الاستِعمارُ المناخي… الوَجهُ الجديد للنفوذ الغربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لم يعد التحوُّل الأخضر قضيةً بيئية فحسب، بل أصبح جُزءًا من معادلات النفوذ والاقتصاد العالمي. وبينما تُقدَّم سياسات المناخ بوصفها استجابة لأزمة تُهدّد البشرية، تتهم دول الجنوب، بما فيها دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، النظام المناخي العالمي بإعادة إنتاج علاقات الهيمنة والتبعية بأدوات جديدة.

من شرم الشيخ إلى العالم… يبقى السؤال: من يدفع ثمن التغير المناخي؟

أنجي عمر*

اعتدنا النظر إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من منظورٍ جيوسياسي تحكمه الحروب والحدود وخطوط الطاقة. غير أنَّ المنطقة تشهد اليوم صراعًا من نوع آخر، أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا، يتمحور حول الموارد التي تقوم عليها عملية التحوُّل نحو الاقتصاد الأخضر. فبينما تُقدِّم الدول المتقدّمة هذا التحوُّل بوصفه مشروعًا عالميًا لإنقاذ المناخ، يرى كثيرون في العالم النامي أنه يُعيدُ إنتاج أنماط قديمة من التبعية والهيمنة الاقتصادية تحت شعارٍ بيئي جديد. وإذا ما تجاوزنا اللغة الديبلوماسية والمصطلحات التقنية، بدا أنَّ جُزءًا من السياسات المناخية المطروحة لا يعكس شراكة متكافئة في مواجهة أزمة عالمية، بقدر ما يكرّس ما بات يُعرف بـ”الاستعمار المناخي”، حيث تتحمل الدول الأقل مسؤولية عن الأزمة جُزءًا كبيرًا من كلفة معالجتها.

وتبرز مفارقة هذا الواقع عند النظر إلى توزيع المسؤولية عن تغيُّر المناخ وتوزيع أعباء مواجهته. فعلى مدى أكثر من قرنين، بنت الدول الصناعية ثرواتها، وأدارت اقتصاداتها، ورفعت مستويات المعيشة فيها عبر الاعتماد المكثّف على الوقود الأحفوري، مُستهلكةً بذلك القسم الأكبر من “ميزانية الكربون” العالمية. أما اليوم، وبعدما أصبحت آثار الاحتباس الحراري تُهدّد الجميع، تدفع هذه الدول باتجاه أهدافٍ موحَّدة لخفض الانبعاثات، من دون أن تأخذ بالقدر الكافي في الاعتبار التفاوت التاريخي في المسؤولية أو الفوارق التنموية بين الدول. وهكذا، تجد بلدان عدة في “عالم الجنوب” أنفسها مطالبة بتحمل كلفة انتقال لم تشارك إلّا بقدر محدود في صنع أسبابه.

في جوهر الأمر، تبدو هذه معايير مزدوجة يصعب تجاهلها. فبعدما حققت الدول الصناعية مستويات مرتفعة من النمو والرفاه بفضل الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري، باتت تطالب الدول النامية بالانتقال الفوري إلى اقتصادٍ مُنخفض الكربون، وكأنها تسحب “سلّم التنمية” الذي صعدت عليه، ثم تمنع الآخرين من استخدامه. وقد شكّل هذا التناقض أحد أبرز أسباب التوتر في العلاقات بين الغرب والصين، التي ترى أنَّ قواعد الاقتصاد الأخضر تُستخدم أحيانًا للحد من صعود القوى الاقتصادية الجديدة أكثر مما تُستخدَم لحماية المناخ.

ولا تقتصر هذه الإشكالية على الصين. فدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي لم تُسهِم إلّا بنسبةٍ محدودة من الانبعاثات التاريخية، تجد نفسها اليوم من بين أكثر المناطق تعرّضًا لآثار التغيّر المناخي، من موجات الحر غير المسبوقة إلى تراجع الموارد المائية واتساع رقعة الجفاف. ومع ذلك، لا تزال هذه الدول تواجه ضغوطًا متزايدة لاعتماد تخفيضات سريعة وحادة في الانبعاثات، رُغمَ أنَّ مسؤوليتها التاريخية عن الأزمة تبقى محدودة مقارنة بالدول الصناعية.

التحوُّل الأخضر… حين تصبح العدالة المناخية محل سؤال

وفي الوقت نفسه، تتجه الأنظار الغربية إلى بلدان مثل مصر والمغرب بوصفها مواقع مثالية لمشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، مستفيدة من وفرة الموارد الطبيعية وقربها الجغرافي من أوروبا. وتُقدَّم هذه المشاريع غالبًا باعتبارها نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولي في مواجهة التغيُّر المناخي، غير أنَّ توزيع مكاسبها يثير كثيرًا من التساؤلات. فجُزءٌ كبير من الكهرباء النظيفة المنتجة لا يُستخدم لتعزيز أمن الطاقة المحلي أو تحسين خدمات الكهرباء أو خفض كلفتها على المجتمعات المضيفة، بل يُنقل عبر كابلات بحرية إلى أوروبا لتلبية احتياجاتها الصناعية والاستهلاكية. وهكذا، يتحوّل بعض مشاريع “التحوُّل الأخضر” إلى نموذج جديد لتصدير الموارد، لكن هذه المرة في صورة طاقة نظيفة بدل النفط والغاز.

ولا يختلف الجدل كثيرًا حول سوق “تعويض الكربون”. فمن الناحية النظرية، تقوم هذه الآلية على تمويل مشاريع بيئية تمتصُّ كمية من ثاني أوكسيد الكربون تعادل الانبعاثات التي تنتجها الشركات. لكن منتقدين يرون أنها تحوّلت، في كثيرٍ من الحالات، إلى وسيلة تسمح لكبار الملوِّثين مواصلة أنشطتهم مع نقل عبء المعالجة إلى الدول النامية. فشركات طيران عملاقة، وشركات نفط، وشركات تكنولوجيا كبرى، مثل “دلتا إيرلاينز”، و”شل”، و”مايكروسوفت”، و”ميتا”، و”توتال إنيرجيز”، استثمرت في شراء مساحات واسعة من الأراضي في دول أفريقية، بينها كينيا وتنزانيا وأوغندا وزيمبابوي، لتمويل مشاريع تشجير أو حفظ للغابات تُحتسب ضمن أرصدتها الكربونية. ويرى منتقدو هذه الممارسات أنها تضعف الحافز لخفض الانبعاثات عند مصدرها، وتحوّل أراضي الدول النامية إلى أداة لتعويض التلوث الذي ينتجه الآخرون.

ويكتمل هذا المشهد بما يصفه كثيرون بـ”الفخ المالي”. فعندما تحتاج دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى تمويل للتكيُّف مع التداعيات المتزايدة للتغيُّر المناخي، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر الذي يهدد دلتا النيل في مصر أو موجات الجفاف المتكررة، نادرًا ما تحصل على تعويضات تتناسب مع المسؤولية التاريخية للدول الصناعية عن الأزمة. وبدلًا من ذلك، يُعرَضُ عليها ما يُعرف بـ”التمويل المناخي”، الذي يأتي في كثير من الأحيان في صورة قروض سيادية مرتفعة الكلفة، لا منح أو تعويضات. وبذلك تجد هذه الدول نفسها مضطرة إلى الاستدانة لمواجهة أزمة لم تكن مسؤولة عن صنعها، ما يضيف أعباء مالية جديدة إلى تحدياتها التنموية والبيئية.

وتؤدي هذه المقاربة إلى تكريس حلقة مفرغة من التبعية المالية. فبدلًا من توجيه الموارد المحدودة إلى تطوير أنظمة الصحة والتعليم والبنية التحتية، تجد الدول الفقيرة نفسها مضطرة إلى تخصيص جُزءٍ متزايد من موازناتها لسداد ديون مستحقة لمؤسسات مالية ومصارف في واشنطن ولندن وبروكسل. وقد برز هذا الجدل بوضوح خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “كوب27” الذي استضافته شرم الشيخ عام 2022، حين دعت مصر، ومعها عدد من الدول النامية، إلى زيادة المنح وإنشاء آليات حقيقية لتعويض الدول الأكثر تضرُّرًا عن الخسائر التي تسبب بها تغيُّر المناخ. ورغم أنَّ مبادرات مثل برنامج “نوفي” (NWFE) (ترابط المياه والغذاء والطاقة) نجحت في استقطاب استثمارات بمليارات الدولارات، فإنَّ القسم الأكبر من هذا التمويل جاء في صورة قروض أو أدوات تمويل مختلط، لا تعويضات مباشرة، وهو ما عزز المخاوف من أن تتحول مواجهة التغير المناخي إلى مصدر جديد لتراكم الديون بدلًا من أن تكون فرصة لتحقيق التنمية المستدامة.

من الطاقة الخضراء إلى التبعية الخضراء

ومن هنا، يطرح كثيرون سؤالًا يتجاوز الاقتصاد إلى طبيعة النظام الدولي نفسه: هل انتهى الاستعمار فعلًا بخروج الجيوش الأجنبية من المنطقة، أم أنه غيّر أدواته فقط؟ فبدلًا من السيطرة المباشرة على الموارد، برز نموذج جديد يوظف شعارات الاستدامة، وأسواق الكربون، ومشاريع الطاقة الخضراء لإعادة إنتاج علاقات اقتصادية غير متكافئة. صحيح أنَّ السياقات التاريخية تختلف، لكن التشابه البنيوي يبقى لافتًا. ففي الماضي، استفاد الغرب من النفط والغاز اللذين وفّرتهما المنطقة لبناء قوته الاقتصادية، أما اليوم، فهو يتطلّع إلى استثمار شمسها ورياحها وأراضيها لتأمين انتقاله إلى الاقتصاد الأخضر. والنتيجة، في نظر منتقدي هذا النموذج، أنَّ الدول الصناعية تضمن لنفسها طاقة نظيفة وهواءً أقل تلوثًا، فيما تواجه دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في الوقت نفسه، آثار الجفاف، وشح المياه، وارتفاع المديونية، وأشكالًا جديدة من التبعية الاقتصادية.

لا خلاف على أنَّ تغيُّر المناخ يمثّل أحد أخطر التحديات التي تواجه البشرية، وأنَّ التعامل معه يتطلّب تحرُّكًا جماعيًا وسريعًا. لكن نجاح هذا التحرّك يظلُّ مرهونًا بقدرته على تحقيق العدالة، لا بالاكتفاء بإعادة توزيع الأعباء. فالتحوُّل الأخضر لن يكون عادلًا ما لم يُترجم مبدأ “المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة” إلى سياسات عملية، تقوم على زيادة المنح بدلًا من القروض، وتعويض الدول الأكثر تضررًا، وتعزيز ملكيتها لمشاريع الطاقة المتجددة، وضمان أن تكون المجتمعات المحلية أول المستفيدين من مواردها الطبيعية. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى من الصعب إقناع كثير من دول الجنوب بأنَّ النظام المناخي العالمي يمثل شراكة متكافئة، لا مجرد نسخة جديدة من نظام قديم، وإن ارتدى هذه المرة اللون الأخضر.

Exit mobile version