ابراهيم حَيدَر*
أرادت إيران، من خلال إطلاق صواريخها ردًّا على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مبنى في حي الغدير بالضاحية الجنوبية لبيروت، تكريس معادلة الضاحية الجنوبية مقابل شمال إسرائيل. وحملت هذه الخطوة رسالة مفادها أنها لن تتخلّى عن لبنان، وتحديدًا عن “حزب الله”، في محاولةٍ لربط الملفّات وإحياء مفهوم وحدة الساحات وفرض قواعد اشتباك جديدة، إلّا أنَّ تأثيرها بقي محدودًا.
فبعدما ردّت إسرائيل بقصف أهداف داخل مدن إيرانية، قبل أن يتدخّل الرئيس دونالد ترامب عبر اتصال مع بنيامين نتنياهو لوقف التصعيد قبيل اشتعال جبهة مضيق هرمز، عادت إسرائيل إلى استئناف عملياتها العسكرية في جنوب لبنان. ولم تُعِر تل أبيب اهتمامًا للتهديدات الإيرانية بأنَّ أيَّ قصف للجنوب سيُواجَه بردٍّ مزلزل، إذ واصلت التوغّل والقصف والتدمير من دون أن يقابَل ذلك بأيِّ ردٍّ إيراني، رُغم إعلان طهران استعدادها لتوسيع نطاق الحرب في المنطقة.
تُمسِكُ إيران بالملف اللبناني عبر “حزب الله” وتُدرجهُ كبندٍ رئيس في مفاوضاتها مع أميركا، باعتبار لبنان جُزءًا من محور نفوذها وساحة تستخدمها لتحسين شروطها التفاوضية، وإلّا كيف انخرط “حزب الله” في إسناد إيران، وجرّ البلد إلى كرة النار الإقليمية، واستدرج إسرائيل إلى حرب استباقية باتت نتائجها واضحة على لبنان نتيجة اختلال موازين القوى والردع. فها هي إسرائيل تحتل جنوب الليطاني والمدن الرئيسة فيه من بنت جبيل الى الخيام، رُغمَ المواجهات التي يخوضها الحزب، وتُهدّد صور والنبطية، وتهجّر السكان حتى الزهراني، وتدمّر القرى وتحرق الأرض.
في ظلِّ الحرب الإسرائيلية، يجد لبنان نفسه عالقًا بين مسارَين تفاوضيين: الأول أميركي – إيراني، يراهن “حزب الله” على أن يفضي إلى فرضِ وقفٍ لإطلاق النار على جبهة الجنوب، والثاني لبناني – إسرائيلي برعايةٍ أميركية، تسعى الدولة اللبنانية إلى فصله عن المسار الإيراني.
وبذلك، يبدو لبنان غارقًا بين مشروعين متوازيين، إيراني وإسرائيلي. فإسرائيل تواصل احتلالها وتدميرها، وتخوض حربًا هدفها القضاء على “حزب الله” ونزع سلاحه، فيما تمارس ضغوطًا على الدولة اللبنانية، بدعم أميركي، لفرض شروطها التفاوضية، بالتزامن مع استمرار عمليات التوغل البري والقتال. في المقابل، تتعامل إيران مع لبنان بوصفه ساحة لتثبيت معادلات تخدم مفاوضاتها، ما يجعل من جنوبه ميدانًا لحرب طويلة يصعب حسمها، على أن يبقى القرار النهائي رهنًا بتسويات وصفقات قد تجمع بين المسارَين.
تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع في جنوب لبنان، وتحاول إقناع الرئيس الأميركي بعدم إدراجه في أيِّ اتفاقٍ مع إيران، فيما يصرُّ الإيرانيون على شمول لبنان ويتمسّكون بشرطهم حول وقف النار. لكن طهران اكتفت بتثبيت معادلة “شمال إسرائيل مقابل الضاحية” لتترك الجنوب تحت النار الإسرائيلية، وتدفع “حزب الله” للتصعيد ضد وقف النار ضمن آلية مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وتقديم مسار إسلام آباد بديلًا منه رغم ترنّحه. ولا تكتفي إيران بذلك، بل تعلن على الملأ أنَّ لبنان هو في قلب معركتها، فتهاجم الدولة عبر الحزب الذي يُخوِّن السلطة، وأيضًا عبر الحرس الثوري الإيراني رفضًا للتفاهمات التي أُعلِنَت في واشنطن.
يربط “حزب الله” مصير لبنان بإيران، حتى وهو يواجه التوغّل الإسرائيلي، فعندما أعلن استعداده للسير في وقف إطلاق النار والانسحاب من جنوب الليطاني مقابل انسحاب تدريجي إسرائيلي، عاد إلى التصعيد بقرارٍ إيراني، ليتبيَّن أنَّ إدراجَ إيران ملف لبنان في المفاوضات لا يرتبط بشرط الانسحاب الإسرائيلي بل بفك الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، فلا مشكلة أن يتعرّض جنوب لبنان للمحرقة، بل يجب أن يبقى لبنان بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية ساحةً يتمُّ توظيفها والتلاعب بها، حتى ولو أحرقتها إسرائيل، رُغمَ أنها عاجزة عن إسقاط خيار الدولة اللبنانية.
بقاء لبنان في دائرة التجاذب بين مشاريع لا ترى فيه إلّا ساحة، يُهدّد مصيره، فيما تستمر إسرائيل بتدمير الجنوب، ولذا لا بد من التوصل سريعًا إلى صيغة لوقف إطلاق نارٍ فعلي توقف المحرقة الإسرائيلية، ووقف التلاعب بلبنان، وتسليم القرار للدولة قبل أن يذهب البلد إلى المجهول؟
- الدكتور إبراهيم حَيدَر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. ينمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
