيَّ تغيُّرٍ في طبيعة المنافسة بين القوى الكبرى، أو في أسواق الطاقة، أو في أمن الممرّات البحرية، ينعكس على الخليج بصورة مباشرة، حتى وإن لم يكن طرفًا في تلك المنافسة. وتكمن خصوصية الخليج في أنَّ المسافة بين الحدث المحلي والأثر العالمي فيه أقصر من معظم الأقاليم الأخرى؛ فما يبدأ فيه كتطوُّرٍ إقليمي قد يتحوّل سريعًا إلى قضية تمسُّ أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي العالمي.
وتعود هذه الخصوصية إلى تداخل ثلاثة أبعاد استراتيجية قلّما تجتمع بهذا القدر في إقليم واحد: الموقع الجغرافي، والوزن الاقتصادي، والأهمية الجيوسياسية.
فجغرافيًا، يقع الخليج عند نقطة التقاء بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويرتبط بعدد من أهم الممرات البحرية في العالم، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يمر عبره جُزءٌ كبير من تجارة النفط المنقولة بحرًا، إلى جانب كميات متزايدة من الغاز الطبيعي المسال. وتؤكد بيانات وكالة معلومات الطاقة الأميركية أنَّ المضيق يظلُّ أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في تجارة الطاقة العالمية، بما يجعله قضية تتجاوز الأمن الإقليمي إلى أمن الطاقة العالمي. وليس المقصود هنا مناقشة أهمية هرمز بوصفه ملفًّا مستقلًّا، فذلك سيكون موضوع الحلقة الثالثة، وإنما إبراز أنَّ الجغرافيا الخليجية تجعل أمن المنطقة جُزءًا من معادلات الاقتصاد الدولي، وليس شأنًا محليًا أو إقليميًا فحسب.
إلى جانب ذلك، أصبح الخليج خلال العقود الماضية مركزًا ماليًا ولوجستيًا متقدّمًا، مع توسُّع الموانئ، والمناطق الحرة، وشبكات الطيران، والاستثمارات العابرة للحدود، والتحوُّل الرقمي الذي تقوده رؤى التنمية الوطنية في عدد من دول مجلس التعاون. ونتيجة لذلك، لم تعد أهمية الخليج تُقاس بحجم صادراته من النفط فقط، بل بقدرته على ربط الأسواق العالمية، واستقطاب الاستثمارات، وتوفير بنية تحتية يعتمد عليها الاقتصاد الدولي في التجارة والخدمات والطاقة.
وهذا الترابط يفرض معادلة أمنية مختلفة. فكلّما ازدادت أهمية المنطقة للاقتصاد العالمي، ازدادت أيضًا حساسيتها تجاه الاضطرابات الدولية. فأزمة في سلاسل الإمداد، أو هجوم سيبراني على منشأة حيوية، أو اضطراب في حركة الملاحة، قد لا يقتصر أثره على دولة بعينها، بل يمتدُّ إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية. ولهذا لم يعد أمن الخليج مسألة تخصُّ دوله وحدها، بل أصبح جُزءًا من منظومة الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ البيئة الإقليمية المحيطة بالخليج تزيد من تعقيد المشهد الأمني. فالمنطقة تقع عند تقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية مُتعدّدة، وتشهد منذ عقود حضورًا عسكريًا وديبلوماسيًا كثيفًا، فضلًا عن تنافس مستمر على النفوذ السياسي والاقتصادي. وهذا الواقع يجعل أمن الخليج يتأثر ليس فقط بما يحدث داخل الإقليم، بل أيضًا بالتغيُّرات في العلاقات بين القوى الكبرى، وبالتحوُّلات التي تشهدها مناطق مجاورة مثل البحر الأحمر وشرق المتوسط والمحيط الهندي.
ومن هنا، فإنَّ خصوصية الخليج لا تتمثل في تعدُّد مصادر التهديد التي يواجهها، فهذه سمة تشترك فيها مناطق عديدة، وإنما في أنَّ المخاطر المحلية كثيرًا ما تتحوّل إلى تداعياتٍ دولية. فتعطُّلُ منشأة للطاقة، أو اضطرابٌ في أحد الممرات البحرية، أو هجوم على بنية تحتية حيوية، لا يظل حدثًا محلّيًا، بل يمتدُّ أثره إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وثقة المستثمرين، وسلاسل الإمداد العالمية. ولذلك، فإنَّ أيَّ استراتيجية أمنية فعّالة لدول الخليج يجب أن تنطلق من إدراك أنَّ أمن المنطقة لا يُبنى على البُعد العسكري وحده، ولا على الاعتبارات الاقتصادية وحدها، وإنما على إدارة العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة في آنٍ واحد.
ولهذا، فإنَّ أمنَ الخليج لا يُمكِنُ النظر إليه بوصفه قضية إقليمية خالصة، لأنَّ كثيرًا من عناصر قوّته ومصادر هشاشته ترتبط بشبكات عالمية للطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا. وكلما ازداد اندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي، أصبحت حماية استقرارها مسألة تتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما يفرض مقاربة أمنية تتعامل مع الترابط العالمي بوصفه جُزءًا من البيئة الأمنية الخليجية، لا عاملًا خارجيًا مُنفصلًا عنها.
ماذا يعني ذلك لصانع القرار الخليجي؟
إذا كان القرن العشرون قد فرض على الدول بناء جيوش قادرة على حماية الحدود، فإنَّ بيئة القرن الحادي والعشرين تفرضُ عليها أيضًا بناء دول قادرة على الاستمرار تحت الضغط. ومن هنا، فإنَّ التحدّي الذي تواجهه دول الخليج اليوم لا يتمثّل في زيادة عدد التهديدات، وإنما في تغيُّر طبيعتها وتسارعها وتشابكها.
ولذلك، فإنَّ إعادة تعريف الأمن الخليجي ليست مسألة لغوية أو أكاديمية، بل تمثل تحوُّلًا في طريقة بناء الاستراتيجية الوطنية. فحين يتغيّرُ مفهوم الأمن، تتغيَّرُ تلقائيًا أولويات الإنفاق، وطبيعة المؤسّسات، وآليات التنسيق بين الأجهزة، ومعايير تقييم المخاطر. ولم يعد من الممكن الفصل بين الأمن العسكري، والأمن الاقتصادي، والأمن السيبراني، وأمن الطاقة، وأمن المعلومات، لأنَّ أيَّ خللٍ في أحدها قد ينتقل بسرعة إلى بقية القطاعات، ويؤثر في الاستقرار الوطني بصورة مباشرة.
ولهذا، تتجه الدول التي تُعيدُ بناء استراتيجياتها الأمنية إلى تبني مفهوم الأمن المتكامل، الذي يقوم على إدارة المخاطر عبر مؤسسات الدولة كافة، وليس عبر المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها. وتؤكد وثائق الأمن القومي في عدد من الدول، وكذلك تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية التي اطلعت عليها “أسواق العرب”، أنَّ المرونة المؤسّسية، وتكامل المعلومات، وحماية البنية التحتية الحيوية، أصبحت عناصر لا تقل أهمية عن امتلاك منظومات الدفاع الحديثة، لأنَّ قدرة الدولة على الصمود في مواجهة الأزمات أصبحت جُزءًا من قدرتها على الردع.
وبالنسبة إلى دول الخليج، فإنَّ هذا التحوُّل يكتسب أهمية إضافية في ظل الطموحات الاقتصادية الكبرى التي تتبنّاها رؤى التنمية الوطنية. فتنويع الاقتصاد، والتحوُّل الرقمي، وتطوير الصناعات المتقدّمة، واستقطاب الاستثمارات العالمية، كلها أهداف تجعل الأمن شرطًا للتنمية، كما تجعل التنمية نفسها أحد مصادر الأمن. ومن ثمَّ، فإنَّ الاستثمار في حماية البنية التحتية، وتأمين الفضاء السيبراني، وتعزيز استمرارية الخدمات، لم يعد يمثّل تكلفة إضافية، بل أصبح استثمارًا في استقرار الدولة وقدرتها على تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية.
كما إنَّ البيئة الدولية الجديدة تفرض على دول الخليج قدرًا أكبر من المرونة في إدارة علاقاتها الخارجية. فالتنافس بين القوى الكبرى لا يعني بالضرورة الانحياز الكامل إلى طرفٍ على حسابِ آخر، بل يتطلّبُ بناء شراكات مُتعدّدة تحافظ على المصالح الوطنية، وتمنح صانع القرار مساحةً أوسع للمناورة. وفي عالمٍ تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، تصبح القدرة على تنويع الشراكات عنصرًا من عناصر القوة الاستراتيجية، وليس مجرّد خيارٍ في السياسة الخارجية.
ولا يقتصر هذا التحوُّل على إدارة العلاقات الخارجية، بل يمتد إلى طريقة توزيع الموارد وبناء الأولويات الوطنية. فتعزيز الأمن لم يَعُد يعني تعظيم جميع القدرات في الوقت نفسه، بل تحقيق توازن بين مُتطلّبات الردع العسكري، وحماية الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، والانفتاح التكنولوجي، وتقليل الاعتماد على مصادر قد تتحوّل إلى نقاط ضغط استراتيجية. وأصبحت المهمة الأساسية لصانع القرار تتمثّل في إدارة هذه المفاضلات بما يحافظ على الأمن من دون أن يُقيِّدَ فرص التنمية والانفتاح الاقتصادي.
ومن زاوية أخرى، فإنَّ التغيُّرَ في مفهوم الأمن يفرض أيضًا مراجعة منهجية لتقييم المخاطر. فقد اعتادت الاستراتيجيات التقليدية ترتيب التهديدات وفق احتمالات اندلاع الحروب أو حجم القدرات العسكرية للخصوم، بينما تتطلب البيئة الحالية النظر إلى المخاطر من حيث تأثيرها المحتمل على وظائف الدولة واستقرارها، حتى وإن كانت احتمالات وقوعها محدودة. فهجوم سيبراني واسع، أو تعطُّل طويل في سلاسل الإمداد، أو استهداف منشأة حيوية، قد يترك آثارًا استراتيجية تفوق في بعض الأحيان آثار مواجهة عسكرية محدودة.
ومن هنا، فإنَّ القضية الأساسية لم تعد امتلاك مفهوم جديد للأمن، بل امتلاك عقل استراتيجي جديد قادر على قراءة بيئة تختلف جذريًا عن تلك التي تشكلت فيها معظم العقائد الأمنية في المنطقة خلال العقود الماضية. فالدولة التي تستعد فقط لتهديدات الأمس، قد تجد نفسها أقل استعدادًا لتحديات الغد، مهما بلغت قدراتها العسكرية أو الاقتصادية.
ولهذا، فإنَّ إعادة تعريف الأمن الخليجي تمثل نقطة الانطلاق، لا نقطة الوصول. فقبل البحث في كيفية التعامل مع إيران، أو حماية الممرات البحرية، أو تطوير المنظومة الأمنية الخليجية، لا بد من الاتفاق أولًا على السؤال الذي ينبغي أن يحكم كل هذه القضايا: ما الذي يعنيه الأمن في عالم تغيّرت فيه طبيعة القوة وتبدّلت فيه أدوات الصراع؟
إنَّ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستُحدّدُ شكل السياسات الأمنية في السنوات المقبلة، وهي التي ستُشكّلُ الإطار الذي يمكن من خلاله فهم بقية ملفات هذه السلسلة، بدءًا من التحدّي الإيراني، مرورًا بالجغرافيا الاستراتيجية للخليج، وانتهاءً بمتطلبات بناء منظومة أمنية خليجية أكثر تكاملًا وقدرة على التكيُّف مع التحوّلات الدولية.
ومن هذا المنطلق، تنتقل الحلقة التالية إلى تطبيق هذا الإطار التحليلي على أبرز التحديات الأمنية في الخليج، بدءًا بكيفية فهم العلاقة مع إيران في ضوء مفهوم الأمن الجديد، لا في ضوء التصوّرات التقليدية وحدها.
الحلقة الثانية يوم غد: إيران في معادلة الأمن الخليجي.
- كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani
