كان نتنياهو يأمل أن تمنحه الحرب على إيران انتصارًا يعيد تشكيل إرثه السياسي ويضمن بقاءه في السلطة. غير أنَّ تطورات الحرب والخلافات المتصاعدة مع واشنطن جعلت هذا الرهان يتحول تدريجًا إلى عبء يهدد مستقبله السياسي نفسه.
فريدا غيتيس*
إذا كان ثمة مشهد واحد يُلخّص الفجوة بين ما كان يأمله بنيامين نتنياهو من الحرب على إيران وما آلت إليه الأمور فعليًا، فهو ما جرى مساء الأحد الماضي عندما شنّت إيران هجومًا على إسرائيل، ليبادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توجيه تحذير علني وصريح لنتنياهو مطالبًا إياه بالامتناع عن الرد. بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي دخل المواجهة وهو يتطلَّع إلى تغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بدا المشهد أقرب إلى تذكير بحدود القوة الإسرائيلية واعتمادها المستمر على الحسابات الأميركية. فالحرب التي كان يُفترض أن تعزّز أمن إسرائيل وتُضعف خصومها الإقليميين باتت تهدد بإرباك أهداف نتنياهو السياسية والشخصية على حد سواء.
الحرب التي كان يُفترض أن تُنقذ نتنياهو
وعندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية في 28 شباط (فبراير)، ساد في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية اعتقاد بأنَّ نجاح العملية في إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بصورة حاسمة سيمنح نتنياهو إنجازًا تاريخيًا يُعيدُ تشكيل صورته السياسية. فالرجل الذي يحمل بالفعل لقب رئيس الوزراء الأطول بقاءً في السلطة في تاريخ إسرائيل كان يأمل في أن تتحوّل الحرب إلى نقطة تحوُّل تعزز فرصه في الفوز بولاية جديدة في الانتخابات المقررة في تشرين الأول (أكتوبر)، وتمنحه إرثًا سياسيًا يتجاوز الانقسامات والأزمات التي لاحقته خلال السنوات الأخيرة.
وكان البُعدُ الأكثر أهمية بالنسبة إلى نتنياهو يتجاوز المكاسب الانتخابية المباشرة. فمنذ هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، الذي نفذته حركة “حماس” وتسبّب في أكبر صدمة أمنية تتعرّض لها إسرائيل منذ عقود، بات رئيس الوزراء يواجه اتهامات واسعة بالفشل في منع الكارثة. وقد تحوّلت تلك الأحداث إلى عبء سياسي ثقيل يلاحقه في الداخل، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي في الأسابيع التالية للهجوم أنَّ غالبية ساحقة من الإسرائيليين كانت تفضل استقالته. وفي هذا السياق، بدا توجيه ضربة استراتيجية لإيران، التي تُعدّ في نظر إسرائيل التهديد الأخطر لأمنها القومي، فرصة نادرة لإعادة صياغة الرواية السياسية المحيطة بقيادته ومحو جزء من الإرث السلبي الذي خلفته أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر).
ورُغم أنَّ نتنياهو نجح حتى الآن في الحفاظ على تماسك ائتلافه اليميني المتشدد ومنع انهياره، فإنَّ ذلك لم يترجم إلى استعادة شعبيته على المستوى الوطني. فبقاء الحكومة شيء، واستعادة الثقة العامة شيء آخر. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي يعوّل على الحرب مع إيران لتحقيق الهدفين معًا: تعزيز الشعور بالأمن لدى الإسرائيليين وإعادة ترسيخ صورته بوصفه “السيد الأمني” الذي لطالما قدّم نفسه حاميًا للدولة في مواجهة التهديدات الوجودية. ومن هذا المنظور، لم تكن المواجهة مع إيران مجرد معركة استراتيجية، بل كانت أيضًا محاولة لإعادة تأهيل زعامته السياسية وإطالة عمرها.
من شراكة استراتيجية إلى اختبار إرادات
غير أنَّ مجريات الحرب سارت في اتجاهٍ مختلف. فبدل أن تمنح نتنياهو انتصارًا واضحًا يعزز موقعه الداخلي، أدت التطورات المتلاحقة إلى تعقيد المشهد السياسي والعسكري على حد سواء. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر مؤشرات متزايدة إلى تراجع الانسجام الذي طبع علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي العلاقة التي شكلت طوال سنوات إحدى أهم ركائز قوته الديبلوماسية.
وجاءت نقطة التحوُّل مع الجهود الأميركية للتوصُّل إلى وقف إطلاق نار بين واشنطن وطهران في نيسان (أبريل). ففي حين سعت الإدارة الأميركية إلى احتواء التصعيد على مستوى المنطقة، أصرّت إيران على أن يشمل أي اتفاق معالجة المواجهة الدائرة بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان. بالنسبة إلى إسرائيل، كان هذا الطرح مرفوضًا من الأساس، لأنه ينسف استراتيجية طالما سعت إليها، تقوم على فصل الساحة اللبنانية عن الصراع المباشر مع إيران وتعزيز التعامل مع لبنان كملف مستقل عبر قنوات تفاوضية منفصلة.
وفي الوقت الذي كانت المفاوضات مستمرة بوساطة أميركية، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد ما تقول إنها مواقع تابعة لـ”حزب الله”، بما في ذلك الغارات الجوية والتوغلات البرية في جنوب لبنان. لكن التصعيد بلغ مرحلة جديدة عندما استهدفت غارة إسرائيلية مبنى سكنيًا في تحويطة الغدير بالضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل السياسي والأمني الأبرز للحزب. ولم يمضِ وقت طويل حتى جاء الرد الإيراني عبر إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل، ما أعاد خطر المواجهة الإقليمية الشاملة إلى الواجهة.
عند هذه النقطة، لم يعد الخلاف بين واشنطن وتل أبيب يدور حول التفاصيل التكتيكية، بل حول إدارة الحرب نفسها. فترامب، الذي كان يسعى إلى تثبيت مسار التهدئة مع إيران وتقديم نفسه صانعًا للاستقرار الإقليمي، أبدى استياءً متزايدًا من استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان. ووفق تقارير متعددة، بلغ هذا الاستياء حد استخدام عبارات قاسية بحق نتنياهو خلال اتصال هاتفي عاصف، في مؤشر نادر إلى حجم التوتر الذي أصاب العلاقة بين الرجلين.
وتصاعد الخلاف أكثر بعد الضربة الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية. فترامب لم يكتفِ بالتعبير عن انزعاجه، بل انتقل إلى ممارسة ضغط علني مباشر، معلنًا أنه سيطلب من نتنياهو الامتناع عن الرد على الهجوم الإيراني. ثم ذهب أبعد من ذلك حين شدد في تصريحات لاحقة على أنَّ القرار النهائي في هذه الأزمة يعود إليه، لا إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي. وكانت تلك رسالة سياسية واضحة مفادها أنَّ هامش المناورة الإسرائيلي أصبح مقيدًا بالحسابات الأميركية أكثر من أي وقت مضى.
لكن في المقابل، لم يكن نتنياهو يواجه ضغوطًا خارجية فقط. ففي الداخل الإسرائيلي، وجد نفسه محاصرًا بثلاثة مصادر ضغط متزامنة: رأي عام مُتعَب من استمرار التهديدات الصاروخية من لبنان وإيران، ومؤسسة أمنية ترى أنَّ أيَّ هجوم إيراني لا يمكن أن يمر من دون رد حفاظًا على قوة الردع الإسرائيلية، وخصوم سياسيون ينتظرون أي مظهر من مظاهر التراجع أو التردد لتصويره على أنه ضعف في القيادة. وبينما كانت الصواريخ الإيرانية تتجه نحو إسرائيل، كان نتنياهو يواجه معضلة مزدوجة: الامتثال للرغبة الأميركية في ضبط النفس، أو الاستجابة للمطالب الداخلية بالرد، بكل ما قد يحمله ذلك من مخاطر سياسية وعسكرية.
حسابات الانتخابات ومخاطر الفشل
وجاءت هذه الضغوط في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى نتنياهو. فمع اقتراب الانتخابات التي قد تحدد مستقبله السياسي، وجد خصومه فرصة ثمينة لتصويره ليس بوصفه رجل الدولة القوي الذي وعد بحماية إسرائيل، بل كزعيم فقد هامش استقلاله أمام واشنطن. وسرعان ما تحولت تصريحات ترامب إلى مادة يومية في السجال السياسي الإسرائيلي، حيث سعى المنافسون إلى استثمارها لإضعاف صورة نتنياهو لدى الناخبين.
وكان من أبرز هؤلاء غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وأحد الأسماء المطروحة بقوة لخلافة نتنياهو، الذي نشر مقطعًا مصوَّرًا لترامب يكرر فيه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “سيفعل كل ما أريده منه”، قبل أن يصف المشهد بأنه غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين. أما نفتالي بينيت، الذي انتقل من موقع الحليف السياسي إلى صفوف المنتقدين، فاتهم الحكومة بالتفريط في السيادة الإسرائيلية. وانضم إليهما يائير لابيد، الذي بنى تحالفًا انتخابيًا جديدًا مع بينيت، معتبرًا أنَّ إسرائيل تتحول تدريجًا إلى ما يشبه “المحمية” التابعة للولايات المتحدة.
في مواجهة هذه الانتقادات، اختار نتنياهو مسارًا وسطًا. فهو لم يمتثل بالكامل لرغبة ترامب في ضبط النفس، لكنه لم يذهب أيضًا إلى الخيار الأكثر تصعيدًا الذي كانت تتحدث عنه التسريبات الإسرائيلية. وبدل تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد إيران، أمر برد عسكري محدود ومدروس. وقد سمح له هذا الخيار بإرسال رسالة مزدوجة: فمن جهة أظهر أنه لم يخضع كليًا للضغوط الأميركية، ومن جهة أخرى تجنب الانزلاق إلى مواجهة قد تخرج عن السيطرة وتفاقم التوتر مع واشنطن.
وبالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لم يكن الأمر متعلقًا بالسياسة الداخلية فقط، بل بمفهوم الردع ذاته. فقد رأى مسؤولون عسكريون أنَّ قبول الهجوم الإيراني من دون رد سيخلق سابقة خطيرة تُفسَّر إقليميًا على أنها تراجع في الإرادة الإسرائيلية. ولهذا شدد مسؤول دفاعي إسرائيلي بارز لاحقًا على أنَّ إسرائيل لا تستطيع القبول بمنطق يُنظر بموجبه إلى الهجمات الإيرانية باعتبارها ردًا مشروعًا على العمليات الإسرائيلية في لبنان.
غير أنَّ الحسابات الانتخابية لم تكن حكرًا على نتنياهو. فترامب نفسه يواجه استحقاقات سياسية لا تقل أهمية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس واحتمال خسارة حزبه أغلبيته التشريعية. وفي ظل تراجع التأييد الشعبي الأميركي لأيِّ انخراط عسكري طويل في إيران، أصبح الرئيس الأميركي تحت ضغط متزايد لإظهار نفسه كصانع للسلام لا كقائد لحرب جديدة في الشرق الأوسط. وهكذا وجد الحليفان نفسيهما أمام معادلة معقدة: لكلٍّ منهما جمهوره الخاص، وضغوطه السياسية الخاصة، وأولوياته الاستراتيجية التي لا تتطابق بالضرورة مع أولويات الآخر.
ومن هنا، بدا المشهد أحيانًا وكأنه أقرب إلى إدارة خلاف سياسي محسوب منه إلى صدام حقيقي بين الرجلين. فمن الممكن أن يكون ترامب ونتنياهو قد توصّلا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تفاهم ضمني يتيح لكل منهما تحقيق أهدافه الداخلية. فترامب استطاع أن يقدم نفسه للأميركيين وللإيرانيين على أنه الرجل الذي سعى إلى كبح التصعيد ومنع اتساع الحرب، بينما تمكن نتنياهو من الإشارة إلى الناخب الإسرائيلي بأنه لم يتراجع بالكامل أمام الضغوط الأميركية وأنه رد على إيران عندما اقتضت الضرورة ذلك.
لكن حتى لو صح هذا التفسير، فإنه لا يغير حقيقة أساسية: الحرب التي كان يُفترَض أن تمنح نتنياهو انتصارًا استراتيجيًا وتُعيدُ ترميم صورته السياسية تحولت إلى مصدر جديد للمخاطر وعدم اليقين. فلو لم يكن هناك تفاهم ضمني بين الرجلين، لكان رئيس الوزراء الإسرائيلي قد خاطر بإغضاب رئيس أميركي لا تزال إسرائيل بحاجة ماسة إلى دعمه السياسي والعسكري. وفي الحالتين، تبدو النتيجة بعيدة من الطموحات التي رافقت بداية الحملة. فبدل أن تشكل الحرب على إيران نقطة انطلاق نحو تعزيز إرث نتنياهو السياسي وضمان بقائه في السلطة، قد تتحول إلى عامل إضافي يسرّع استنزاف رصيده ويقوض الأهداف التي دخل الحرب من أجل تحقيقها.
- فريدا غيتيس هي صحافية ومحللة سياسية متخصصة بالشؤون الدولية بما فيها منطقة الشرق الأوسط. يُمكن متابعتها على منصة “إكس” على حسابها: @fridaghitis.
