غونول تول*
على مدى السنوات التي أعقبت اندلاع الحرب السورية، تشكّلت في الشرق الأوسط معادلة سياسية بدت للكثيرين غير مألوفة، قوامها تقاربٌ بين تركيا وروسيا رُغمَ تضارُب مصالحهما وتبايُن موقعيهما الاستراتيجيين. فقد نجح الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في تحويل ساحات التنافس إلى مساحات للتفاهم، ما أتاح لهما بناء شراكة مرنة صمدت أمام اختبارات عديدة، كان أبرزها النزاع السوري.
في تلك المرحلة، بدا البلدان وكأنهما يسيران على حافة مواجهة مباشرة. فأنقرة دعمت فصائل المعارضة الساعية إلى إسقاط نظام بشار الأسد، فيما سخّرت موسكو قوتها العسكرية والسياسية لضمان بقائه. غير أنَّ البراغماتية السياسية غلبت حسابات الصدام، فتوصل الطرفان إلى تفاهمات متبادلة أتاحت لكل منهما تحقيق جزء من أهدافه.
وقد تجلّت هذه التفاهمات بوضوح عام 2016 عندما أطلقت تركيا عملياتها العسكرية في شمال سوريا، وهي خطوة لم تكن ممكنة عمليًا من دون موافقة روسية ضمنية، بحكم سيطرة موسكو على المجال الجوي السوري آنذاك. وفي المقابل، خففت أنقرة من مستوى دعمها لبعض فصائل المعارضة، في إطار ترتيبات غير معلنة كرّست نوعًا من تقاسم النفوذ والمصالح داخل الساحة السورية.
لكن تلك الشراكة التي استفاد منها الطرفان لسنوات تبدو اليوم في طور التآكل. فالمعادلات الإقليمية والدولية تغيّرت، والحرب في أوكرانيا أعادت رسم خطوط الاصطفاف. وبينما كانت موسكو تنظر إلى تركيا بوصفها شريكًا قادرًا على تخفيف عزلتها وإحداث شرخ داخل المعسكر الغربي، باتت أنقرة تتحرك بصورة متزايدة في اتجاه دعم أوكرانيا وتعزيز حضورها في مناطق كانت تُعد تقليديًا ضمن دائرة النفوذ الروسي.
وبذلك، فإنَّ العلاقة التي منحت بوتين موطئ قدم أوسع في الشرق الأوسط، وأتاحت لأردوغان هامشًا أكبر للمناورة في مواجهة حلفائه الغربيين، تواجه اليوم اختبارًا جديدًا قد يفضي إلى نهاية مرحلة كاملة من التفاهمات التي حكمت التوازنات الإقليمية خلال العقد الماضي.
في السنوات الأولى من الشراكة التركية-الروسية، بدا أردوغان الطرف الأضعف في العلاقة. غير أنَّ الحرب في أوكرانيا أدّت إلى تغييرٍ تدريجي في موازين القوى بين الجانبين. فمع تزايد عزلة موسكو عن الغرب، وجد بوتين نفسه أكثر اعتمادًا على تركيا التي امتنعت عن الانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وخلال تلك الفترة، تحوّلت تركيا إلى مركز مهم للتجارة والاستثمارات وتدفقات الطاقة الروسية، ما منح أنقرة نفوذًا متزايدًا في تعاملها مع موسكو.
لكن التحوُّل الأبرز في هذه العلاقة جاء مع سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024. فروسيا، المنشغلة بحربها في أوكرانيا، لم تتدخّل لإنقاذ حليفها السوري كما فعلت في السابق، بل سارعت إلى بناء علاقات مع السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، واستمرّت في تزويد سوريا بالنفط. وهكذا وجدت موسكو نفسها تتفاوض مع قيادةٍ كانت قد استهدفتها عسكريًا على مدى سنوات، فيما برزت تركيا، الداعم الرئيسي للمعارضة السورية، باعتبارها القوة الخارجية الأكثر نفوذًا في البلاد.
وبالنسبة إلى أنقرة، شكّل هذا التحوُّل فرصة لإعادة تموضعها على الساحة الدولية، سواء من خلال تعزيز دورها داخل حلف شمال الأطلسي، أو عبر إعادة التوازن إلى علاقتها مع روسيا، أو من خلال دعم أوكرانيا في توسيع حضورها وعلاقاتها في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، زار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سوريا في نيسان (أبريل) الماضي على متن طائرة تركية رسمية، في أول زيارة له إلى البلاد، حيث أجرى محادثات مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع ووزير الخارجية التركي. وتركزت المباحثات على مجالات التعاون العسكري والطاقة.
وفي الوقت الذي تشارك فيه تركيا في إعادة بناء الجيش السوري وتحديثه، ترى أوكرانيا في هذه المرحلة فرصة لنقل خبراتها في مجالات التصنيع العسكري وحرب الطائرات المسيّرة، التي اكتسبتها خلال سنوات المواجهة مع روسيا، فضلًا عن توطيد علاقاتها مع دولة كانت تُعد حتى وقت قريب ضمن دائرة النفوذ الروسي.
وقد بدأت أوكرانيا بالفعل في استثمار التحوّلات التي أفرزتها الحرب مع إيران من خلال تعزيز تعاونها العسكري مع دول الخليج. فبعد أن تعرضت دول في المنطقة لهجمات بطائرات “شاهد-136” الإيرانية المسيّرة، وهي الطائرات نفسها التي استخدمتها روسيا بكثافة في الحرب الأوكرانية، سارع الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى توظيف الخبرة التي راكمتها بلاده في مواجهة هذا النوع من التهديدات، فأوفد فرقًا متخصصة في الدفاع الجوي إلى كل من قطر والسعودية والإمارات.
وتنظر تركيا إلى تنامي الدور الأوكراني في الخليج باعتباره عنصرًا داعمًا لشبكة علاقاتها العسكرية القائمة مع دول المنطقة، إذ يتيح لأنقرة توسيع نطاق ما يمكن أن تقدمه لحلفائها وشركائها. أما روسيا، التي عملت خلال السنوات الماضية على توثيق علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع دول الخليج، فتواجه في المقابل تراجعًا جديدًا في إحدى الساحات التي سعت إلى ترسيخ نفوذها فيها.
وتحتاج أوكرانيا، التي تبحث عن حلفاء جدد ومصادر إضافية للدخل، إلى توسيع حضورها الخارجي، فيما يمنحها انخراطها المتزايد في الشرق الأوسط فرصة لترسيخ موقعها كمزوّد للأمن والخبرة العسكرية. كما إنَّ دعمَ أردوغان لانفتاح كييف على المنطقة يعكس حجم التحوّل الذي طرأ على العلاقات التركية-الروسية، ويُظهر في الوقت نفسه تراجع قدرة بوتين على الحفاظ على مستويات النفوذ التي تمتع بها في السابق.
وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أنَّ أنقرة لم تعد تتبع سياسة التوازن التقليدية بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، بل باتت أقرب إلى تبنّي مواقف تتعارض مع المصالح الروسية في عدد من الملفات. وقد أتاح تراجع النفوذ الروسي لتركيا هامشًا أوسع للتحرُّك وفق أولوياتها الخاصة بعد سنوات من مراعاة الحسابات الروسية، فيما تبدو أوكرانيا من أبرز المستفيدين من هذا التحول.
- غونول تول باحثة بارزة في معهد الشرق الأوسط ومؤلفة كتاب “حرب أردوغان: صراع رجل قوي في الداخل وفي سوريا”.
- كُتِبَ المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.
