دفعت الحرب مع إيران الإمارات العربية المتحدة إلى التمسُّك أكثر بخياراتها الاستراتيجية القائمة على توسيع النفوذ وتعزيز التحالفات الدولية. لكن كلما اقتربت أبوظبي من تحقيق طموحاتها كقوة إقليمية وعالمية، ازدادت التحديات التي تفرضها الجغرافيا السياسية وموازين القوى في الشرق الأوسط.
أندرو ليبر*
في صباح الثامن من نيسان (أبريل)، استهدفت موجة من الغارات الجوية منشآت نفطية في جزيرة لافان الإيرانية، إحدى أبرز محطات تصدير الطاقة في الخليج. وجاء الهجوم في الأيام الأخيرة التي سبقت وقف إطلاق النار بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بعد أسابيع من المواجهات العسكرية المتصاعدة. غير أنَّ اللافت في هذه العملية، بحسب تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال”، أنها لم تُنفَّذ بطائرات أميركية أو إسرائيلية، بل نُسبت إلى الإمارات العربية المتحدة.
ورغم أنَّ أبوظبي لم تُعلِن رسميًا مسؤوليتها عن الهجوم، فإنَّ الرسالة السياسية والعسكرية بدت واضحة. فخلال الحرب تعرَّضت الإمارات، شأنها شأن دول خليجية أخرى، لسلسلة من الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، ما دفعها إلى السعي لفرض معادلة ردع جديدة تقوم على إظهار قدرتها على الرد المباشر. وتشير تقارير أميركية إلى أنَّ السعودية ردّت بدورها على بعض الهجمات الإيرانية، إلّا أنَّ الموقف الإماراتي تميز بقدر أكبر من الحزم، سواء في خطابه السياسي أو في حجم الإجراءات التي اتخذها.
وخلال فترة الحرب، حرص المسؤولون الإماراتيون على تقديم بلادهم بوصفها دولة قادرة على الصمود واتخاذ القرار بصورة مستقلة. فقد وصف أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي لرئيس الدولة، إيران بأنها التهديد الرئيسي للأمن الإقليمي، مُشدِّدًا على أنَّ الإمارات أثبتت قدرتها على مواجهة التحديات وحماية مصالحها. وحتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم تُظهر أبوظبي رغبة في انتظار نتائج المسار الديبلوماسي بين واشنطن وطهران، بل وجهت انتقادات ضمنية لدولٍ إقليمية رأت أنها لم تتخذ مواقف حاسمة بما يكفي خلال الأزمة. وبعد أسابيع قليلة، اتخذت خطوة أخرى لافتة بإعلان انسحابها من منظمة “أوبك”، في مؤشّر إلى رغبتها في منح سياساتها النفطية هامشًا أوسع من الاستقلالية.
ولا يمكن فهم هذه التحرّكات بمعزل عن التحوُّل الأوسع الذي تسعى الإمارات إلى ترسيخه في مكانتها الدولية. فالدولة التي كانت تُصنَّف تقليديًا ضمن القوى الخليجية الصاعدة باتت تطمح إلى لعب دور يتجاوز محيطها الإقليمي، وتقديم نفسها بوصفها قوة متوسطة ذات نفوذ عالمي، أقرب في نموذجها إلى دول مثل فرنسا أو اليابان. ومن هذا المنطلق، لم تنظر القيادة الإماراتية إلى الحرب مع إيران باعتبارها تهديدًا لمسارها الاستراتيجي، بل باعتبارها اختبارًا يؤكد الحاجة إلى تسريع هذا المسار وتعزيزه.
ولهذا تواصل أبوظبي الرهان على مجموعة من الخيارات التي تبنتها خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها توثيق الشراكة مع إسرائيل، وتعزيز التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، وتوسيع حضورها الاقتصادي والاستثماري في أفريقيا، إلى جانب اتباع سياسة خارجية أكثر استقلالًا عن التوافقات الخليجية التقليدية. وترى القيادة الإماراتية أنَّ هذه المقاربة توفّر لها الأمن والنفوذ والازدهار في بيئة إقليمية شديدة التقلب. غير أنَّ هذا الرهان ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر متزايدة، إذ قد يؤدّي في المدى البعيد إلى توسيع الفجوة بينها وبين جيرانها الخليجيين، كما قد يجعلها أكثر اعتمادًا على شركاء خارجيين أقوياء، بما يحدُّ من هامش المناورة الذي تسعى أصلًا إلى توسيعه.
النهج الإماراتي
لا تقتصر الاستراتيجية الإماراتية على إدارة الأزمات المحيطة بها، بل تقوم على استثمار حالة الاضطراب الإقليمي لتعزيز مكانة الدولة بوصفها مركزًا للأمن والمال والتكنولوجيا. وعلى مدى العقود الماضية، سعت أبوظبي إلى توظيف ما تمتلكه من مؤسسات فعالة وقدرات مالية كبيرة لتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر نفوذ سياسي واقتصادي يتجاوز حدود الخليج.
فعلى الصعيد الأمني، اعتمدت الإمارات على قوات مسلحة صغيرة نسبيًا لكنها عالية الكفاءة، إلى جانب موارد مالية ضخمة، لدعم حلفاء وشركاء في عدد من بؤر الصراع الإقليمية. وقد برز ذلك بوضوح في ليبيا، حيث دعمت قوات اللواء خليفة حفتر في مواجهة الفصائل الإسلامية التي اعتبرتها تهديدًا مباشرًا للنموذج السياسي الذي تتبنّاه. أما اقتصاديًا، فقد استندت إلى صناديقها السيادية العملاقة وشركاتها الوطنية الرائدة، مثل “موانئ دبي العالمية” و”مجموعة 42″ المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، لترسيخ مكانة أبوظبي ودبي كمركزين عالميين للتجارة والاستثمار والتقنيات المتقدمة.
وفي المجال الديبلوماسي، سعت الإمارات إلى تقديم نفسها بوصفها الشريك الخليجي الأكثر فاعلية وموثوقية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية مع الصين. كما استفادت من موقعها المالي العالمي لتصبح نقطة جذب لرؤوس الأموال الآتية من دول تواجه عقوبات أو قيودًا دولية، بما في ذلك إيران وروسيا.
وينطلق هذا النهج من قناعة راسخة لدى قطاع من النخب الإماراتية بأنَّ المخاطرة المحسوبة ضرورة استراتيجية في منطقة تتسم بعدم الاستقرار. ووفق هذا التصوُّر، فإنَّ الانخراط النشط في ملفات الأزمات الإقليمية لا يُنظر إليه باعتباره مغامرة، بل كوسيلة للحيلولة دون تفاقم الانهيارات الأمنية والسياسية في الجوار. وفي هذا السياق، وصفت الباحثة الإماراتية ابتسام الكتبي تدخلات بلادها في دولٍ مثل اليمن والسودان بأنها محاولة لـ”إدارة التفكك ومنع الانهيار الكامل”.
ويندرج قرار إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل عام 2020 ضمن هذا المنطق الاستراتيجي طويل الأمد. فرغم ما أثاره من انتقادات واسعة في المنطقة، منح التطبيع الإمارات نفوذًا أكبر داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، وعزز علاقاتها مع القوة العسكرية الأكثر تفوقًا في الشرق الأوسط. وبالنسبة إلى صناع القرار الإماراتيين، شكّل الاتفاق استثمارًا في توازنات المستقبل أكثر منه استجابة لحسابات اللحظة السياسية.
لكن هذا النهج لم يقتصر على ملف العلاقات مع إسرائيل، بل امتد إلى ساحات أخرى أثارت جدلًا دوليًا واسعًا. ففي السودان، اتُهِمَت الإمارات بدعم قوات الدعم السريع خلال الحرب الأهلية المستمرة منذ عام 2023. وتقول أبوظبي إنَّ هدفها يتمثل في الحد من نفوذ التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية السودانية، إلّا أنَّ مراقبين يرون أنَّ حساباتها تتجاوز ذلك إلى السعي لبناء نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد في السودان والقرن الأفريقي. كما أشار منتقدون إلى استفادة شبكات تجارة الذهب المرتبطة بدبي من مناطق التعدين الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وقد أثارت هذه السياسة انتقادات حادة في عدد من العواصم الغربية. ففي جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي مطلع عام 2025، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو دعم الإمارات لقوات الدعم السريع بأنه دعمٌ مباشر لطرفٍ مُتَّهَم بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق. ومع ذلك، تمكنت أبوظبي من احتواء الضغوط السياسية عبر الانخراط، ولو شكليًا، في المبادرات الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع.
كما واجه النفوذ الإماراتي مقاومة في ساحاتٍ إقليمية أخرى. ففي اليمن، أثارت تحركات فصائل محلية مدعومة من أبوظبي توترات مع السعودية التي رأت في بعض هذه الخطوات مساسًا بنفوذها التقليدي داخل البلاد. وفي أفريقيا، واجهت شركات إماراتية كبرى انتقادات متزايدة بسبب ما اعتبره ناشطون وباحثون هيمنة متنامية على قطاعات استراتيجية وموانئ حيوية على حساب المصالح المحلية. وكانت جيبوتي المثال الأبرز على ذلك عندما ألغت امتيازًا طويل الأمد لشركة موانئ دبي العالمية عام 2018 واستعادت السيطرة الكاملة على الميناء الذي كانت تديره.
ورُغمَ هذه الاعتراضات، لم تُبدِ القيادة الإماراتية استعدادًا للتراجع عن خياراتها الاستراتيجية. فالمسؤولون الإماراتيون يقدّمون تدخلات بلادهم باعتبارها تعبيرًا عن استعدادها لتحمل مسؤوليات إقليمية يعجز أو يتردد آخرون في الاضطلاع بها. وبالنسبة إليهم، فإنَّ إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط تتطلّب سياسات جريئة قد تكون مثيرة للجدل، لكنها ضرورية لحماية المصالح الإماراتية في المدى البعيد.
وساعدت الإمكانات المالية الضخمة للدولة على تخفيف أثر كثير من الانتقادات الخارجية. فبينما أبدت واشنطن أحيانًا قلقها من علاقات أبوظبي المتشعّبة مع شركات صينية مملوكة للدولة أو مع شبكات أعمال روسية وأطراف نافذة في أفريقيا، ظلت هذه التحفظات محدودة التأثير مقارنة بحجم المصالح الاقتصادية والاستثمارية المتبادلة. وهكذا تمكنت الإمارات من الحفاظ على شبكة واسعة من الشراكات الدولية، مستفيدة من قدرتها على الجمع بين النفوذ المالي والطموح الجيوسياسي في مرحلة تشهد إعادة رسم لموازين القوى الإقليمية والدولية.
الحرب تعود إلى الوطن
غير أنَّ المواجهة الأخيرة مع إيران كشفت حدود الرؤية التي استندت إليها الاستراتيجية الإماراتية لسنوات، والقائمة على إمكانية احتواء تداعيات أزمات المنطقة ومنعها من الوصول إلى الداخل الإماراتي. فعلى الرغم من فترات التوتر المتقطعة بين أبوظبي وطهران، اعتقد صنّاع القرار الإماراتيون طويلًا أنَّ المظلة الأمنية الأميركية، إلى جانب الدور الحيوي الذي تلعبه دبي في التجارة والمال بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، يشكلان ضمانة كافية لحماية الدولة من أيِّ تصعيد مباشر.
لكن الحرب الأخيرة حملت مؤشرات مقلقة. فمع تصاعد المواجهة، أصبحت الإمارات الهدف الرئيسي لمعظم الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج. وشملت الضربات، التي نُفذت عبر طائرات مسيّرة وصواريخ، مواقع عسكرية ومنشآت حيوية وبنى تحتية مرتبطة بقطاعي التجارة والسياحة، من مطارات وفنادق ومراكز بيانات، وهي القطاعات التي تشكل جزءًا أساسيًا من النموذج الاقتصادي الإماراتي.
صحيح أنَّ أنظمة الدفاع الجوي المتطورة، المدعومة بتكنولوجيا أميركية ومعدات إسرائيلية، نجحت إلى حدٍّ كبير في الحد من الخسائر البشرية، إلّا أنَّ الضرر الأبرز أصاب الصورة التي بنتها الإمارات بعناية على مدى عقود باعتبارها واحة استقرار وملاذًا آمنًا للأعمال والاستثمارات. فإغلاق مضيق هرمز وما رافقه من اضطرابات في حركة التجارة البحرية أدى إلى اختناقات لوجستية في الموانئ وتراجع النشاط السياحي، ما أظهر مدى ارتباط الازدهار الاقتصادي الإماراتي باستقرار البيئة الإقليمية المحيطة.
ووصف مسؤولون إماراتيون تلك المرحلة بأنها لحظة مفصلية في تاريخ الدولة الحديث. ومع ذلك، لم تدفع التجربة أبوظبي إلى مراجعة جوهرية لسياساتها الخارجية. فلم تتجه إلى فك ارتباطها بإسرائيل، كما لم تنخرط في مواجهة مفتوحة مع إيران، بل اختارت تعزيز الركائز الأساسية للاستراتيجية التي تبنتها قبل الحرب، معتبرة أنَّ الأحداث الأخيرة تؤكد صحة خياراتها أكثر مما تستدعي تغييرها.
ومن أبرز مظاهر هذا التحوُّل تراجع الثقة الإماراتية بفاعلية الأطر العربية والإقليمية التقليدية. فخلال الأزمة، وجّه مسؤولون إماراتيون انتقادات متزايدة إلى الدول العربية والمنظمات الإقليمية بسبب ما اعتبروه غياب موقف حازم تجاه الهجمات الإيرانية. وانتقد أنور قرقاش علنًا أداء كل من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، معتبرًا أنَّ ردَّ فعلهما لم يرقَ إلى مستوى التهديد الذي واجهته دول الخليج.
وامتدَّ هذا التململ إلى مجلس التعاون الخليجي نفسه. فقد رأى مسؤولون ومعلقون إماراتيون أنَّ المجلس أخفق في بلورة موقف موحد تجاه إيران، في حين أثار النهج السعودي القائم على التهدئة والحوار استياءً متزايدًا داخل أبوظبي. وفي هذا السياق، اكتسب قرار الإمارات الانسحاب من منظمة “أوبك” دلالة سياسية إضافية، خصوصًا أنه تزامن مع انعقاد قمة إقليمية استضافتها السعودية، ما اعتبره مراقبون إشارة إلى اتساع الفجوة في الرؤى بين البلدين بشأن إدارة التحديات الإقليمية.
كما ظهرت تباينات مشابهة في العلاقة مع مصر. فعلى الرغم من مساهمة القاهرة في دعم الأمن الإماراتي عبر إرسال طائرات مقاتلة خلال الأزمة، شعر المسؤولون الإماراتيون بخيبة أمل من تمسُّك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بخيار المسارات الديبلوماسية وعدم انخراطه بصورة أوضح في جهود مواجهة إيران. وبالنسبة إلى أبوظبي، بدا أن بعض الحلفاء التقليديين يفضلون احتواء الأزمة بدلًا من مواجهتها.
في المقابل، ازدادت أهمية الولايات المتحدة في الحسابات الإماراتية رغم الأسئلة التي أثارتها الحرب حول مدى التزام واشنطن بأمن حلفائها. فقبل اندلاع المواجهة، اكتفت الإمارات بنفي استخدام القواعد الأميركية على أراضيها لشنِّ هجمات ضد إيران، من دون أن تسعى فعليًا إلى تقييد العمليات الأميركية. وبعد بدء القتال، اقترب الخطاب الإماراتي بصورة ملحوظة من مواقف التيار الأميركي الأكثر تشددًا تجاه طهران.
وتجلّى هذا التوجه بوضوح في تصريحات ومواقف رسمية لاحقة. فبعد أسابيع من اندلاع الحرب، دعا سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة في مقالٍ نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى مقاربة أكثر صرامة في التعامل مع إيران، معتبرًا أنَّ مجرد وقف إطلاق النار لا يكفي لمعالجة التحديات التي تطرحها طهران. كما أكد استعداد بلاده للمشاركة في ترتيبات أمنية أوسع تهدف إلى ضمان حرية الملاحة في الخليج، بما في ذلك إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة إذا اقتضت الضرورة.
وبذلك، يبدو أنَّ الحرب لم تدفع الإمارات إلى إعادة النظر في تحالفاتها الأساسية، بل عززت قناعة قيادتها بأنَّ مستقبل الدولة يكمن في توثيق ارتباطها بالقوى الدولية الكبرى، حتى وإن جاء ذلك على حساب التوافقات الإقليمية التقليدية. غير أنَّ هذا الخيار، الذي يوفر لأبوظبي أدوات نفوذ إضافية في المدى القصير، قد يفرض عليها في المستقبل تحديات أكثر تعقيدًا تتعلق بقدرتها على الحفاظ على استقلالية قرارها في بيئة دولية تزداد استقطابًا.
ومع ذلك، لم تُترجم الشراكة الإماراتية الوثيقة مع الولايات المتحدة إلى استجابة أميركية تلبي توقعات أبوظبي خلال الحرب. فقد وافقت إدارة الرئيس دونالد ترامب على وقف إطلاق نار محدود، ثم استبعدت الإمارات من المفاوضات اللاحقة مع إيران، كما لم تُظهر اهتمامًا كبيرًا بالهجمات الإيرانية التي استمرت في استهداف الأراضي الإماراتية بعد ذلك. لكن هذه التجربة لم تدفع أبوظبي إلى الابتعاد عن واشنطن، بل عززت مساعيها للحفاظ على العلاقة وتطويرها. وفي هذا السياق، دعا المبعوث الإماراتي الخاص بدر جعفر، في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في منتصف نيسان (أبريل)، الولايات المتحدة إلى عدم التفريط بشراكة وصفها بأنها “أثمن من أن تُترك من دون رعاية”.
وفي موازاة ذلك، دفعت الحرب الإمارات إلى تعزيز تقاربها مع إسرائيل. فعلى الرغم من انتقاد أبوظبي لبعض السياسات الإسرائيلية، بما في ذلك الضربات على لبنان، فإنها تجنبت التشكيك علنًا في الدور الإسرائيلي في التصعيد مع إيران. بل إنَّ المسؤولين الإماراتيين واصلوا التأكيد على أهمية العلاقة الثنائية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة. وأشارت وزيرة الدولة للتعاون الدولي ريم الهاشمي إلى أنَّ التعاون مع إسرائيل سيستمر، خصوصًا في مواجهة التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة.
وقد عززت الحرب هذا التوجه. فالمساعدة الإسرائيلية في مجال الدفاع الجوي أقنعت صناّع القرار الإماراتيين بأهمية الشراكات القادرة على توفير حماية ملموسة وقت الأزمات. وإذا كان التقارب مع إسرائيل قد بدأ بوصفه وسيلة لتعزيز النفوذ الإماراتي داخل واشنطن، فإنه تحول تدريجًا إلى ركيزة من ركائز الاستراتيجية الأمنية الإماراتية. وفي ظل تزايد الشكوك بشأن مدى التزام الولايات المتحدة طويل الأمد بأمن الشرق الأوسط، تنظر أبوظبي إلى إسرائيل باعتبارها شريكًا إقليميًا أكثر استقرارًا، وقادرًا على تعويض بعض أوجه عدم اليقين التي تفرضها التحولات في السياسة الأميركية أو التوترات مع دول المنطقة.
إلى أين تتجه أبوظبي؟
تبدو الحرب وكأنها ترسم حدودًا أوضح للخلافات الاستراتيجية بين الإمارات وبقية دول الخليج، ولا سيما السعودية. فبينما تتفق العاصمتان على ضرورة حماية أمن المنطقة، فإنهما تختلفان بصورة متزايدة حول كيفية التعامل مع إيران. إذ تميل أبوظبي إلى مقاربة تقوم على الردع والضغط الجماعي، في حين تواصل الرياض إعطاء الأولوية للمسار الديبلوماسي والبحث عن تسويات تفاوضية مع طهران.
وتُضعف هذه التباينات القدرة الخليجية على التأثير في الملفات الإقليمية الكبرى، كما تقلص هامش المشاركة الخليجية في المفاوضات الأميركيةـالإيرانية. وبالنسبة إلى الإمارات، قد توفر العلاقة المتنامية مع إسرائيل ضمانات أمنية إضافية، لكنها لا تستطيع أن تمنح أبوظبي الثقل السياسي والتفاوضي الذي يمكن أن يوفره موقف خليجي موحد.
وفي الوقت نفسه، تواجه الاستراتيجية الاقتصادية الإماراتية اختبارًا لا يقل صعوبة. فالنموذج الذي سمح للإمارات بالتحوُّل إلى مركز عالمي للمال والأعمال يعتمد في جوهره على الاستقرار والانفتاح. ورغم أنَّ دبي ستظل وجهة جاذبة لرؤوس الأموال الإقليمية، كما إنَّ زيادة إنتاج النفط قد تعوض جزءًا من الضغوط الاقتصادية، فإنَّ استمرار خطر المواجهة مع إيران يهدد أحد أهم عناصر القوة الإماراتية: قدرتها على جذب المواهب والاستثمارات والصناعات المتقدمة.
فالمكانة الدولية التي بنتها أبوظبي خلال العقدين الماضيين لم تقم فقط على الثروة النفطية، بل أيضًا على سمعتها كبيئة آمنة للأعمال والتكنولوجيا والابتكار. وكلما تعاظم خطر اندلاع مواجهات جديدة في الخليج، ازدادت صعوبة الحفاظ على هذه الصورة التي شكلت أساس صعود الإمارات إلى مصاف المراكز الاقتصادية العالمية.
ومع تزايد الضغوط على النموذج الاقتصادي الإماراتي واحتمال تراجع جاذبية الدولة للمستثمرين والكفاءات الأجنبية، قد تجد أبوظبي نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر جديدة للنفوذ والعائدات الاقتصادية في مناطق تتمتع فيها بهامش أكبر من التأثير المباشر، ولا سيما في أفريقيا. ومن خلال توظيف مواردها المالية وشبكة علاقاتها السياسية والأمنية، قد تسعى إلى تعزيز حضورها في قطاعات استراتيجية تشمل الموانئ وسلاسل الإمداد والمعادن الحيوية والبنية التحتية الرقمية.
غير أنَّ هذا المسار لا يخلو من التحديات. فقد أثارت الأنشطة الإماراتية في السودان انتقادات دولية متواصلة، كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على عدد من الشركات المرتبطة بشبكات يُشتبه في تعاونها مع قوات الدعم السريع. وفي أماكن أخرى، واجهت الشركات الإماراتية مقاومة متزايدة بسبب اتهامات بالسعي إلى فرض ترتيبات اقتصادية غير متكافئة. وكانت جيبوتي قد أنهت في وقت سابق امتياز شركة موانئ دبي العالمية وأممت الميناء الذي كانت تديره، فيما أدى الجدل المحيط بالدور الإماراتي في التقارب بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال (صوماليلاند) إلى اتخاذ مقديشو إجراءات ضد الشركة نفسها.
ورغم هذه الانتكاسات، لا تبدو أبوظبي مستعدة للتراجع عن رهانها الأفريقي. فشركاتها الكبرى، وفي مقدمتها موانئ دبي العالمية، لا تزال تنظر إلى القارة السمراء باعتبارها إحدى أهم ساحات التوسُّع المستقبلي. لكن استمرار السعي إلى ترجمة النفوذ الاقتصادي إلى نفوذ سياسي قد يزيد من تعقيد النزاعات المحلية ويثير مزيدًا من التحفظات الإقليمية والدولية تجاه الدور الإماراتي.
ويبقى مستقبل المنطقة عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه السياسة الإماراتية خلال السنوات المقبلة. فإذا انهارت المساعي الديبلوماسية مع إيران وتجددت المواجهة العسكرية، فقد تمضي أبوظبي نحو انخراطٍ أمني أكثر وضوحًا إلى جانب حلفائها، بما في ذلك إسرائيل. أما إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصُّل إلى تفاهمات طويلة الأمد تسمح بعودة الاستثمارات الأجنبية إلى إيران وتخفيف القيود الاقتصادية عليها، فقد تجد الإمارات مصلحة في إعادة بناء جسور التعاون مع محيطها الخليجي والعربي، وربما في الاستفادة اقتصاديًا من الانفتاح الإيراني نفسه.
لكن في المدى المنظور، يبدو أنَّ أبوظبي ستواصل السير في المسار الذي اختارته خلال السنوات الأخيرة: تعميق شراكتها الأمنية مع إسرائيل، والحفاظ على روابطها الوثيقة مع الولايات المتحدة، مع السعي في الوقت نفسه إلى توسيع نفوذها الاقتصادي خارج المنطقة. غير أنَّ هذا النهج يحمل مفارقة أساسية. فكلما سعت الإمارات إلى تعزيز أمنها عبر تحالفات خارجية، ازدادت احتمالات ابتعادها عن محيطها الطبيعي في الخليج والعالم العربي.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام الإمارات هو مواجهة إيران أو التعامل مع تقلبات السياسة الأميركية، بل تحقيق التوازن بين طموحها العالمي وموقعها الإقليمي. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها كقوة دولية مؤثرة تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى بيئة إقليمية مستقرة وشبكة من الشراكات المتوازنة مع جيرانها. ومن دون ذلك، قد تجد نفسها أكثر اعتمادًا على قرارات تُتخذ في واشنطن أو تل أبيب، وأبعد مما ترغب عن الاستقلال الاستراتيجي الذي جعلته هدفًا رئيسيًا لسياستها الخارجية.
- أندرو ليبر هو أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة تولين الأميركية، وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفِّيرز” الأميركية.
