بعد عامٍ على أحداث العنف، لم تستعد دمشق ثقة دروز السويداء، فيما يتقدم خطاب الانفصال من دون مشروع قابل للحياة. وبين غياب المحاسبة وهشاشة الحكم الذاتي، يدفع السكان ثمن المأزق.
أحمد شعراوي*
عند مدخل مدينة السويداء، مركز المحافظة ذات الغالبية الدرزية، تبدو ملامح الدولة السورية وقد تراجعت إلى حدٍّ كبير. فالعلم الدرزي متعدّد الألوان يرفرف فوق مبانٍ حكومية أُخليت من مؤسساتها أو باتت تحت سيطرة فصائل مسلحة محلّية، فيما يتولّى مقاتلون دروز حفظ الأمن بدلًا من قوات دمشق. وفي أنحاء المدينة، تنتشر صور الضحايا الذين سقطوا خلال أحداث العنف التي شهدتها المحافظة في تموز (يوليو) 2025، عندما اندلعت مواجهات بين القوات الحكومية ومسلحين سُنّة بدو متحالفين معها من جهة، وفصائل درزية من جهة أخرى. وأسفرت تلك الأحداث عن مقتل أكثر من 1700 شخص، معظمهم من أبناء الطائفة الدرزية، لتترك وراءها مجتمعًا فقد إلى حد كبير ثقته بالدولة المركزية.
في ظلِّ هذا الواقع، صَعَّد حكمت الهجري، الزعيم الروحي للدروز الذي برز خلال العام الماضي بوصفه الشخصية الأكثر نفوذًا في المحافظة، من خطابه السياسي عندما قال الأسبوع الماضي: “إما أن تخضع السويداء لسيطرة دولة أخرى أو تنضم إلى إحداها؛ فنحن نسعى إلى الاستقلال”. ويبدو أنَّ استخدامه لمفهوم “الاستقلال” لا يعبّر عن مشروع لإقامة دولة ذات سيادة مكتملة الأركان، بقدر ما يعكس رغبة في فكِّ الارتباط مع دمشق. فمنذ أحداث تموز (يوليو)، تصاعدت الدعوات المطالبة بالانفصال، إلّا أنَّ هذا الطرح لا يزال أقرب إلى تعبيرٍ عن رفض الواقع القائم منه إلى مشروع سياسي متكامل قادر على إدارة المحافظة وتوفير مقومات بقائها.
ولا تزال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بهذا الطرح بلا إجابات واضحة. فقيادات السويداء لم تُقدّم حتى الآن تصوّرًا لكيفية إدارة الاقتصاد المحلي في حال الانفصال عن دمشق، أو ضمان استمرار الخدمات العامة وتوفير الأمن. كما لم يتضح المقصود بـ”الدولة الأخرى” التي أشار إليها الهجري بوصفها شريكًا أو راعيًا محتملًا. فإسرائيل أعلنت استعدادها لحماية الدروز، لكنها لا ترتبط بحدود مباشرة مع السويداء، بينما يرفض الأردن، الذي يشترك مع المحافظة بحدود برية، فتح معبر مباشر معها أو السماح بإقامة ممر إنساني عبر أراضيه.
السويداء بين فقدان الثقة وخيار الانفصال
وهكذا، تبدو السويداء عالقة بين خيارَين يواجه كلٌّ منهما تحديات كبيرة. فمن جهة، تسعى دمشق إلى استعادة سيطرتها على المحافظة من دون تقديم ضمانات كافية أو إرساء مسار واضح للمحاسبة على الانتهاكات التي ارتُكِبَت خلال أحداث العنف. ومن جهة أخرى، يدفع الهجري وحلفاؤه باتجاه صيغة من الحكم الذاتي، من دون أن يطرحوا رؤية متكاملة لكيفية إدارة هذا النموذج أو ضمان استدامته. وإذا كان خطاب “الاستقلال” يعكس حجم الإحباط الذي يخيّم على المجتمع الدرزي، فإنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة البديل المطروح في السويداء.
وفي المقابل، لم تنجح الحكومة السورية في استعادة ثقة سكان المحافظة أو إقناعهم بأنَّ العودة إلى سلطة الدولة ستكون أكثر أمنًا وعدالة. فبعد انتشار توثيقات تُظهر عناصر من قوات الأمن السورية وهم ينفذون عمليات قتل خارج نطاق القضاء خلال أحداث العام الماضي، تعهدت دمشق بمحاسبة المسؤولين. إلّا أنَّ نتائج التحقيقات، بعد مرور نحو عام، اقتصرت على إيقاف 23 عنصرًا أمنيًا عن العمل، جميعهم من أصحاب الرتب الدنيا أو الجنود، من دون الإعلان عن مساءلة أي مسؤولين في مستويات قيادية أعلى.
ويثير هذا المسار تساؤلات واسعة، لا سيما أنَّ جانبًا كبيرًا من الانتهاكات وُثِّقَ بالصوت والصورة أثناء وقوعها. فقد أظهرت تسجيلات التقطها شهود بهواتفهم المحمولة عناصر يرتدون الزي الرسمي للجيش السوري وهم ينفذون عمليات إعدام بحق مدنيين، وكانت وجوه كثير منهم ظاهرة بوضوح. ومع ذلك، تشير الوقائع إلى أنَّ عددًا من الأشخاص الذين يُشتبه في تورطهم بهذه الانتهاكات لا يزال خارج المساءلة.
غياب المحاسبة… وتعزيز مشروع الحكم الذاتي
ولا يقتصر الجدل على محدودية نتائج التحقيق، بل يمتد أيضًا إلى ما يعتبره كثيرون غيابًا شبه كامل لمبدَإِ “مسؤولية القيادة”. فلا توجد مؤشرات علنية إلى أنَّ السلطات السورية بحثت في القرارات التي سمحت للقوات الحكومية بالعمل في ظروفٍ انتهت باستهداف مدنيين، أو أنها حققت في ما إذا كانت ثمة سياسات أو توجيهات داخل الأجهزة الأمنية أسهمت في تهيئة بيئة سمحت بوقوع الانتهاكات بحق الدروز. وحتى على المستوى الميداني، لا تتوافر معلومات تفيد بخضوع أيٍّ من قادة الوحدات العسكرية أو الأمنية للمساءلة بسبب إخفاقهم في ضبط العناصر التابعة لهم.
وأدّى هذا النقص في المساءلة إلى تعزيز الخطاب الذي يتبنّاه حكمت الهجري، والقائل إنَّ الدروز لا يستطيعون الاعتماد على دمشق لضمان أمنهم. فبالنسبة إلى شريحة متزايدة من أبناء المحافظة، أسهم غياب المحاسبة في إضفاء مزيد من الزخم على الدعوات المطالبة بالانفصال، إلى درجة أنَّ خيار “الاستقلال”، رُغمَ ما يحيط به من صعوبات، بات يُنظر إليه باعتباره أقل مخاطرة من العودة إلى سلطة الدولة.
وساهم الموقف الإسرائيلي في ترسيخ هذا الشعور. فقد أظهر التدخّل العسكري الإسرائيلي خلال أحداث تموز (يوليو) استعداد تل أبيب للتدخل عندما رأت أنَّ المدنيين الدروز يواجهون خطرًا مباشرًا، فيما يحد استمرار وجودها العسكري في جنوب سوريا من قدرة دمشق على استعادة السيطرة على السويداء بالقوة. وفي الوقت نفسه، ازداد اعتماد بعض الفصائل الدرزية على الدعم الإسرائيلي المالي والعسكري، ما جعل هذا الدعم يشكل، عمليًا، مظلة غير رسمية لمشروع الحكم الذاتي الذي تتبنّاه.
إلّا أنَّ هذه المظلة تبقى محدودة في نطاقها. فبينما تستطيع إسرائيل أن توفر عامل ردع عسكري، فإنها لا تملك القدرة على بناء مؤسسات حكم مستقرة أو إنعاش اقتصاد المحافظة. ولا تزال السويداء تعتمد على دمشق في تأمين احتياجات أساسية، مثل الوقود والكهرباء، وهي متطلبات لا يمكن للدعم الإسرائيلي أن يعوّضها.
ويزداد هذا الواقع هشاشة مع احتمال تغيُّر المعادلات الإقليمية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يدفع باتجاه انسحاب إسرائيلي من المنطقة في إطار مساعٍ للتوصل إلى تفاهمات أمنية أوسع. وإذا ما أفضت المفاوضات بين إسرائيل ودمشق إلى اتفاق بشأن جنوب سوريا، فإنَّ استمرار الدعم الإسرائيلي للسويداء قد يصبح موضع إعادة نظر.
ويُشير بعض المؤشرات إلى أنَّ هذه العلاقة ليست راسخة كما تبدو. فقد أفادت تقارير إعلامية باللغة العربية بأنَّ مقاتلين ينتمون إلى فصائل درزية لم يتلقوا، منذ أشهر، المخصصات الشهرية التي يُقال إنَّ إسرائيل كانت تقدمها لهم، والبالغة نحو مئة دولار للفرد، الأمر الذي انعكس في تصاعد مشاعر التذمّر داخل صفوفهم.
وأدّت هذه التطورات مجتمعة إلى تكريس حالة من الجمود في السويداء، فيما يتحمّل السكان كلفة العزلة المتزايدة التي تعيشها المحافظة. ففي حين ارتفع معدل التغذية الكهربائية في مناطق سورية أخرى إلى نحو 12 ساعة يوميًا، لا يحصل سكان السويداء، في كثير من الأحيان، إلّا على ساعتين فقط من الكهرباء يوميًا.
وفي الداخل، ساهم هذا الواقع في تعزيز نموذج حُكمٍ يتمحور بصورة متزايدة حول شخصية حكمت الهجري. فإلى جانب مكانته الدينية بوصفه الزعيم الروحي للطائفة، يستند نفوذه إلى شبكة من القوة المسلحة، إذ يُنظر إليه باعتباره الراعي الفعلي لـ”الحرس الوطني”، وهو الفصيل المسلح الأبرز في المحافظة، الذي توسّع دوره تدريجيًا ليؤدي وظائف أمنية، بينها ملاحقة خصوم الهجري السياسيين.
وتشير تقارير محلية إلى أنَّ “الحرس الوطني” استهدف شخصيات درزية أيدت التوصل إلى تسوية مع دمشق. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، احتجز عناصره الشيخين رائد المتني ومروان رزق، اللذين عُرفا بمواقفهما المؤيّدة للمصالحة. وبحسب تلك التقارير، تعرّضَ الرجلان لسوء المعاملة قبل مقتلهما، فيما تُركت جثة المتني أمام المستشفى الوطني في السويداء بعد حلق شاربه، وهو ما يُعد إهانة بالغة في الأعراف الاجتماعية الدرزية. كما أفادت تقارير بأنَّ عناصر الفصيل احتجزوا، في آذار (مارس)، أكثر من عشرين شخصًا عقب فعالية عامة حاول المشاركون خلالها تلاوة بيان يؤكد التمسُّك بوحدة الأراضي السورية.
وأثارت هذه الانقسامات الداخلية، إلى جانب التدهور المتواصل في الأوضاع المعيشية، قلقًا حتى لدى أبرز الداعمين للدروز في إسرائيل. فقد دعا الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، إلى الحد من التصعيد، معبّرًا عن مخاوفه من اتساع الانقسام داخل المجتمع الدرزي في السويداء، وحاثًا الهجري على تخفيف حدة المواجهة.
وفي موازاة ذلك، رفض الهجري الانخراط في مبادرة مدعومة من الولايات المتحدة هدفت إلى كسر حالة الجمود. ففي أيلول (سبتمبر) الماضي، أعلنت الولايات المتحدة والأردن وسوريا مبادرة تضمنت توسيع نطاق المساعدات الإنسانية، وإسناد مسؤوليات الأمن المحلي إلى سلطات تحظى بقبول دمشق، إلى جانب إطلاق مسار لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين في المحافظة.
تسوية مؤجلة… بين مسؤولية دمشق ودور إسرائيل
لكن هذه المبادرة لم ترَ النور. فقد رفضها حكمت الهجري، الذي بات يرى أنَّ الانفصال يمثّل الخيار الوحيد القابل للحياة بالنسبة إلى السويداء. ومع ذلك، فإنَّ هذا الرفض لا يمكن عزله عن السياق الذي أفرزه. فإخفاق الحكومة السورية في إرساء مسار جدي للمساءلة عمّق فجوة الثقة مع المجتمع الدرزي، وأضعف صدقية أي مبادرة تدعو إلى إعادة دمج المحافظة ضمن سلطة الدولة. وفي المقابل، لا يبدو استمرار الوضع الراهن خيارًا قابلًا للاستدامة؛ إذ تحتاج السويداء إلى تسوية سياسية تضمن أمن سكانها، من دون أن تُكَرِّسَ في الوقت نفسه نموذجًا للحكم الذاتي يقوم على العزلة والهيمنة المسلحة.
فما الخيارات المتاحة للخروج من هذا المأزق؟
تبدأ الخطوة الأولى من دمشق، التي تحتاج إلى اتخاذ إجراءات عملية لإعادة بناء الثقة مع الدروز في السويداء. ويشمل ذلك زيادة المساعدات المخصصة للمحافظة، ولا سيما إمدادات الوقود، بما يخفف من عزلتها الاقتصادية والخدمية. كما يتعيّن على الحكومة مراعاة الهواجس المحلية المتعلقة بالأجهزة الأمنية، عبر إشراك أبناء المحافظة في قوات الشرطة الوطنية بدلًا من الاعتماد على عناصر تُرسَلُ من خارج المنطقة. غير أنَّ الاختبار الأهم يبقى في ملف المحاسبة، من خلال إجراء تحقيق شامل ومستقل في أحداث العنف التي شهدتها السويداء عام 2025، ومساءلة المسؤولين عنها بصرف النظر عن مواقعهم أو رتبهم العسكرية.
أما إسرائيل، فقد أظهرت بالفعل استعدادها للتدخل عسكريًا دفاعًا عن الدروز في سوريا. لكن إذا كانت تسعى إلى توفير ضمانات مستدامة لأمنهم، فإنَّ تحقيقَ هذا الهدف لا يمر عبر تعزيز نفوذ فصائل مسلحة مستقلة باتت تؤدي دورًا متزايدًا في الحياة السياسية داخل المحافظة. وبدلًا من ذلك، يمكن لتل أبيب أن تدعم المبادرة التي طرحتها الولايات المتحدة العام الماضي، والتي حاولت التوفيق بين إدارة أمنية محلية وإعادة دمج السويداء في مؤسسات الدولة عبر التفاوض.
ومن شأن مثل هذا الترتيب أن يوفر ضمانات أمنية أكثر استقرارًا للدروز مقارنة بالاعتماد على فصائل مسلحة متفرّقة. كما يمكن أن يشكل أمن الطائفة الدرزية أحد ملفات التنسيق بين سوريا وإسرائيل إذا ما استؤنفت المفاوضات بين الجانبين، خصوصًا في ظل استمرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الدفع نحو التوصل إلى تفاهمات بينهما، رغم تعثر مسار المحادثات حتى الآن.
وبعد عام على المجازر التي شهدتها السويداء، لا تزال صور الضحايا المنتشرة في شوارع المدينة تذكّر بالأسباب التي دفعت كثيرًا من الدروز إلى فقدان الثقة في دمشق. لكن، في المقابل، لا ينبغي لهذه الذاكرة الأليمة أن تتحوّل إلى أساس لبناء نظام جديد يفتقر بدوره إلى المساءلة ويعجز عن توفير مقوّمات الاستقرار وتحسين حياة السكان. ففي نهاية المطاف، لا يبدو أنَّ مستقبل السويداء يكمن في الاختيار بين سلطتين متنافستين، بقدر ما يتوقف على إيجاد صيغة سياسية تضمن الأمن والعدالة والمساءلة في آنٍ واحد.
- أحمد شعراوي هو محلل أبحاث في “مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات” (Foundation for Defense of Democracies)، ويُركز في عمله على شؤون الشرق الأوسط والمشرق العربي.
