ضحايا مُتَفرِّجون

راشد فايد*

لا يستطيع قارئُ الوقائع في الشرق الأوسط إلّا أن يستنتجَ أنَّ إسرائيل هي الوالي الجديد على المنطقة، ببركة واشنطن وحلفائها، وحتى خصومها. وما الاحتجاجات على المجازر اليومية إلَّا غسلٌ للأيدي المُغمَسة بدماء الشهداء والأطفال والنساء، كأنما الشعب اللبناني، والعربي عمومًا، منذورٌ للموت المجاني، وكأنَّ العالمَ عالمان، واحدٌ حرفته تعداد الضحايا، والآخر كفكفة دموع الثكالى والأيتام.

وبينما تتنافس المنظمات الأممية والدولية على ترجمة الشفقة بمساعداتٍ متنوّعة، طبية وغذائية، محدودة الفعالية والكمية، مقارنةً مع أعداد الضحايا، شهداءً ونازحين ومهجّرين، تزدادُ إسرائيل تصميمًا على إبادةٍ عمرانية في الجنوب والبقاع، وعلى مسح أقدامها بالمجتمع والقانون الدوليَين وكل ما بُني بعد الحرب العالمية الثانية من تقديسٍ للقيم الدولية.

وبينما الأمر على ما هو عليه، تستمرُّ الصهيونية في مخطتها وتُلوّن جنوب لبنان لفرض منطقة عازلة ومدمّرة لا أهل لها ولا زرع فيها. وبرُغم ذلك نهتف لنصرٍ مؤزّر لا يراه ذو بصر ولا ذو بصيرة، إلّا مَن كان على شاكلة المذيع المصري الشهير، أحمد سعيد، في حرب 1967.

لا يسأل أحد كيف يُمكن ردع الصهيوني عن تماديه في امتهان الحقوق الإنسانية العامة، وتماديه في ارتكاب المجازر، وخرق سيادة الدول وعنفوان الشعوب. وفي المقابل، يحرص الأميركي على تطمينه إلى أنَّ العقوبات لا تنتظره في نهاية درب الموت المتمادي، الذي يتفرّج العالم عليه مكتفيًا بالإدانة اللفظية، من دون أي دعوة –سواء من الاتحاد الأوروبي أو الصين أو الاتحاد الروسي–لتشكيل قوة دولية لفضّ الاشتباك ووقف العدوان. وفي هذا السياق، يبدو أزيز المسيّرات وأصداء التفجيرات، وتلغيم المساكن أو ما تبقّى منها، فولكلورًا يوميًا دمويًا أودى بما يفوق 2500 شهيد، وما يزيد على 7000 جريح، وعشرات الآلاف من النازحين. وكلهم ضحايا ستّ صليات من صواريخ “إسناد” لإيران و”إشغال” لأميركا، وفق قول محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني: “إن إشعال الحرب جنوب لبنان قرارٌ اتخذته طهران”. وقد أدّى ذلك، حتى اليوم، إلى مقتل 15 عسكريًا صهيونيًا، “بمعدل” ثلاثة لكل صلية تقريبًا، حسبما قال أفيخاي أدرعي، نجم شاشات التلفزة.

قبل ذلك كان لإسناد غزة “الفضل” في توريط لبنان في تدمير الجنوب، وفضح إدِّعاء القوة والقدرة على تدمير إسرائيل، وجاءت مجزرة أجهزة النداء (البايجر) لكشف الهوّة بين الإقتدار والإدِّعاء. وما آلاف النازحين من أرزاقهم وبيوتهم إلّا شهادة فجّة على سوء التدبير، الذي من ضحاياه طمس مشروع الدولتين إذ كانت آخر مرة تحرّك فيها هذا النقاش قبل الانتخابات الأميركية بأسابيع قليلة، وكأن أولي الأمر لن يعيدوا النقاش فيه قبل أن يتبقى من الفلسطينيين قدر ما تبقى من الهنود الحمر في الولايات المتحدة الأميركية.

فالتدمير الإسرائيلي الممنهج، الذي بلغ حدّ محو آثار ومواقع لها صلة بالهوية التاريخية الفلسطينية، لا يهدف سوى إلى “إلغاء” فلسطين من التاريخ والجغرافيا، وترجمة النيات المُبيتة الرامية إلى إجهاض الدعوات لقيام دولة فلسطينية “جادة”. وما زاد الطين بلة، إلى جانب ما سُمّي بـ”طوفان الأقصى”، هو ورطة “حزب الله” في ما سمّاه أمينه العام السابق السيد حسن نصر الله بحرب الإسناد والإشغال، التي جرّت لبنان إلى الحرب، وكبّدته خسائر مباشرة وغير مباشرة بمليارات الدولارات، ومئات الشهداء. حتى بدا أنّ إسرائيل كانت تنتظر من لبنان هذه الفرصة لإعلان الحرب على شعبه المُنهَك. وهكذا غاب الإسناد والإشغال، وحلّ مكانه التدمير الانتقامي الذي لم تسلم منه منطقة في لبنان، ولا سيما في الجنوب.

لكن، يقول مثلٌ إنّ كلَّ أمرٍ شرٍّ فيه شيء من الخير. وفي هذا السياق، فإنّ “الهَيلمة” الإيرانية والتلميحات إلى استخدام قدرات تسلّحية –التي سمع اللبنانيون كثيرًا من إطراء جماعات إيران عليها– لم يثبت وجودها أو فاعليتها. وفي المقابل، “تهذّبت” التصريحات الرسمية الإيرانية، وكادت أن تكون تصالحية.

أما ترسانة الأسلحة الإيرانية التي روّج لها الحزب طويلًا، وأوحى بتفوّقه العسكري استنادًا إلى فرضية امتلاكها، فلم تُظهر “لمساتها” في مجريات الاعتداء على غزة ولا على لبنان. وهكذا، كان اللبناني وحده مَن دفع ثمن اللاتخطيط و”البهورة”.

فلا إيران ترجمت دعمها للبنانيين والفلسطينيين، ولا التظاهر في شوارع العالم، شرقًا وغربًا، جعل الحكومات تتراجع عن دعم إسرائيل وتبرير اعتداءاتها. وهكذا، بات سحق الفلسطينيين خبرًا يوميًا يكاد يدمنه المشاهدون والسامعون، الذين لا يملكون سوى الأدعية الدينية.

فالحرب القائمة هي صراع نفوذ بين قوميتين: الصهيونية والفارسية. وفي خضمّ ذلك، نكون نحن إمّا ضحايا أو متفرّجين، أو الصفتين معًا في أغلب الأحايين.

Exit mobile version