من بيروت إلى دمشق… فرصةٌ تاريخيّة لإعادةِ تَشكيلِ المشرق العربي
تفتح التحولات السياسية في لبنان وسوريا نافذة غير مسبوقة لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين. وإذا أُحسن استثمارها، فقد تتحول من مصالحة ثنائية إلى مشروع إقليمي يعيد وصل المشرق العربي بمحيطه العربي والمتوسطي.

بول سالم*
لم تكن زيارة رئيس الوزراء اللبناني نوّاف سلام إلى دمشق ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع في مطلع هذا الشهر مجرّد محطة بروتوكولية أو خطوة في إطار المجاملات الديبلوماسية المعتادة بين دولتين جارتين. فالزيارة حملت دلالات سياسية تتجاوز بُعدَها الثُنائي المباشر، إذ عكست بداية مرحلة قد تؤسّس لتحوُّلٍ جذري في طبيعة العلاقات اللبنانيةـالسورية بعد عقود طويلة طبعتها الشكوك المتبادلة واختلال موازين القوة والتجاذبات الإقليمية. كما جاءت في توقيتٍ يشهد الشرق الأوسط تحوُّلات جيوسياسية وجيواقتصادية عميقة تُعيدُ رسمَ خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة.
وعلى امتداد نحو خمسة عقود، اتسمت العلاقة بين دمشق وبيروت بدرجاتٍ متفاوتة من التوتر وعدم التكافؤ. فقد نظر النظام السوري، في مراحله المتعاقبة منذ عهد البعث وصولًا إلى حكم آل الأسد، إلى لبنان باعتباره ساحة نفوذ حيوية أكثر منه دولة ذات سيادة كاملة، ما انعكس في تدخُّلات سياسية وأمنية متكرّرة ودعم فاعلين مسلّحين خارج مؤسسات الدولة اللبنانية. وفي الوقت الذي نسجت دمشق تحالفاتها الاستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي سابقًا ثم مع إيران لاحقًا، سعت الحكومات اللبنانية المتعاقبة إلى الحفاظ على علاقاتٍ وثيقة مع دول الخليج العربي وأوروبا والولايات المتحدة. وزادت الحرب السورية من تعقيد المشهد مع انخراط “حزب الله” عسكريًا إلى جانب قوات النظام السوري في مواجهة فصائل المعارضة.
اليوم، يفتح سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد وصعود قيادات جديدة في كلٍّ من دمشق وبيروت نافذة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين البلدين على أُسُسٍ مختلفة. فللمرة الأولى منذ عقود طويلة، تبدو سوريا ولبنان جُزءًا من فضاءٍ سياسي وإقليمي أكثر تقاربًا، ما يتيح إمكانية بناء شراكة تستند إلى مبادئ السيادة المتبادلة وعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية واحترام المصالح الوطنية لكلِّ طرف. ولا يقتصر أثر هذا التحوُّل على العلاقات الثُنائية فحسب، بل يمتدُّ إلى مستقبل المشرق العربي ككل، حيث يبرز احتمال استعادة دوره التقليدي كمركزٍ للتواصل التجاري والترابط الاقتصادي والاستقرار الإقليمي بعد سنواتٍ من الصراعات والانقسامات التي أضعفت المنطقة.
من إرث الهيمنة إلى شراكة السيادة
وفي هذا السياق، تبرز الأولوية السياسية باعتبارها المدخل الأساسي لأيِّ مسارٍ جديد بين البلدين. فإعادة بناء الثقة تتطلّب أولًا ترسيخ تفاهُم واضح يقوم على الاعتراف الكامل باستقلال كل دولة وسيادتها وسلامة أراضيها، واحترام حقها في اتخاذ قراراتها الوطنية بعيدًا من الضغوط أو الوصاية. ومن دون هذا الأساس السياسي، ستظل فرص الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا وتعاونًا عرضة للاهتزاز أمام إرثٍ طويل من الأزمات والتدخّلات المتبادلة.
وبالنسبة إلى دمشق، فإنَّ ترسيخَ هذا النهج الجديد يقتضي الإقرار بأنَّ وجودَ لبنان مستقل ومستقر وذي سيادة كاملة يشكّل عنصر استقرار إقليمي ومصلحة مشتركة، لا تهديدًا أمنيًا أو ساحة نفوذ مفتوحة. أما بيروت، فتواجه بدورها اختبارًا يتمثّل في ترجمة مفهوم السيادة إلى سياسات عملية، والتعامل مع سوريا بوصفها دولة جارة ضمن إطار العلاقات الرسمية بين الدول، بعيدًا من الاعتبارات التي حكمت العلاقة خلال العقود الماضية. ويستلزم ذلك من الطرفين تجاوز إرث طويل من الأزمات والشكوك المتبادلة، والعمل على بناء الثقة عبر التعاون المؤسّسي والاحترام المتبادَل وتغليب المصالح المشتركة.
وكشفت المباحثات التي جرت في دمشق عن اتساع نطاق الملفّات المطروحة على جدول الأعمال الثنائي. فإلى جانب القضايا السياسية، برزت الأولويات الاقتصادية والخدماتية والأمنية بوضوح من خلال مشاركة الوزراء المعنيين بقطاعات الطاقة والنقل والاقتصاد، في مؤشّرٍ إلى رغبة الحكومتين في الانتقال من إدارة الخلافات إلى معالجة القضايا العملية التي تمسُّ مصالح البلدين بشكل مباشر.
ويأتي الملف الأمني في مقدمة هذه الأولويات، ولا سيما على طول الحدود اللبنانيةـالسورية الممتدة، والتي ظلت لسنوات مصدرًا لتحديات أمنية واقتصادية معقدة. فالحكومتان تتقاسمان مصلحة واضحة في الحد من عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات والمحروقات وسائر الأنشطة غير المشروعة التي تستنزف مواردهما وتضعف سلطة الدولة. كما يكتسب استكمال عملية ترسيم الحدود وتثبيتها أهمية خاصة، ليس فقط لتنظيم العلاقة بين البلدين، بل أيضًا لما يترتّب عليه من تداعيات إقليمية، خصوصًا في المناطق الحساسة مثل مزارع شبعا التي يرتبط وضعها القانوني والسيادي بمسارات التفاوض الحدودي بين لبنان وإسرائيل.
وفي موازاة ذلك، تبرز ملفات إنسانية وسياسية عالقة تتطلّب معالجة جادة، وفي مقدمتها قضية المحتجزين والمفقودين، وهي من الملفات التي لا تزال تلقي بظلالها على الذاكرة الجماعية في البلدين وتشكل اختبارًا مهمًا لجدية مسار المصالحة وبناء الثقة.
التكامل الاقتصادي واستعادة دور المشرق
اقتصاديًا، يبدو التعاون الثنائي أحد أكثر المجالات الواعدة لتحقيق نتائج ملموسة وسريعة. فثمة مصالح مشتركة واضحة في تسهيل الإجراءات الجمركية، وتنشيط حركة التجارة والاستثمار، وتعزيز التنسيق في قطاعات حيوية تشمل الكهرباء والطاقة والمياه والنقل والخدمات اللوجستية. ومن شأن إعادة تفعيل هذه الروابط أن توفر مكاسب اقتصادية مباشرة للبلدين، وأن تُمهّدَ في الوقت نفسه لقيام شبكة أوسع من التكامل الاقتصادي الإقليمي في المشرق العربي.
ولا يُعَدُّ هذا التوجه جديدًا بالكامل، إذ إنَّ لبنان وسوريا شكّلا تاريخيًا جُزءًا من فضاءٍ اقتصادي مترابط. فخلال العقود الأخيرة من العهد العثماني، ثم خلال فترة الانتداب الفرنسي ومراحل الاستقلال الأولى، نشأت بين البلدين منظومة اقتصادية متكاملة استندت إلى الأسواق المشتركة وشبكات النقل المتداخلة والبنية التحتية الاستراتيجية التي ربطت المرافئ والمدن والمراكز التجارية في المشرق. وقد أسهم هذا الترابط في تعزيز الحركة التجارية وتدفق السلع ورؤوس الأموال والأفراد، قبل أن تؤدي التحوّلات السياسية والصراعات الإقليمية اللاحقة إلى إضعاف هذه الروابط وتفكيك جزء كبير منها.
ولم يكن هذا الترابط الاقتصادي مجرّد نتيجة للجوار الجغرافي، بل استند أيضًا إلى شبكة من البنى التحتية الاستراتيجية التي جعلت من المشرق العربي عقدة رئيسة لحركة الطاقة والتجارة بين الخليج والبحر المتوسط. فقد ربطت خطوط الأنابيب الكبرى المنطقة بمصادر الطاقة الخليجية والعراقية، حيث نقل أحدها النفط من حقول كركوك العراقية عبر الأراضي السورية إلى ميناءَي بانياس وطرابلس، فيما امتد خط آخر من بقيق في المملكة العربية السعودية مرورًا بالأردن وسوريا، بما في ذلك هضبة الجولان، وصولًا إلى منشآت الزهراني قرب صيدا. وفي ذلك الوقت، لعبت بيروت وطرابلس دورًا محوريًا بوصفهما المنفذين البحريين الرئيسيين لسوريا وللعديد من المناطق العربية الداخلية، ما عزز مكانة البلدين ضمن شبكة اقتصادية إقليمية مترابطة.
واليوم، تعود هذه الاعتبارات الجغرافية والاقتصادية إلى الواجهة في ظلِّ التحوّلات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. فدول الخليج تستثمر بشكلٍ متزايد في تطوير ممرات جديدة للنقل والطاقة والتكنولوجيا والتجارة تمتد عبر الأردن وسوريا، بهدف ربط شبه الجزيرة العربية بالمشرق العربي وتركيا وشرق البحر المتوسط والأسواق الأوروبية. كما إنَّ التوتّرات الإقليمية المتكررة وما كشفته من هشاشة استراتيجية في ممرات الملاحة البحرية، ولا سيما في مضيق هرمز، أعادت التأكيد على أهمية المسارات البرية البديلة باتجاه الشمال الغربي. وفي هذا السياق، يملك لبنان فرصة حقيقية للانخراط في هذه الشبكات الاقتصادية الناشئة والاستفادة منها، بدل البقاء على هامش التحوّلات الإقليمية الجارية.
التنسيق الإقليمي وتحديات الملف الإسرائيلي
إلى جانب الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، تبرز قضية رابعة لا تقل حساسية في العلاقات اللبنانيةـالسورية، تتمثل في التعاطي مع الملف الإسرائيلي. فكل من لبنان وسوريا لا يزالان رسميًا في حالة صراع مع إسرائيل، كما يواجه البلدان أشكالًا مختلفة من الاحتلال الإسرائيلي على أراضيهما. وفي الوقت ذاته، دخلت بيروت ودمشق في مسارات تفاوضية مباشرة تهدف إلى التوصُّل إلى ترتيبات أمنية أكثر استقرارًا ووضع حدٍّ دائم للأعمال العدائية. ورُغم أنَّ التوصل إلى تسوية شاملة أو سلام دائم لا يزال احتمالًا بعيدًا في المدى المنظور، فإنَّ استمرار هذه القنوات الديبلوماسية يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة في المدى الطويل.
وتحمل هذه المسارات المتوازية فرصًا استراتيجية مهمة، لكنها تنطوي أيضًا على مخاطر محتملة. فمن شأن التنسيق الوثيق بين لبنان وسوريا أن يعزّزَ قدرتهما التفاوضية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وأن يساهم في الحفاظ على الغطاء والدعم العربيين، فضلًا عن الحد من احتمال أن تؤدّي التفاهمات التي قد يحققها أحد الطرفين إلى الإضرار بمصالح الطرف الآخر أو إضعاف موقعه التفاوضي.
غير أنَّ طبيعة التحديات التي تواجه كل دولة تختلف بصورة جوهرية. فبالنسبة إلى سوريا، تبقى قضية هضبة الجولان المحتلة وما يرتبط بها من اعتبارات قانونية وسيادية وأمنية واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا واستعصاءً على الحل. أما لبنان، فيواجه تحدِّيَين متوازيين يتمثّلان في التصدّي للوجود الإسرائيلي المستجد والمتنامي في بعض المناطق الحدودية، وفي الوقت نفسه استكمال عملية بسط سلطة الدولة واحتكارها للسلاح والقرار الأمني، بما في ذلك معالجة وضع “حزب الله” بوصفه قوة عسكرية وسياسية مدعومة من إيران وتتمتع بنفوذ يتجاوز مؤسسات الدولة التقليدية.
وفوق ذلك كله، يلوح في الأفق هاجس استراتيجي أوسع يتعلق بإعادة تشكل التحالفات الإقليمية. فبينما تنظر إسرائيل إلى الحكومة اللبنانية الحالية باعتبارها شريكًا يمكن التعامل معه بقدر من البراغماتية، تُبدي في المقابل قدرًا أكبر من الحذر والريبة تجاه القيادة السورية الجديدة، خصوصًا في ضوء علاقاتها المتنامية مع تركيا. ومن هنا تبرز أهمية أن تحافظ بيروت ودمشق على استقلالية قرارهما السياسي، وأن تتجنّبا الانخراط في محاور إقليمية متنافسة أو الاصطفاف خلف أجندات خارجية قد تعيد إنتاج التوترات السابقة أو تدفع البلدين نحو مسارات تصادمية جديدة تتعارض مع مصالحهما الوطنية المشتركة.
ولكي تنجح هذه الفرصة التاريخية، فإنَّ مسار تطبيع العلاقات اللبنانيةـالسورية يحتاج إلى دعمٍ سياسي واقتصادي وديبلوماسي واسع من الأطراف الإقليمية والدولية المؤثّرة، وفي مقدمتها دول الخليج العربية، إلى جانب تركيا وأوروبا والولايات المتحدة. فاستقرار العلاقة بين بيروت ودمشق لا يمثل مصلحة ثنائية فحسب، بل يشكل عنصرًا أساسيًا في إعادة تشكيل بيئة إقليمية أكثر توازنًا واستقرارًا.
ومن شأن بناء علاقة تعاون مستدامة بين البلدين أن ينعكس إيجابًا على أمنهما الوطني وفرصهما الاقتصادية، كما سيُسهم في إعادة إدماج المشرق العربي ضمن محيطه العربي والمتوسطي الأوسع بعد عقود طويلة من الانقسامات السياسية والاستقطابات الإقليمية التي أضعفت دوره التاريخي وأفقدته الكثير من مقوّماته الاقتصادية والاستراتيجية.
ورُغمَ استمرار التباينات في مواقف القوى الإقليمية والدولية تجاه القيادة السورية الجديدة، فإنَّ هذه الاختلافات لا ينبغي أن تتحوّل إلى عائق أمام تطوير العلاقات بين لبنان وسوريا. فالمصلحة الاستراتيجية المشتركة تبدو واضحة أكثر من أيِّ وقت مضى: تثبيت البلدين داخل إطار إقليمي يقوم على احترام السيادة الوطنية وتعزيز الترابط الاقتصادي والتعاون السياسي، بدلًا من منطق الصراعات بالوكالة والمحاور المتنافسة التي هيمنت على المنطقة خلال العقود الماضية.
لقد فرضت الجغرافيا على لبنان وسوريا، عبر التاريخ، علاقة تداخل لا يمكن تجاهلها. غير أنَّ هذه العلاقة تعرّضت مرارًا للتشويه بفعل اختلال موازين القوى، وانعدام الثقة المتبادل، وتدخّلات الأطراف الخارجية، والتنافس بين المحاور الإقليمية. واليوم، تبدو الظروف مُهَيّأة أمام البلدين لإعادة صياغة هذه العلاقة على أُسُسٍ أكثر توازنًا، بما يُحوِّل الإرث الثقيل للماضي إلى قاعدة لشراكة أكثر استقرارًا ومنفعة متبادلة.
وإذا تمكنت بيروت ودمشق من ترسيخ مبدَإِ السيادة المتبادلة، ومعالجة الملفات الثنائية العالقة، وإحياء شبكات التعاون الاقتصادي، وتنسيق مواقفهما بحكمة إزاء القضايا الإقليمية، فإنهما لن تكونا بصدد تحسين علاقاتهما الثنائية فحسب، بل ستسهمان أيضًا في إعادة رسم دور المشرق العربي كجسرٍ استراتيجي يربط الخليج العربي بشرق البحر المتوسط وأوروبا، وكمنطقة عبور للتجارة والطاقة والاستثمار بدل أن تبقى ساحة للصراعات والأزمات المزمنة.
وفي نهاية المطاف، تتجاوز أهمية هذا المسار حدود لبنان وسوريا. فنجاحه قد يشكل نموذجًا لإعادة بناء العلاقات الإقليمية على أسس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، ويسهم في ولادة شرق أوسط أكثر استقرارًا وتكاملًا وازدهارًا، في لحظة تاريخية لا تزال فيها المنطقة تبحث عن توازنات جديدة ونظام إقليمي قادر على الاستجابة لتحديات المستقبل بدل الارتهان لصراعات الماضي.
- بول سالم هو محلل سياسي، الرئيس التنفيذي السابق لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، وهو باحث مشارك أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
- يصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في صحيفة “ذا ناشيونال” (أبو ظبي).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.