راشد فايد*
سؤالٌ بسيط يطرحه حتى اصحاب العقول البسيطة، لا سيما من نَزَحَ عن أرضه، ودُمِّرَ بيته، وقد بناه بذلِّ الإغتراب وشقائه، يوم كان الإغتراب طلاقًا مع الأهل والبلد لبُعد المسافات وصعوبة التواصُل.
السؤال البسيط هو: ماذا يجني لبنان، أو سيجني، من استمرار مقارعة اسرائيل بلا تكافؤ في القدرات، وبلا استعداد سابق، أو غير كاف، كما أثبتت الوقائع في مجزرة أجهزة النداء (البايجر)، التي دخلت في مرجعيات المخابرات العالمية، لدقة تنفيذها، وأبعاد نتائجها، خصوصًا أنَّ تجنُّبَ ذكرها لن يؤدّي الى طمس آثارها.
جوابُ السؤال ليس في الأحلام المقدّسة المرتهنة لغسيل الأدمغة بثقافة دينية مُقَولَبة تخدم مزاعم جيوسياسية، وتنبش في بطون التاريخ لاستحضار عداءٍ من هنا أو ودٍّ من هناك، ما يمتد الى 1400 سنة لا آثار فيها لهذا الكم من الكراهية المذهبية، والدينية، التي استُعيدت في بعض الأوساط من نسج خيال همّه الفتنة، وكثيره سليل ظلامية بائدة.
جوابُ السؤال لا يكون أيضًا بالاكتفاء بالتذكير بعمليات تُنفَّذ ضد العدو الإسرائيلي بوتيرة شبه يومية، لعلّ أبرزها تدمير دبابة “ميركافا” التي يتراوح ثمنها بين 7 و11 مليون دولار، في وقتٍ تُمحى عشرات البلدات والقرى في جنوب لبنان، ويتساقط الضحايا يوميًا بالعشرات، حتى بات عددهم يقترب من ثلاثة آلاف قتيل، فيما يناهز عدد الجرحى عشرة آلاف، وعدد النازحين مليونًا وثلاثمئة ألف. أما الخسائر المباشرة فتُقدَّر بما بين خمسة وسبعة مليارات دولار، في حين يواجه نحو ثلث اللبنانيين انعدام الأمن الغذائي، وقد بلغت الخسائر الاقتصادية الإجمالية نحو 14 مليار دولار، طاولت قطاعات الزراعة والسياحة والتجارة والبنية التحتية.
لا يتردّد الحزبُ الأصفر في إشهار إصراره عل أن يكون لبنان ورقة في يد إيران، وإلّا لما انخرط في حربَي “إسناد وإشغال” في غزة ثم على جبهة طهران، مع وعيه بأنه يعرّض لبنان لتوحُّشٍ اسرائيلي لا يرحم، بينما تكتفي القوى الدولية، التي تراعي حاضنته الفارسية، بالدعوات الصالحات.
ليس مغزى ما تقدم الدعوة الى تفاوض بأيِّ ثمن، بل وفق ما حدده رئيس الجمهورية، جوزاف عون، من خطواتٍ أوّلها الانسحاب من أراضي لبنان المحتلة، وتسليم الحزب سلاحه للدولة، ومعه سلاح الحرس الثوري المُتسلّل الى ضاحية بيروت الجنوبية والجنوب، إضافةً إلى إرساء هدنة شاملة مع وقفٍ لكلِّ الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية، وتقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة الوطنية، فيما يبدأ لبنان واسرائيل مفاوضات مباشرة برعايةٍ دولية للوصول إلى تنفيذ ما سبق.
يضعُ الحزب شروطًا مُضادة تنسفُ الطريق إلى حلٍّ وكأنَّ لا دولة في لبنان هو مَن عمل على تقويض بنيانها واستبدالها بدولة عميقة مُرتَهَنة لقراره، في كل مناحي االحياة العامة، منذ وجد في ثمانينيات القرن الفائت، وحوّل دولة ذات سيادة الى جمهورية هشّة، كان توقَّعها مايكل كريغ هدسون، وهو من أبرز علماء السياسة الأميركيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط ولبنان، اشتهر بكتابه المؤثر “الجمهورية الهشّة: التحديث السياسي في لبنان” (1968)، الذي قدّم رؤية نقدية متشائمة حول مستقبل النظام السياسي اللبناني، مخالِفًا الإجماع الأكاديمي السائد آنذاك.
الوضع السياسي في لبنان اليوم يتسم بأزمةٍ بنيوية عميقة: غياب احتكار الدولة للسلاح، انهيار اقتصادي واجتماعي متواصل، وتعطيل مؤسساتي يفاقمه النزاع مع إسرائيل وما خلّفه من دمار ونزوح واسع.
هذه العوامل مجتمعة تُفرمل أيَّ مسار إصلاحي أو استقرار سياسي، وتضع البلاد في مواجهة إشكاليات سياسية طليعتها أزمة السيادة وانهيار اقتصادي واجتماعي: منذ 2019، يعاني لبنان من انهيار مالي وغياب إصلاحات بنيوية في المالية العامة والمصارف، وتراجع الإنتاجية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
يضاف إلى ذلك تعطيل اتفاق الطائف والاستحقاقات الانتخابية، وما خلفته حرب 2024 و2026 مع إسرائيل من دمار واسع في البنية التحتية والمساكن، مع تقديرات خسائر تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، بينما يعيش أكثر من 1.1 مليون نازح داخلي ظروفًا إنسانية صعبة، مع فجوة كبيرة بين الاحتياجات والاستجابة الإنسانية المستمرة برغم وقف إطلاق النار المزعوم في نيسان (أبريل) الماضي.
فإسرائيل تخرقه في كل لحظة من كل 24 ساعة، ولبنان يلملم جثث القتلى والجرحى بالآلاف، فيما الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينسى إعلانه الشهر الماضي أنه أبلغ حليفه الأسمى إسرائيل أنَّ “كفى تعني كفى”، لكن يبدو أنَّ رسالته لم تصل الى مسامع تل أبيب.
كانت كتابات أكثر علماء السياسة والاجتماع، في لبنان وفي الغرب، ترى في لبنان نموذجًا صالحًا لدول العالم النامي، لكن الراهن أنَّ لبنان اليوم نموذجٌ للدولة الهشّة كما وصفه هدسون قبل أكثر من 50 سنة: لا سيادة كاملة ولا قدرة على تنفيذ بنود المقترح الرئاسي.
فالبلد تائه بين دويلة لا شرعية تملك القدرة على تخريب الحلول إلّا ما يأتي من طهران، ولن تأتي إلّا من مضيق هرمز، ودولة شرعية في العناوين منذورة للضياع.
- راشد فايد هو كاتب، صحافي ومحلل سياسي لبناني. يمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: rachfay@gmail.com
