سباقُ العَسكَرة: التحوُّلُ الصناعي الأوروبي تحتَ ظلِّ التاريخِ الثقيل

البروفِسور بيار الخوري*

حتى وقتٍ قريب، كانت سيارات فولكسفاغن “تي-روك المكشوفة” (T-Roc Cabriolet) تخرج تباعًا من خطوط الإنتاج في مصنع “أوسنابروك” الألماني. أما اليوم، فيقف المصنع نفسه على أعتاب تحوّل جذري، بعدما بدأ عملاق الصناعات الدفاعية “راينميتال” دراسة تحويله إلى منشأة لإنتاج المركبات المدرعة والعربات القتالية.

المصنع، الذي يعمل فيه نحو 2300 موظف وكان من المقرر إغلاقه بحلول عام 2027، وجد لنفسه فرصة نجاة غير متوقعة مع اندلاع الحرب في أوكرانيا وما تبعها من طفرة غير مسبوقة في الإنفاق العسكري الأوروبي. وبينما كانت صناعة السيارات في أوروبا تواجه تباطؤًا وضغوطًا متزايدة، بدأت مصانع مدنية عديدة تتحوَّل تدريجًا إلى جُزءٍ من اقتصاد الحرب الجديد الذي يتشكّل في القارة.

ولا تبدو حالة “أوسنابروك” استثناءً عابرًا، بل جُزءًا من تحوُّل أوسع يتكرر في أكثر من مركز صناعي أوروبي، حيث تُعيدُ الحكومات والشركات رسم أولوياتها الاقتصادية والصناعية تحت ضغط التوترات الأمنية المتصاعدة.

ويأتي هذا التحوُّل في وقت تواجه فيه صناعة السيارات الأوروبية واحدة من أصعب أزماتها منذ عقود. ففي ألمانيا تراجعت صادرات السيارات من نحو 2.4 مليون سيارة إلى نحو 1.2 مليون سنويًا، ما يعني عمليًا أنَّ القطاع فَقَدَ نصف زبائنه خلال سنوات قليلة. كما سجّلت فولكسفاغن تراجعًا في أرباحها بنسبة 15% لتبلغ 19.1 مليار يورو عام 2024، بالتوازي مع إطلاق خطة إعادة هيكلة واسعة تتضمن الاستغناء عن 35 ألف موظف.

وفي فرنسا، بدأت ملامح الاقتصاد الدفاعي الجديد تظهر بوضوح أكبر، بعدما أعلنت مجموعة رينو دخولها مجال الصناعات العسكرية عبر تصنيع طائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى داخل مصنعَيها في “لومان” و”كليون”، بموجب عقد أوّلي تبلغ قيمته 35 مليون يورو.

وفي إيطاليا، اقترح وزير الصناعة تحويل مصانع السيارات للإنتاج الدفاعي إثر انهيار الإنتاج بنسبة 63% في كانون الثاني (يناير) وتراجُعِ حضور “ستيلانتيس”، الشركة الأم لـ”فيات”.

أما في هولندا، فإنَّ مصنع “نيدكار” السابق حيث كانت سيارات “ميني” تُصنَّع حتى مطلع 2024، بات يحتضن شركات متخصصة في الطائرات المسيّرة والمركبات العسكرية.

هكذا، تبدو القارة الأوروبية وكأنها تعيد تدوير بنيتها الصناعية بالكامل، ناقلة جزءًا متزايدًا من مصانعها من اقتصاد الاستهلاك المدني إلى اقتصاد التسلح والاستعداد للحروب.

ثمة لحظات في التاريخ لا يختار فيها الاقتصاد، بل يُختار له. ما تشهده أوروبا اليوم من انزلاق تدريجي نحو منطق الاقتصاد الدفاعي ليس قرارًا إيديولوجيًا ولا طموحًا إمبراطوريًا، بل هو استجابة تفرضها الحسابات قبل أن تُمليها الإرادة. حين يجد عاملٌ في مصنع فولكسفاغن أنَّ خطوط الإنتاج تتحوّل أمام عينيه، لا يسأل عن فلسفة الحرب والسلام، بل يسأل إن كان راتبه سيستمر. من هذا السؤال الصغير تنبت التحوّلات الكبرى.

المنافسة الصينية لم تكن يومًا مجرّد تحدٍّ تجاري قابل للتفاوض ضمن قواعد منظمة التجارة العالمية. تحوّلت بفعل تكاليف الإنتاج المنخفضة إلى ما يشبه القضاء البنيوي على نظير أوروبي بنى تنافسيته على معادلة تكاد تكون مستحيلة: أجور مرتفعة، ومعايير بيئية صارمة، وطاقة باهظة. حين انكشف هذا التناقض بصورته الكاملة في أعقاب الحرب الأوكرانية وانهيار الطاقة الرخيصة الروسية، لم تجد القارة أمامها مسارًا وسطًا معقولًا. الدولة باتت المشتري الوحيد القادر على استيعاب طاقة إنتاج لم تعد السوق المدنية تحتاجها بالحجم ذاته.

هنا يكمن الفخ الحقيقي: حين تصبح الدولة هي المورّد الأخير للطلب، تتوقف الصناعة عن أن تكون قطاعًا اقتصاديًا وتتحوّل إلى امتدادٍ للسياسة. “راينميتال”، عملاق دوسلدورف الصناعي العسكري، وحدها سجّلت نموًّا في مبيعاتها الدفاعية بنسبة 50% عام 2024، وارتفعت أرباحها التشغيلية بنسبة 61% لتبلغ 1.5 مليار يورو، فيما بلغت قائمة الطلبات المتراكمة 55 مليار يورو. هذه الأرقام تشرح سبب ارتفاع سهم الشركة إلى مستويات قياسية في اللحظة ذاتها التي تُعلن فيها فولكسفاغن عن تسريح عشرات الآلاف. السلاح يربح حيث تخسر السيارة.

ما يستوجب التأمل هو البُعد السوسيولوجي الذي كثيرًا ما يغيب عن التحليل الاستراتيجي. حين تنتقل الوظيفة من إنتاج السلعة المدنية إلى إنتاج السلاح، لا تتغير آلية العمل فحسب، بل يتغير الإطار الأخلاقي الذي يضع فيه العامل نفسه داخله. بطء هذا التحوُّل يجعله أقل قابلية للمقاومة؛ لا أحد يستيقظ صباحًا ليجد أنَّ مصنعه تحوّل، بل يحدث الأمر عبر إعادة تصنيف إنتاجي هادئة وعقود تُوقَّع بلغة “تعزيز الدفاع الأوروبي المشترك”. غير أنَّ التراكم يصنع واقعًا يصعب التراجع عنه، إذ تصبح مصالح الوظيفة والإنتاج والمجتمع المحلي مرتبطة بالطلب على ما يُصنع لا بطبيعته.

المقارنة التاريخية مشروعة بحدودها، وخطرة حين تتجاوزها. ثلاثينيات القرن الماضي لم تُنتج الشمولية لأنَّ المصانع تحوّلت إلى التسليح، بل لأن التسليح جاء في سياق أزمة شرعية سياسية عميقة وانهيار مؤسسي متزامن. أوروبا اليوم تملك مؤسسات أرسخ وعقدًا اجتماعيًا أكثر صلابة. لكن الخطر لا يكمن في التكرار الحرفي للتاريخ، بل في أن يصبح إنتاج السلاح مصلحة راسخة تتقاطع مع منطق الديموقراطية التمثيلية بطريقةٍ تجعل صناعة القرار السلمي أكثر تكلفةً سياسيًا من استمرار النزاع.

هذا هو جوهر ما يمكن تسميته “فخ ارتهان النزاع”: لا يتعلق الأمر بأنَّ أوروبا ستسعى إلى الحرب، بل بأنَّ بنيتها الاقتصادية ستصبح أقل حساسية للسلام. القوة الناعمة التي بنتها أوروبا على امتداد عقود كانت ممكنة جُزئيًا لأنَّ هيكلها الصناعي لم يكن معتمدًا على صرف ما تنتجه في ميادين القتال. حين يتغير هذا الهيكل، لا تتغير الإيديولوجيا مباشرة، لكن تتغير حسابات المصلحة التي تتحكم في كيفية تعريف صانع القرار للخطر والفرصة.

العلاقة مع الصين وأميركا ستتشكل تحت هذا الضغط بصورة تتجاوز التوازن الديبلوماسي التقليدي. أوروبا التي تعيد تسليح نفسها لن تكون بالضرورة أوروبا أكثر عدوانية، لكنها ستكون أوروبا تتفاوض من منطقٍ مختلف؛ منطق مَن يعرف أنَّ لديه ما يخسره من السلام لكن لديه أيضًا ما يكسبه من التوتر. وهذا الوضع الملتبس هو بالضبط ما يجعل الاستقرار الدولي أكثر اضطرابًا، لا لأنَّ طرفًا يريد الحرب، بل لأنَّ العتبة التي كانت تفصل بين الخيارين بدأت تنزلق من تحت أقدام الجميع.

Exit mobile version