هل تُصبِحُ سوريا بديلًا من مضيق هرمز؟

في ظل الاضطرابات التي تهدد طرق التجارة والطاقة التقليدية، تسعى سوريا إلى توظيف موقعها الجغرافي لتصبح محورًا للممرات البرية وخطوط الطاقة بين الخليج وأوروبا. غير أنَّ تحويل هذا الطموح إلى واقعٍ لا يزال يواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة.

مواطنون سوريون أمام قبر الجندي المجهول على جبل قاسيون المطل على دمشق، عبر شاشة عملاقة، الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع يلقي خطابًا في القصر الرئاسي خلال الكشف عن الشعار الوطني الجديد، في 3 تموز/يوليو 2025.

تشارلز ليستر*

عندما انهار نظام الرئيس السوري بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، سعت القيادة السورية الجديدة إلى تقديم مقاربة مختلفة لدور البلاد في محيطها الإقليمي والدولي. ففي أولى إشارات التحوُّل، أعلن الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع تبني سياسة خارجية تقوم على مبدَإِ “صفر مشاكل”، واضعًا نصب عينيه هدفين مترابطين: إنهاء العزلة التي عانت منها سوريا لسنوات طويلة وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

وسرعان ما بدأت هذه المقاربة تؤتي بعض نتائجها. فقد استقطبت سوريا خلال عام 2025 استثمارات وتعهّدات تمويلية من دول الشرق الأوسط تجاوزت قيمتها 28 مليار دولار، فيما تواصل تدفق مشاريع واستثمارات جديدة خلال عام 2026. ولم يكن هذا الاهتمام مرتبطًا فقط بفرص إعادة الإعمار، بل أيضًا بالرهان على استقرار سوريا ودورها المحتمل في إعادة رسم خرائط التجارة والطاقة والربط الاقتصادي في المنطقة.

وقد ازدادت أهمية هذا الدور مع اندلاع الحرب الحالية مع إيران وما نتج عنها من اضطرابات في مسارات التجارة والطاقة التقليدية. ففي ظل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز واستمرار التهديدات الأمنية في البحر الأحمر، بدأت سوريا تطرح نفسها بوصفها ممرًا بريًا بديلًا وأكثر مباشرة يربط آسيا بأوروبا عبر قلب الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، أخذت دمشق تروّج لرؤية تقوم على تحويل موقعها الجغرافي من مصدرٍ للتنافس والصراعات إلى عنصر قوة اقتصادية وجيوسياسية قادر على خدمة مصالح المنطقة وشركائها الدوليين.

هذا التحوُّل انعكس أيضًا على مستوى الحضور الدولي لسوريا. فقد دُعي وزير المالية السوري إلى المشاركة في قمة مجموعة السبع خلال أيار (مايو)، كما وُجِّهَت دعوة إلى الرئيس أحمد الشرع للمشاركة في قمة مماثلة في منتصف حزيران (يونيو). ويعكس هذا الانفتاح المتسارع اهتمامًا دوليًا متزايدًا بالدور الذي يمكن أن تؤديه سوريا في معالجة بعض التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية الناجمة عن الحرب مع إيران، وفي توفير بدائل طويلة الأمد لمسارات الطاقة والتجارة الإقليمية.

سوريا من ساحة صراع إلى عقدة عبور إقليمية

وفي هذا السياق، برزت إحدى أهم الرسائل التي حملتها القيادة السورية الجديدة خلال القمة الطارئة للاتحاد الأوروبي في قبرص في نيسان (أبريل)، حيث قدّم الشرع بلاده باعتبارها جُزءًا من الحل لمعضلة أمن الطاقة الأوروبية. وقال إنَّ سوريا، التي كانت لسنوات ساحة للصراعات، تسعى اليوم إلى أن تكون جسرًا للاستقرار والأمن وشريانًا بديلًا يربط آسيا الوسطى ودول الخليج بالقارة الأوروبية، في محاولة لتكريس موقعها كحلقة وصل استراتيجية في النظام الإقليمي الذي يتشكّل تحت ضغط التحوُّلات الجيوسياسية الراهنة.

وفي قبرص، طرح الشرع فكرة إحياء مشروع “البحار الأربعة” الذي بقي لسنوات مشروعًا غير مُنَفَّذ. ويقوم هذا التصوُّر على تحويل سوريا إلى نقطة ربط تجارية ولوجستية عبر شبكات من السكك الحديدية والطرق البرية وخطوط الأنابيب، تربط بين الممرات البحرية الممتدة من البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين وصولًا إلى الخليج العربي.

ومن شأن هذا المشروع العابر للحدود أن يساهم في تقليص الاعتماد على مضيق هرمز من خلال إنشاء شبكة من الممرات البرية عبر الشرق الأوسط باتجاه أوروبا. وقد جاء الإعلان عنه بعد زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق، وإعلان تركيا إنهاء القيود الجمركية مع أرمينيا، وهما خطوتان تعدان ضروريتين للوصول إلى البحر الأسود وبحر قزوين والاستفادة من ممراتهما التجارية.

ومع ذلك، فإن الرؤية التي طرحها الشرع تحتاج إلى سنوات طويلة قبل أن تصبح واقعًا. فسوريا لا تزال تفتقر إلى الموارد المالية اللازمة حتى لتأمين رواتب موظفي القطاع العام، في وقت تُقدَّر فيه كلفة إعادة إعمار البلاد بمئات مليارات الدولارات.

كما إنَّ النقل البري، رغم ما يوفره من سرعة ومرونة، لا يستطيع أن يحلَّ محل النقل البحري من حيث الحجم والقدرة الاستيعابية. فحتى قبل الحرب الحالية مع إيران، كان نحو 27% من نفط العالم، و20% من الغاز الطبيعي المسال، و30% من الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز. أما في ما يتعلق بالسلع الاستهلاكية، فيعبر المضيق ما لا يقل عن 26 مليون حاوية سنويًا، ما يجعل أي إغلاق له تهديدًا مباشرًا للتجارة العالمية. وبالنسبة إلى دول الخليج، يبقى الأمن الغذائي هاجسًا أساسيًا، إذ تستورد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية عبر هذا الممر الحيوي.

ومع ذلك، إذا نجحت سوريا في تحقيق طموحها بالتحوُّل إلى مركز لوجستي وممر تجاري إقليمي، فإنها قد تساهم في تخفيف الاعتماد المفرط على مضيق هرمز. وعندها يمكن أن تتحوَّل إلى شريان بري بديل ضمن شبكة أوسع من الممرات التجارية الجديدة التي تمتد من الخليج إلى الأردن ومصر وصولًا إلى الأسواق الأوروبية.

الأمن الغذائي والتجارة: البحث عن بدائل لهرمز

وسيكون لنجاح مثل هذا المسار تأثير يتجاوز حدود سوريا ليطال دول المنطقة ومنتجي الطاقة في الخليج والمستهلكين في أوروبا على حد سواء. فإغلاق إيران لمضيق هرمز أدى إلى ارتفاعٍ حاد في كلفة التأمين على الشحن البحري، وهي كلفة لا يتوقع أن تعود إلى مستويات ما قبل النزاع حتى في حال استعادة الاستقرار، ما يمنح خيارات النقل البري ميزة تنافسية ذات طابع هيكلي على المدى الطويل.

وعلى نطاق أوسع، فإنَّ تعافي سوريا وعودتها إلى مسار النمو والازدهار من شأنهما أن ينعكسا إيجابًا على محيطها الإقليمي، بما يعزز فرص الاستقرار والتكامل الاقتصادي في المشرق العربي، وهي معادلة نادرًا ما شهدتها المنطقة بهذا الحجم من قبل.

وليس من قبيل المصادفة أن تتقاطع الرؤية الاقتصادية التي يطرحها الشرع مع التحديات الأمنية والديبلوماسية التي يواجهها العالم اليوم. فاستقطاب الدعم والاستثمار الخارجيين يتطلّب وجود دافع جيوسياسي واضح، وإلّا فإنَّ الدعوات السورية إلى الاستثمار قد لا تجد آذانًا صاغية. ورُغمَ صحّة التقديرات التي تشير إلى حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية السورية وصعوبة عملية إعادة الإعمار، فإنَّ أيَّ مشروع تحوّلي يبدأ من نقطة انطلاق، ولا يبدو أنَّ الشرق الأوسط كان في حاجة إلى فرص تعزز الترابط الإقليمي والمصالح المشتركة كما هو الحال اليوم.

وتبرز في هذا السياق فرصة أخرى تتمثل في الاستجابة للهواجس المتزايدة المرتبطة بالأمن الغذائي في الخليج، حيث يُستورد نحو 85% من الغذاء عبر مضيق هرمز. ورُغمَ أنَّ المخزونات الاستراتيجية الكبيرة والقدرات المالية المتاحة سمحت لدول المنطقة بتفادي أيِّ نقصٍ كبير في الإمدادات حتى الآن، فإنَّ استمرار حالة عدم اليقين يدفع إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة.

وفي هذا الإطار، تدرس المملكة العربية السعودية جدوى إنشاء خط سكة حديد فائق السرعة لنقل المواد الغذائية وغيرها من السلع التجارية من سوريا مرورًا بالأردن وصولًا إلى مدينة عرعر شمال المملكة، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بتطوير ممرات برية بديلة للتجارة والإمدادات.

وفي الوقت نفسه، أنشأت سوريا والأردن وتركيا هيئة ثلاثية تهدف إلى تطوير ممر تجاري إقليمي يعتمد على شبكة الطرق البرية، وعلى المدى الأبعد على إعادة تأهيل خط سكة حديد الحجاز لربط ميناء العقبة بالموانئ التركية عبر الأراضي السورية. ومرة أخرى، فإنَّ نجاح مشاريع من هذا النوع من شأنه أن يحد من الاعتماد على مضيق هرمز، ويمنح سوريا موقعًا محوريًا ضمن منظومة الممرات التجارية البديلة التي يجري التفكير بها في المنطقة.

سوريا على خريطة الطاقة الجديدة

ويبدو أنَّ مشهد الربط الإقليمي في مجال الطاقة مُرَشَّح لتحوّلات مهمة خلال السنوات المقبلة. فهناك ما لا يقل عن أربعة مشاريع رئيسة لخطوط أنابيب النفط والغاز العابرة للحدود تخضع حاليًا لتقييمات فنية بهدف إعادة تأهيلها وتفعيلها أو توسيع نطاقها ليشمل سوريا وما بعدها. وتشمل هذه المشاريع خط أنابيب الغاز العربي الممتد من مصر إلى تركيا عبر الأردن وسوريا، وخط كركوك ـ بانياس بين العراق وسوريا، وخط أنابيب قطر ـ تركيا الذي يمر عبر السعودية والأردن وسوريا، إضافة إلى مشروع إعادة تفعيل خط الأنابيب العربي العابر للحدود من السعودية إلى سوريا ولبنان عبر الأردن.

وفي موازاة ذلك، جرى بالفعل تمديد خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول، الذي يربط أذربيجان بتركيا ومنها إلى أوروبا، جنوبًا باتجاه حلب، ما ساهم في تعزيز استقرار شبكة الكهرباء في شمال سوريا. وإذا ما أُنجزت هذه المشاريع، فإنها قد تسهم في إعادة توجيه جزء من تدفقات النفط والغاز بعيدًا من المسارات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، بما يخفف من المخاوف المتزايدة المرتبطة بأمن الطاقة، ولا سيما في أوروبا.

ورُغمَ أنَّ تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة، فإنَّ بعضَ منتجي الطاقة في المنطقة بدأ بالفعل في استخدام سوريا كممرٍّ بديل. فالعراق ينقل جُزءًا من نفطه عبر الأراضي السورية إلى أسواق البحر الأبيض المتوسط والمشترين الأوروبيين، فيما تشير تقارير إلى أنَّ الإمارات العربية المتحدة ودولًا خليجية أخرى تتجه إلى الاستفادة من المسار نفسه.

وبطبيعة الحال، فإنَّ تطوير هذه المشاريع الاستراتيجية يتطلّبُ استثمارات ضخمة من الأطراف الراغبة في الاستفادة من الممرات الجديدة. وفي هذا السياق، كانت السعودية وقطر من أوائل الداعمين، من خلال إبرام اتفاقيات استثمارية في قطاعات الطاقة والنقل الجوي، فيما أنشأت السعودية ممرًّا للبيانات يربط شرق سوريا بساحل البحر الأبيض المتوسط. كما تعمل دولة الإمارات على توسيع حضورها الاستثماري، بما في ذلك من خلال ملكيتها لميناء طرطوس وخطط تطويره وتوسيع قدراته.

وفي الوقت الراهن، أبرمت معظم شركات الطاقة الكبرى في الشرق الأوسط اتفاقيات مرتبطة بقطاع النفط والغاز السوري، من بينها قطر للطاقة وشركة الحفر العربية، في مؤشر إلى تنامي الاهتمام الإقليمي بإمكانات السوق السورية ودورها المستقبلي في منظومة الطاقة والنقل الإقليمية.

كما لعبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب دورًا بارزًا في هذا المسار، من خلال الإسراع في رفع العقوبات، وتقديم الدعم السياسي، وتسهيل دخول شركات الطاقة الأميركية إلى السوق السورية، بما في ذلك توقيع اتفاقيات مع شركتي “شيفرون” و”كونوكو فيليبس”. ولا يزال هذا الدعم يُشكّل عاملًا مهمًّا في تعزيز فرص الاستثمار، إلى جانب تعهُّد ترامب بالعمل على إزالة تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، وهو التصنيف الذي فُرض خلال عهد الرئيس السابق بشار الأسد.

غير أنَّ نجاح هذا المسار، واستمرار اندماج سوريا في النظامَين الاقتصادي والتجاري الدوليين، يبقيان مرتبطين بتراجع الضغوط التي يمثلها خصماها الرئيسيان.

فإيران، التي تكبدت خسائر كبيرة خلال الأشهر الأخيرة، تبدو مرشحة للانشغال بأولويات إعادة البناء ومعالجة تداعيات المواجهات التي خاضتها، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على التأثير في الساحة السورية خلال المرحلة المقبلة.

أما الطرف الآخر، وهو إسرائيل، فما زال يتبع سياسة تقوم على إضعاف سوريا ومنعها من استعادة مقوّمات قوتها ووحدتها. وفي هذا السياق، شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، تمثل في زيادة التوغلات البرية وتكثيف الضربات المدفعية بوتيرة لافتة.

ولا يقتصر خطر هذه السياسات على تهديد الاستقرار السياسي والأمني في مرحلة انتقالية لا تزال هشّة، بل يمتد أيضًا إلى تقويض فرصة قد تكون نادرة لإرساء أسس استقرار اقتصادي طويل الأمد، ليس في سوريا وحدها، بل في منطقة بأسرها لا تزال تعاني من مستويات عالية من عدم الاستقرار وعدم اليقين.

Exit mobile version