في لحظةٍ تتقاطع فيها الضغوط الأميركية مع التشدّد الإسرائيلي والانقسامات اللبنانية، يجد لبنان نفسه أمام مُعضِلة معقدة: إما التعامل مع اتفاقٍ إطاري يفتقر إلى الضمانات، أو العودة إلى خيارات أكثر كلفة. فهل تستطيع بيروت تحويل اتفاقٍ مختلّ إلى ورقة تفاوض تفضي إلى الانسحاب الإسرائيلي وتستعيد من خلالها زمام المبادرة السياسية؟
مايكل يونغ*
شكّلَ الاجتماع الذي عُقد الأسبوع الماضي في روما بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل محطة جديدة في مسار تنفيذ الاتفاق الذي وقّعه الطرفان مؤخّرًا في واشنطن، حيث انصبّ النقاش على إحدى أكثر قضاياه حساسية، وهي ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”. وتتمثل هذه المناطق في المواقع التي سيتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها عقب الانسحاب الإسرائيلي، إلّا أنَّ الخلافات لا تزال قائمة بشأن قضايا جوهرية، أبرزها نطاق هذا الانسحاب وجدوله الزمني، فضلًا عن الوجهة النهائية للمفاوضات. وفي ظلِّ هذا التعثر، حمل لقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، يوم الثلثاء الفائت، رهانًا لبنانيًا على أن تتمكن واشنطن من ممارسة ضغوط تدفع إسرائيل إلى إبداء قدر أكبر من المرونة.
وتسعى بيروت إلى انتزاع انسحاب إسرائيلي سريع من المناطق التي لا تزال خاضعة للاحتلال، إدراكًا منها أنَّ نجاح هذا المسار سيمنحها مبرّرًا سياسيًا للدفاع عن قرارها المثير للجدل بالانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، من خلال إظهار أنَّ هذا الخيار يمكن أن يفضي إلى استعادة الأراضي المحتلة وعودة السكان إلى قراهم. غير أنَّ المؤشرات الصادرة من الجانب الإسرائيلي لا تبعث على التفاؤل، إذ يواصل مسؤولون إسرائيليون التأكيد على أهمية الإبقاء على “مناطق أمنية” في لبنان وسوريا وقطاع غزة، بما يثير شكوكًا جدية حول استعداد إسرائيل للالتزام بانسحاب كامل.
وتعزّزت هذه الشكوك مجددًا بعدما أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرورة إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج لبنان وسوريا. ووفقًا لما أورده موقع “أكسيوس”، قال ترامب لنتنياهو: “إنهم لا يريدونكم هناك. عليكم إعادة الانتشار”، في إشارةٍ تعكس وجود رغبة أميركية في الحد من استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في هاتين الساحتين.
في المقابل، لم تَسلَم السلطات اللبنانية من انتقادات واسعة بسبب موافقتها الشهر الماضي على اتفاق إطاري اعتبره كثيرون مختلًّا في موازين الالتزامات، إذ حمّل لبنان مسؤولية تنفيذ الشروط المطلوبة، من دون أن يتضمّن ضمانات واضحة تُلزم إسرائيل بسحب قواتها. ولم يحصل لبنان، في المقابل، سوى على تعهُّدٍ فضفاض يفيد بأنَّ إسرائيل “ليست لديها أطماع إقليمية في لبنان”، وهو تعهُّدٌ رأى منتقدون أنه لا يرقى إلى مستوى الضمانات السياسية أو القانونية المطلوبة.
اتفاق غير متوازن وخيارات لبنانية محدودة
ويعكس مسار التفاوض نفسه حجم هذا الاختلال؛ إذ أفادت تقارير بأنَّ رئيس الوفد اللبناني، سيمون كرم، غادر إحدى جلسات التفاوض احتجاجًا على صيغة الاتفاق، قبل أن يُقنَعَ بالعودة إلى الطاولة. لكن، وبعد توقيع الاتفاق الإطاري، باتت خيارات بيروت محدودة. فهي إما أن تستمر في تنفيذ الاتفاق، رُغمَ التحفُّظات الكبيرة عليه، على أمل توظيف الدعم الأميركي لانتزاع تنازُلات إسرائيلية، وإما أن تتراجع عنه، بما يعني عمليًا إسقاط مسار التفاوض والعودة إلى تبني خيار المقاومة المسلحة في مواجهة إسرائيل.
في المقابل، تبدو كلفة التخلّي عن الاتفاق والعودة إلى خيار المواجهة العسكرية مرتفعة للغاية بالنسبة إلى لبنان. فهذا المسار لن يقتصر على خسارة الدعم الأميركي، بل قد يفتح الباب أمام رد عسكري إسرائيلي واسع النطاق، يفاقم الدمار في الجنوب من دون أن يوفّر ضمانات واقعية لتحرير الأراضي المحتلة. كما إنَّ العودة إلى هذا الخيار ستعيد إيران إلى موقع اللاعب الأكثر تأثيرًا في الساحة اللبنانية، وهو سيناريو تسعى السلطات اللبنانية الحالية إلى تفاديه، في إطار محاولاتها إعادة ترسيخ قرار الدولة واستعادة هامش أوسع من الاستقلالية في إدارة الملفات الأمنية والسياسية.
لذلك، يبدو أنَّ بيروت تميل بوضوح إلى المضي في الخيار الأول، أي استثمار المسار التفاوضي واستنفاد الأدوات الديبلوماسية المتاحة لدفع إسرائيل نحو الانسحاب. غير أنَّ نجاح هذا الخيار يبقى مرهونًا ببلورة رؤية لبنانية موحَّدة تُحدد الأهداف الواقعية للمفاوضات. ففي الوقت الذي يركّز الجانب الإسرائيلي، بدعمٍ من حلفائه في واشنطن، على الدفع نحو اتفاق سلام، تبدو القيادة اللبنانية مُدرِكة أنَّ الانتقال إلى هذا المستوى من العلاقات لا يزال يتجاوز قدرتها على الاحتمال، سواء بالنظر إلى الانقسامات الداخلية أو إلى الاعتبارات الإقليمية الأوسع.
استراتيجية الانسحاب أولًا… بدل السلام أولًا
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتشكل توافق لبناني حول جعل الانسحاب الإسرائيلي الهدف المباشر للمفاوضات، مع السعي إلى انتزاع التزامات إسرائيلية أكثر وضوحًا، سواء عبر تصريحات رسمية أو من خلال وضع جدول زمني محدد لإنهاء الاحتلال. وهنا تكتسب “المناطق التجريبية” أهمية خاصة، باعتبارها اختبارًا عمليًا لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها. ويقتضي ذلك أن يدفع الجيش اللبناني بوحداته الأكثر كفاءة إلى هذه المناطق، لضمان فرض سيطرة الدولة الكاملة عليها ومنع استخدامها منصة لإطلاق هجمات صاروخية ضد إسرائيل. ورُغمَ أنَّ هذا الدور قد يُعرّض الدولة لاتهامات بأنها توفر حماية غير مباشرة للقوات الإسرائيلية، فإنَّ هذه الانتقادات ليست عصيّة على المواجهة إذا ما أُحسن تأطير أهداف هذه الخطوة.
ففي المقام الأول، ينبغي أن يربط لبنان نجاح تجربة هذه المناطق بعودة السكان إليها بصورة فورية، بحيث لا تتحوّل إلى ترتيبات أمنية تخدم الاحتلال أكثر مما تخدم أصحاب الأرض. ومن هنا تبرز أهمية الدور الأميركي في الضغط على إسرائيل، لأنَّ نجاح نموذج “المناطق التجريبية” يعتمد أساسًا على إظهار أنَّ التفاوض قادر على تحقيق نتائج ملموسة، وفي مقدمتها إعادة النازحين إلى قراهم وتعزيز ثقة اللبنانيين بقدرة الدولة على استعادة حقوقهم.
ومن جهة أخرى، فإنَّ انتشار الجيش اللبناني في هذه المناطق لن يعني وقف جميع أشكال المواجهة مع إسرائيل، بل سيقتصر على تحييد المناطق الواقعة تحت سيطرته المباشرة. وبذلك، سيظل “حزب الله” قادرًا، من الناحية العملية، على استهداف القوات الإسرائيلية في المناطق الأخرى التي لا تزال خاضعة للاحتلال. وقد يشكل هذا الواقع عنصر ضغط إضافيًا على إسرائيل، يدفعها إلى توسيع نطاق المناطق التي تنسحب منها وتسلمها إلى الدولة اللبنانية، خصوصًا أنَّ الحزب لن يجد مصلحة تُذكر في الاصطدام بالجيش اللبناني داخل مناطق استعادت الدولة السيطرة عليها وعاد إليها سكانها.
وفي موازاة ذلك، إذا تعذر التوصل إلى جدول زمني واضح للانسحاب الكامل، فإنَّ من مصلحة لبنان الدفع نحو إطلاق مفاوضات تتناول، على الأقل، ترسيم الحدود وتوفير الضمانات الأمنية المتبادلة. فمن شأن هذا المسار أن يكرس اعترافًا إسرائيليًا رسميًا بحدود لبنان، وفي الوقت نفسه يبرز استعداد الدولة اللبنانية لضبط الأنشطة العسكرية العابرة للحدود ومنع استخدامها في استهداف إسرائيل. كما ينبغي أن تشمل هذه المفاوضات ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، بوصفه أحد الملفات الإنسانية والسياسية التي لا يمكن فصلها عن أي تسوية مستقبلية.
وفي جميع الأحوال، يبدو من الضروري أن يحافظ لبنان على موقفه الرافض للانتقال إلى مرحلة السلام الكامل قبل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بصورة نهائية. فالموقف الرسمي اللبناني يستند إلى “مبادرة السلام العربية” لعام 2002، ما يمنحه مبررًا سياسيًا وقانونيًا لطرح صيغة أقل من معاهدة سلام، تتمثل في بالعودة إلى اتفاق الهدنة، إلى حين توافر الشروط التي نصت عليها المبادرة. ويتميز هذا الطرح بأنه يحظى بقدر واسع من القبول، سواء داخل الساحة اللبنانية أو على المستوى العربي، بما يجعله خيارًا أكثر واقعية في المرحلة الراهنة.
قد لا يلقى هذا الطرح قبولًا لدى إسرائيل، لكنه يستجيب، في جوهره، للمبررات الأمنية التي أعلنتها تل أبيب أساسًا لتبرير استمرار وجودها العسكري في لبنان. كما إنه يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام اختبار سياسي واضح: هل ستتمسّكان بالسعي إلى اتفاق سلام شامل، رُغم إدراكهما أنَّ الظروف اللبنانية والإقليمية لا تسمح بذلك، أم ستتعاملان بواقعية مع تسوية تدريجية تُحقّق الهدف الأكثر إلحاحًا، وهو الانسحاب الإسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ؟ فالإصرار على تحقيق “الحل الكامل” قد ينتهي إلى تقويض “الحل المُمكن”، بما يحمله ذلك من مخاطر على الضمانات الأمنية التي يمكن للدولة اللبنانية أن توفّرها لإسرائيل في هذه المرحلة.
ولا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أنَّ مثل هذا النهج قد يحظى بقبول داخل البيئة الشيعية، ولا سيما في أوساط النازحين الذين يتطلّعون قبل أي شيء إلى العودة إلى قراهم واستئناف حياتهم الطبيعية، حتى لو استمر “حزب الله” في رفضه لهذا المسار. فالغرض من هذه المقاربة ليس استرضاء الحزب أو دفعه إلى تغيير مواقفه، بل تضييق هامش المناورة أمامه عبر تمكين الدولة من استعادة حضورها في الجنوب، وإعادة السكان إلى مناطقهم، وتثبيت سلطتها هناك، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراع الداخلي.
صحيح أنَّ لبنان دخل الشهر الماضي في اتفاق إطاري يفتقر إلى التوازن ويثير كثيرًا من التحفّظات، إلّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ هامش المناورة قد انعدم بالكامل. فما زال بإمكان بيروت إعادة توجيه مسار المفاوضات نحو أهداف أكثر واقعية، أو، في الحد الأدنى، نقل عبء التعطيل إلى الجانب الإسرائيلي إذا ما أصرَّ على التمسُّك بأقصى مطالبه ورفض تقديم التنازلات اللازمة لإنجاز تسوية قابلة للحياة. وعندها، لن يكون السؤال المطروح هو ما إذا كان لبنان قد فوّت فرصة للسلام، بل ما إذا كانت إسرائيل مُستعدّة أصلًا لتحويل ترتيبات أمنية مؤقتة إلى مسار يفضي، في نهاية المطاف، إلى استقرار دائم.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
