الجزائر: الجمهورية التي تُديرُ مُعارضتَها

بين استبعاد مئات المرشحين وخطاب المؤسسة العسكرية حول “نجاح” الانتخابات، تكشف الانتخابات التشريعية المقبلة، التي من المتوقع أن تجري في 2 تموز (يوليو) المقبل، كيف تسعى السلطة الجزائرية إلى الحفاظ على التعددية السياسية من دون السماح لها بتغيير موازين القوة القائمة.

الفريق أول السعيد شنقريحة: الحاكم الفعلي للجزائر؟

أمين أيوب*

عندما دعا رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، القادة العسكريين والأجهزة الأمنية إلى ضمان “نجاح” الانتخابات التشريعية المقررة في الثاني من تموز (يوليو)، لم يكن يطلق توجيهًا إداريًا عابرًا أو دعوة تقنية لضمان حسن سير العملية الانتخابية. بل كان يبعث برسالة سياسية واضحة مفادها أنَّ الاستحقاق البرلماني المقبل يُنظَرُ إليه داخل مؤسسات الدولة باعتباره جُزءًا من مشروعٍ سياسي أوسع تتولى السلطة الإشراف عليه وإدارته، أكثر من كونه منافسة انتخابية يحدد الناخب الجزائري نتائجها بحرية. ولم يكن توصيف شنقريحة للانتخابات باعتبارها حلقة جديدة في مسار “إعادة بناء الدولة ومؤسساتها” الذي انطلق مع التعديل الدستوري لعام 2020 مجرّد تعبيرٍ بلاغي أو خطاب تعبئة سياسي. بل بدا أقرب إلى إقرارٍ صريح بطبيعة المرحلة التي تمرُّ بها البلاد، حيث يُنظر إلى الانتخابات بوصفها أداة لترتيب المشهد السياسي وإعادة تشكيله وفق رؤية الدولة ومؤسساتها المركزية.

ويكتسب هذا التصوُّر دلالةً أكبر عند النظر إلى الإجراءات التي سبقت فتح صناديق الاقتراع. فقد استبعدت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مئات المرشحين استنادًا إلى المادة 200 من قانون الانتخابات، وهي مادة تمنع ترشُّح الأشخاص الذين يُعتقَد أنَّ لهم ارتباطات بدوائر أعمال مشبوهة أو أولئك الذين قد يؤثرون بصورة غير مشروعة في خيارات الناخبين. غير أنَّ الإشكالية الأساسية تكمن في أنَّ هذا النص لا يحدد معايير دقيقة للإثبات، ولا يشترط صدور أحكام قضائية أو وجود قرارات قانونية نهائية تدعم قرارات الاستبعاد. ونتيجةً لذلك، طالت قرارات الإقصاء مرشحين من أحزاب معارضة وأخرى توصف بأنها قريبة من السلطة على حد سواء، في وقتٍ أُبلغ فيه عدد كبير من المرشحين بقرارات استبعادهم خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما جعل المهل القانونية المخصّصة للطعن والاستئناف أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى ضمانة قانونية فعلية. وفي نظر منتقدي العملية الانتخابية، لا تعكس هذه الإجراءات مجرد تطبيق صارم للقانون، بل تثير تساؤلات أوسع حول حدود التنافس السياسي المسموح به، وحول الجهة التي تحدد مسبقًا مَن يحقُّ له المشاركة في رسم المشهد البرلماني المقبل.

الانتخابات كأداة لإعادة هندسة المشهد السياسي

وقد دفعت هذه التطوّرات عددًا من القوى السياسية إلى رفع مستوى اعتراضها على المادة 200 وطريقة تطبيقها. ف”حزب العمال” دعا الرئيس عبد المجيد تبون إلى التدخُّل شخصيًا وتعليق العمل بالمادة، معتبرًا أنها تحوّلت عمليًا إلى “أداة إقصاء” تُجرِّد المواطنين من حقوقهم السياسية والمدنية من دون المرور بالضمانات القضائية الأساسية. كما انتقد حزب “جيل جديد” قرارات الاستبعاد، واصفًا إياها بأنها جزء من “مناورة سياسية متعمَّدة”، ومؤكدًا أنَّ المبررات المُقدَّمة للمرشحين المستبعدين اتسمت بالغموض وافتقرت إلى الأدلة الملموسة التي تسمح بالتحقق منها أو الطعن فيها بصورة فعالة.

ولم يقتصر الاعتراض على الأحزاب السياسية. فقد لجأ عددٌ من المحامين إلى القضاء الإداري للطعن في دستورية المادة نفسها، مستندين إلى الملاحظات التي كانت المحكمة الدستورية قد أثارتها عند مراجعتها قانون الانتخابات عام 2021، حين حذرت من مخاطر التفسيرات الفضفاضة للنصوص القانونية التي قد تفضي إلى تقييد الحقوق السياسية المكفولة دستوريًا. وبذلك انتقل الجدل من مجرّد خلافٍ حول أهلية بعض المرشحين إلى نقاش أوسع يتعلّق بطبيعة الضمانات القانونية التي تحكم المشاركة السياسية وحدود السلطة التقديرية التي تمتلكها الجهات المشرفة على العملية الانتخابية.

غير أنَّ ما يمنح هذه اللحظة أهميتها التحليلية لا يكمن فقط في العدد الكبير من المرشحين الذين تمَّ استبعادهم، على الرُغم من اتساع نطاق هذه الإجراءات، ولا في الغموض الذي اكتنف مبرراتها القانونية، رُغم ما أثاره ذلك من جدل. فالأكثر دلالة هو تزامن هذه الاستبعادات مع الخطاب الصادر عن المؤسسة العسكرية بشأن ضرورة ضمان “نجاح” الانتخابات. فالمسألتان لا تبدوان حدثين منفصلين أو تطورين متوازيين وقعا بالمصادفة في التوقيت نفسه، بل تبدوان جزءًا من مقاربة سياسية واحدة تسعى إلى التحكُّم بمخرجات العملية الانتخابية قبل أن تبدأ فعليًا.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى تقليص قوائم المرشحين من جهة، وتعبئة أجهزة الدولة لضمان مسار انتخابي محدد من جهة أخرى، باعتبارهما وجهين لسياسة واحدة هدفها إدارة المجال السياسي وضبط حدوده. فالدولة لا تبدو معنية فقط بتنظيم الانتخابات، بل أيضًا بتحديد الإطار الذي ستجري ضمنه المنافسة السياسية، والفاعلين الذين يُسمح لهم بالمشاركة فيها، والنتائج التي يمكن استيعابها ضمن التوازنات القائمة.

من الشرعية الانتخابية إلى إدارة التعددية

ومنذ احتواء الحراك الشعبي الذي هز البلاد عام 2019، سعت السلطات الجزائرية إلى استعادة خطاب الشرعية الانتخابية من دون السماح بعودة حالة الانفتاح السياسي التي أفرزها ذلك “الحراك”. وقد جرى تقديم دستور عام 2020 باعتباره بداية مرحلة إصلاحية جديدة، كما استمرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في مواعيدها الدستورية، وحافظ النظام السياسي على مظهره التعددي من خلال استمرار الأحزاب والمؤسسات المنتخبة. إلّا أنَّ ما وصفه شنقريحة بـ”إعادة بناء الدولة” يكشف عن مسار موازٍ يقوم على إعادة هندسة المجال السياسي نفسه، من خلال التحكُّم بالقواعد التي تنظم المشاركة السياسية، ومراقبة حدود التنافس المسموح به، وضمان ألّا تفرز صناديق الاقتراع نتائج يصعب على النظام القائم استيعابها أو التكيُّف معها.

وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات المقبلة أهمية تتجاوز مجرد اختيار أعضاء البرلمان الجديد. فهي تمثل اختبارًا لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد سنوات من “الحراك”، كما تعكس الكيفية التي تنظر بها السلطة إلى مفهوم الاستقرار السياسي وحدود التعددية المقبولة. فالسؤال المطروح لم يعد فقط مَن سيفوز بالمقاعد البرلمانية، بل إلى أي مدى تسمح المنظومة السياسية الجزائرية بوجود منافسة حقيقية قادرة على التأثير في موازين القوة داخل مؤسسات الدولة.

أما بالنسبة إلى الحكومات الغربية التي لا تزال تنظر إلى الجزائر بوصفها أحد أهم عوامل الاستقرار في منطقة المغرب العربي والساحل، فإنَّ هذه التطوّرات تستدعي قراءة أكثر دقّة للمشهد الداخلي الجزائري. فلا شك في أنَّ الجزائر تمثل شريكًا مهمًّا لأوروبا في ملفات الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب، كما إنَّ موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي يمنحانها أهمية استراتيجية متزايدة في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة. غير أنَّ التركيز على هذه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية كثيرًا ما طغى على طبيعة التحوّلات السياسية الداخلية التي تشهدها البلاد.

فالصورة التي تبرز من خلال هذه الانتخابات ليست صورة نظام سياسي يتجه تدريجًا نحو مزيد من الانفتاح والتنافسية، بل صورة دولة ما زالت المؤسسة العسكرية تحتفظ فيها بدور حاسم في رسم الحدود الفعلية للحياة السياسية. وفي هذا الإطار، تبدو الانتخابات أقل ارتباطًا بالتداول على السلطة وأكثر ارتباطًا بإعادة إنتاج الشرعية السياسية، ضمن منظومة تضمن استمرار مراكز القوة القائمة وتحول دون تعرّضها لمنافسة قد تفضي إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة.

برلمان بلا معارضة أم استقرار بلا تمثيل؟

ولا تقتصر تداعيات هذه المقاربة على العملية الانتخابية نفسها، بل تمتد إلى طبيعة المؤسسة التي ستنبثق عنها. فالبرلمان الذي سيتشكل في ظل هذه الظروف يصعب أن يتحوّلَ إلى سلطة رقابية فاعلة قادرة على مُساءلة الجهاز التنفيذي أو ممارسة دور مستقل في صياغة السياسات العامة. والأهم من ذلك أنه قد يفتقر إلى الشرعية السياسية الضرورية للتعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة التي تواجه الجزائر، من البطالة المرتفعة بين الشباب إلى تنامي الهجرة غير النظامية وتراجع مستويات الثقة بالمؤسسات العامة.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى أنَّ عددًا من المرشّحين الذين طالتهم قرارات الاستبعاد كانوا يسعون، بدرجات متفاوتة، إلى التعبير عن هذه القضايا وإدراجها في النقاش العام. فقد شملت الإجراءات مرشّحين من أحزاب معارضة وقوائم مستقلة تمثل تيارات سياسية واجتماعية مختلفة، ما جعل الجدل يتجاوز مسألة الامتثال القانوني إلى التساؤل حول حدود التعبير السياسي المسموح به داخل النظام نفسه. وعندما تصبح عبارات فضفاضة مثل “المواقف المثيرة للجدل” أو الاشتباه في ارتباطات غير محددة أساسًا لإقصاء المرشحين من المنافسة الانتخابية، فإنَّ النتيجة لا تتمثل بالضرورة في مكافحة الفساد أو حماية نزاهة الانتخابات، بقدر ما تتمثل في تقليص مساحة النقد السياسي وإضعاف التعددية التي يُفترض أن تمنح العملية الانتخابية معناها.

وثمة مفارقة سياسية وقانونية ذات دلالة خاصة في هذا السياق. فبعضُ النواب والسياسيين الذين وجدوا أنفسهم اليوم ضحايا للمادة 200 كانوا من بين الذين أيّدوا قانون الانتخابات الذي تضمّن هذه المادة عند إقراره. إلّا أنَّ هذه المفارقة لا تخفّف من مسؤولية الجهات التي صاغت النظام الانتخابي أو أشرفت على تطبيقه، بل تكشف طبيعة الآليات التي تقوم عليها النظم السياسية شديدة الضبط. فالأدوات القانونية التي تُنشأ في البداية لاستبعاد فئة محددة من المنافسين لا تظل محصورة في نطاقها الأصلي، بل تميل مع مرور الوقت إلى التوسُّع والتغلغل داخل النظام نفسه، لتطال في نهاية المطاف أطرافًا كانت تعد نفسها جزءًا من التوافق السياسي القائم.

ومن هذه الزاوية، تبدو المادة 200 أقل شبهاً بأداة استثنائية لمعالجة حالات محددة، وأكثر شبهًا بآلية مؤسسية تمنح السلطات قدرة واسعة على إعادة تشكيل المجال السياسي كلما اقتضت الحاجة. فبمجرّد ترسيخ مبدَإِ الاستبعاد القائم على معايير غير محددة بدقة، يصبح من الصعب التنبؤ بحدوده أو بالفئات التي قد يشملها مستقبلًا.

في الثاني من تموز (يوليو)، ستجري الانتخابات كما هو مقرر، وسيُنتخب برلمان جديد، وستُستكمل الإجراءات الدستورية التي تمنح العملية الانتخابية شرعيتها الشكلية. كما ستسهر مؤسسات الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية، على ضمان سير الاقتراع من دون اضطرابات تُذكر. غير أنَّ السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كانت الانتخابات ستُجرى، بل بما إذا كانت ستؤدي فعلًا إلى إنتاج تمثيل سياسي يعكس تنوُّع المجتمع الجزائري وتطلّعاته.

وهنا تكمن المُعضِلة الأساسية التي تواجه النظام السياسي الجزائري اليوم. فبينما تسعى السلطة إلى تعزيز الاستقرار من خلال التحكُّم الدقيق بمسار العملية السياسية، فإنَّ الإفراط في هذا التحكُّم قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تتمثل في إضعاف القنوات التي تسمح بتمثيل التوترات الاجتماعية والسياسية داخل المؤسسات الرسمية. وفي ظل غياب منافسة سياسية حقيقية، قد يتحوّل البرلمان إلى مؤسسة تفتقر إلى القدرة على استيعاب المطالب المتزايدة داخل المجتمع أو التعبير عنها بصورة فعالة.

ولعل الرسالة الأوضح التي تخرج بها هذه الانتخابات لا تتعلق بالنتائج التي ستُعلن بعد الاقتراع، بل بطبيعة النظام الذي أنتجها. فقبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، كانت المؤسسة العسكرية قد حددت الإطار الذي يجب أن تُفهم ضمنه العملية الانتخابية، فيما تكفلت الإجراءات الإدارية والقانونية بتحديد حدود المنافسة المقبولة. ولذلك فإنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في معرفة مَن سيفوز بالمقاعد البرلمانية، بل في فهم مدى استعداد الدولة للسماح بوجود حياة سياسية تتجاوز الدور الوظيفي الذي رُسم لها مسبقًا.

Exit mobile version