“إيران في حالةِ انهيار”…

محمّد قوّاص*

عبّرت طهران عن توتُّرٍ في أدائها. رفضت إرسالَ وفدٍ للتفاوض إلى إسلام آباد، ثم أعادت إرسال وزير الخارجية عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية حاملًا ما قيل إنه ردٌّ على اقتراحاتٍ أميركية. رَوَّجت منابرها لاستياءٍ من وساطة باكستان واعتبارها متحيّزة إلى الولايات المتحدة. لوّحت بالحنين إلى وساطة سلطنة عُمان، وسَيَّرت عراقجي باتجاه مسقط وموسكو. أفادت الأنباء إنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق الأمن القومي في إدارته يدرسون مقترحات إيرانية جديدة. وكانت متحدثة البيت الأبيض كارولين ليفيت قد أبلغتنا بأنَّ رئيسها رمى ورقة شروط إيرانية سابقة في سلّة المهملات، ما أثار أسئلة بشأن عدم ملاقاة المقترحات الإيرانية الجديدة المصير نفسه. أعرب ترامب عن إحباطه وعدم رضاه بعد اطلاعه على مقترحات طهران.

قدّمت الورقة الإيرانية كل عوامل الاستفزاز التي كان يُفترض بالرئيس الأميركي أن يرفضها وألّا يجهد نفسه وفريقه بدراستها، لكنه لم يفعل. لم يغضب حين امتنع وفد طهران عن القدوم إلى إسلام آباد، واكتفى “بنصح” موفديه، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، بعدم تكبّد مشقة 18 ساعة من السفر، طالما أنَّ إيران غير مستعدة لتقديم شيء جديد. قال لإيران: “هاتفونا متى أردتم”. وحين سُئل عمّا إذا كانت إيران قد انتهكت الهدنة باقتيادها سفينتين نحو سواحلها، نفى الأمر.

هبطت حكمة على رئيس الولايات المتحدة جعلته يُقدّم لنا الأمور بمنظار الفيلسوف الحكيم، أو الداهية اللئيم الذي يُعِدُّ شيئًا، أو العارف بما لا يعرفه الآخرون. تراجعت أهداف ترامب المعلنة عند بدء الحرب، وبعضها كان لصالح بروباغندا اللحظة. كان لمّح إلى أنَّ الحربَ تستهدف وجود النظام، وملفات إيران النووية والصاروخية، وتفكيك شبكة أذرع “المحور” في المنطقة. لكنه في الأيام الأخيرة لم يتزحزح قيد أنملة عن هدف واحد: “لن تمتلك إيران قنبلة نووية”.

أقلق هذا التدحرج إسرائيل. لكنها، وهي الملتزمة، وفق كلمات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بقرار ترامب بشأن حرب إيران، تعوّل على طهران لخلق انسداد يبرّر استئناف الحرب من جديد. رفضت إيران علنًا تصفير تخصيب اليورانيوم ونقل المخزون عالي التخصيب إلى خارج البلاد، بما يعني أنها رفضت تسليم برنامجها النووي هدية إلى ترامب. ومع ذلك، اكتفى الرئيس الأميركي باستثقال سفر موفديه 18 ساعة سببًا لتعليق التفاوض وعدم استئناف القتال.

حيال “تأمّلات” الرئيس الأميركي و”حكمته”، يعود عراقجي إلى الباكستانيين بمقترحٍ سُريالي غريب. يقفز بالورقة الإيرانية إلى آخر سطر: وقف الحرب وفك حصار موانئ إيران، مقابل فتح مضيق هرمز، ثم لاحقًا استئناف المفاوضات التي توقفت في جنيف. بكلمة أخرى، تتجاوز إيران حرب الـ38 يومًا التي أطاحت بقدراتها وقياداتها وقواها، وترسل للرئيس الأميركي مقايضة مفادها، وفق معادلة “سيب وأنا أسيب” المتعارف عليها في اللهجة المصرية.

فيدرُس ترامب وإدارته وصحافة بلاده الموضوع. يستنتج ترامب ما يرتئيه ويصنع منه بضاعة قابلة للتسويق. يقول: “أبلغتنا إيران أنها على حافة الانهيار وتطلب فتح مضيق هرمز”. يتأمل المتلقّي هذه الرواية من دون المجازفة في استشراف ما وراءها. فرجل البيت الأبيض عصيّ على التوقع، ويريده نصرًا في توصيفه قد يُعَدُّ انقلابًا في أدائه، من أقصى القرار إلى أقصى نقيضه.

لكن ترامب لا ينطق عن هوى؛ ولا بدَّ أنه سمع من مسقط أجواء لقاء عراقجي مع السلطان هيثم بن طارق، وتناهى إلى مسامعه أيضًا أجواء لقاء الوزير الإيراني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سانت بطرسبرغ. لطالما تغنّت طهران بمهاراتها في اللعب على حافة الهاوية، غير أنَّ ترامب يُبلغنا، بناءً على معطياته، أنَّ إيران انحدرت إلى حافة الانهيار. ولسان حاله يقول: “أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها”، بما يشي بإمكانية أن يفاجئ العالم بالذهاب إلى موسم القطاف قبل أن يدرك العالم أنَّ الثمارَ التي يريدها سيد البيت الأبيض ربما باتت ناضجة.

Exit mobile version