زعامةُ بريطانيا تترَنَّح

محمّد قوّاص*

حين كان وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يرأس، الإثنين، (مع نظيرته الفرنسية) اجتماعًا “عن بُعد” مع نظرائه في حوالي 40 دولة لبحث “حملة” مضيق هرمز، كانت حكومة بلاده تعيش أسوأ أزمة تُهدّد حزب العمال الحاكم وزعيمه كير ستارمر.

قبل ذلك بأيام، أجرت البلاد، الخميس الماضي، انتخابات محلية شاملة انتهت بهزيمة للعماليين الذين أتت بهم إلى الحكومة انتخابات تشريعية جرت عام 2024. هي انتخابات محلية لها حساباتها المناطقية، وهي على بُعد 3 سنوات من الانتخابات التشريعية الكبرى عام 2029 التي تُحدّد هوية الحزب الحاكم في البلاد. ورُغم أنَّ رأي الناخب قابل للتغير، وأنَّ أحوال الدنيا في تطوّر، لكن مزاجًا داخل الحزب أفرج عن غضب ضد قائده.

اعترف ستارمر بالهزيمة. أعلن تحمُّل المسؤولية. أقرّ بارتكاب أخطاء كان يمكن تجنّبها ووجب تصحيحها. وفيما وعد بالإصغاء جيدًا إلى رسائل الناخبين والعمل على اتخاذ الإجراءات المناسبة، غير أنَّ “تمرُّدًا” اندلع داخل صفوف قيادة الحزب الذي يقوده. تدافعت الاستقالات داخل الحكومة. وارتفع عدد النواب العماليين الذين يطالبون باستقالته لاختيار زعيم جديد للحزب.

قبل الحدث بأيام كانت لندن قد دفعت بالمدمرة “HMS Dragon” للتوجُّه إلى مناطق العمليات القريبة من مضيق هرمز. المدمرة مختصة بالدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيّرات ما يعني تناسبها مع مهمة مواكبة السفن في المضيق. جاء إعلان لندن بعد آخر صدر عن باريس يكشف عن مرور حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” في قناة السويس آتية من مهمتها شرق المتوسط باتجاه “ميدان” المضيق تمهيدًا للمشاركة بالعملية نفسها.

بدا أنَّ “تحالف الراغبين” غير المنخرطين في حرب إيران بدأ يتحوّل من ورشةٍ سياسية إعلامية نظرية مستقلة عن قرار الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب (وربما نكاية به)، إلى عملية تنشر موارد عسكرية تتوعدها إيران.

قبل ذلك، في أواخر الشهر الماضي، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” برقية مسرّبة من وزارة الخارجية الأميركية تُفيد أنَّ الإدارة الأميركية أوعزت إلى سفاراتها حول العالم بالعمل على إقناع الدول الحليفة بالانضمام إلى تحالف دولي جديد، يهدف إلى تأمين مضيق هرمز. قبل أيام هدد ترامب إيران بـ “مشروع الحرية +” لفتح المضيق وبدا أنَّ لندن وباريس باتا ربما في تحالف تقوده واشنطن.

ذهب وزير الدفاع البريطاني إلى دعم رئيسه ستارمر محذّرًا من جرّ البلاد وحزب العمال إلى حرب زعامات وإلى انقسامات في عزّ أزماتٍ جيوسياسية كبرى إحداها في أوكرانيا تلعب فيها بريطانيا دورًا مفصليًا، وأخرى في إيران تقفل مضيق هرمز وتستعد لندن وشركاؤها هناك للمغامرة في تمرين قد ينقلب إلى انخراط في حرب جديدة.

تخشى بريطانيا من دخول البلاد “المهزلة” نفسها التي عرفها حزب المحافظين قبل سنوات حين انقسمت هياكله وتعددت زعاماته إلى أن فقد الحكم وانزلق إلى درك لم يَنجُ منه.

في مقابل ذلك “التمرّد” يقف ستارمر مُعاندًا يكاد لا يصدق أنَّ حزبه العريق ينهزم مقابل انتصار ساحق يحققه حزب “إصلاح بريطانيا” اليميني الشعبوي بقيادة نايجل فاراج. تسرّب ناخبو “العمال” يسارًا نحو حزب الخضر وحزب الليبراليين الديموقراطيين، وتسرّب بعضهم، ومن داخل الطبقة العاملة، نحو يمين اليمين لدعم فاراج وحزبه.

بدا أنَّ الناس اندفعت، يأسًا من الأحزاب التاريخية الكبرى (العمّال والمحافظين)، للتصويت ليمين شعبوي بالكاد يملك 8 مقاعد في مجلس العموم يوزع الوعود من دون أيِّ يقين.

في سوريالية المشهد يمكن تخيّل ابتسامة فلاديمير بوتين الذي لا يحب بريطانيا ولا نظامها ولا حكامها. وابتسامة دونالد ترامب الذي لا يحب ستارمر الذي رفض الالتحاق بحربه على إيران ولم تصلح سوء الود زيارة الملك تشارلز الثالث إلى واشنطن. يمكن أيضًا تخيّل ابتسامة حكام طهران الذين يشترون الوقت لعل في ذلك زوال لأعداء وخصوم بانتظار جلاء ترامب نفسه عن البيت الأبيض.

Exit mobile version