شو يعني لبنان من دُون صُوْر؟

هنري زغيب*

 حين ينفلتُ التنِّين من عِقاله والضوابط، لا يعودُ السؤَال عن دوافعه والأَسباب والمسبِّبات، بل يَهْلَع القلب، ويَهْرَع السؤَال عما يسبِّبه انفلاتُ التنِّين جموحًا من كوارثَ وأَضرارٍ وفواجعَ لا يعود يحدُّها وصف ولا معيار.

هذا ما صَفَعَنا جميعَنا طيلةَ هذا الأُسبوع من تهديد وتبديد وترديد لإِخلاء مدُنٍ وقُرًى مقدَّسة، وما تلاها من هجوم التنين فاغرًا شدقيه، مائجًا هائجًا، تتفجَّر من بُلعومه القذِر نيرانٌ عمياء هوجاء رعناء تُرمِّد كلَّ ما تُصيبه فينهارُ بلا قرار.

وبلغَ أَمرُ الإِخلاءِ الكاملِ حواضرَ من لبنان، كلُّ حجرٍ منها إِرثٌ إنسانيٌّ وثروة حضارية، فإذا بتلك الحواضر اليوم قفراءُ إِلَّا من صدى أَنينِ جرحى، ونَدْبِ أَرامل، وتفَجُّعِ يتامى، وحشرجةِ نازحين هاربين من مطارحهم لا بغُصَّةِ فِراق بل بغُصَّة موت.

قفْراء، قلتُ؟ مَن يمكنه أَن يتجاسر حتى على التفكير بالنبطية مفْرغةً من أَهلها العريقين بلبنانيَّتهم؟

وصُوْر… صُوْر العظيمةُ الحاملةُ حتى اليوم نبضاتِ الزمان، صُوْر مرضعةُ الحضارة ومجدُ التاريخ صُوْر فارغةٌ من أَهلها صُنَّاع شموس الحضارة؟ أَقول: صُوْر، ويرتجف وجداني، ويرتجُّ بي هلَع التاريخ: شو يعني لبنان من دون صُوْر؟

شو يعني لبنان من دون قانا التي شهِدَت على أَرضها أُلوهةَ يسوع؟

شو يعني لبنان من دون قلعة شْقيف أَرنون، وهي تاج على قمة تاريخنا البهيّ؟

شو يعني لبنان من دون اللؤْلؤَة جويَّا، الموسومةِ “نجمة الصباح”، وهي قلبُ جبل عامل، وحاضنةُ أَعرق العتَبات المقدَّسة مساجدَ وحسينياتٍ وعيونَ ينابيع؟

شو يعني لبنان من دون جبل عامل، جبلِ الجليل، قلعةِ قلاع ومفكِّرين وعلماء وفقهاء وفضَلاء وشرفاء ومُفْتين ومزاراتٍ ومشاهدَ وأَسيادٍ وأَئِمةٍ ومكتباتِهم الخاصة وآثارِهم ومخطوطاتِهم وفتاواهم والكنوزِ التاريخية والدينية؟

الدولة تحرَّكَت بما عليها، لكنَّ هذا التدميرَ والترميدَ ومحوَ الهوية والإِرثَ الإِنساني، عناصرُ هدْمٍ لا يلجُمُها سوى تَدَخُّل المنظمات الأُممية والإِنسانية الرئيسة، والمؤَسسات والجهات الدولية، من مجلس الأَمن والأُمم المتحدة، فدَورها الحفاظ على سلامة البشرية، ومنظمة الأُونسكو ودورُها الحفاظ على تراث العالم ماديِّه وغيرِ المادي.

لبنان، عنوانُه على الصفحة الأُولى من سِفْر تاريخ العالم. فلْيبادرْ أَسيادُ القرار في العالم إِلى إِنقاذ لبنان الحضارة والتاريخ والذاكرة. شو يعني العالم الحضاري من دون لبنان وطنِ الحضارة؟ فَلْيُبادروا بالحزم والعزم والحسم قبل أَن تَبلغَ شعبَهم ووطنَهم نارُ هذا التنين، فتصيبَهم لعنةُ التاريخ، ولعنةُ الفينيقيين، والأَهمُّ الأَهمّ: لعنةُ لبنان.

Exit mobile version