الدكتور داوود البلوشي*
في منطقةٍ شهدت خلال العقود الأخيرة حروبًا متلاحقة، واستقطابات سياسية حادة، وتحوّلات متسارعة في التحالفات، حافظت سلطنة عُمان على نهجٍ سياسي اتسم بقدر كبير من الاستمرارية. غير أنَّ أهمية التجربة العُمانية لا تكمن فقط في اختلافها النسبي عن محيطها الإقليمي، بل في السؤال الذي تطرحه اليوم: هل ما زالت المقاربة القائمة على التوازن والحوار وتجنُّب الاصطفافات الحادة قادرة على الصمود في عالمٍ يتجه نحو مزيد من التنافس والتوتر؟
لفهم السياسة الخارجية العُمانية، لا يكفي النظر إلى مواقفها الديبلوماسية المعاصرة أو إلى أدوارها المتكررة في الوساطة الإقليمية. فجُزءٌ مهمٌّ من هذه المقاربة يرتبط بتجربة تاريخية أوسع تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل مع العالم. فقد كان الموقع الجغرافي لعُمان على طرق التجارة البحرية يجعلها جزءًا من شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والثقافية امتدت من سواحل شرق إفريقيا إلى الهند وبلاد فارس واليمن ومناطق أخرى من آسيا. ونتيجة لذلك، نشأ المجتمع العُماني في بيئةٍ اتسمت بالتواصل المستمر مع ثقافات وشعوب متعددة.
هذه التجربة التاريخية لا تفسّر السياسة العُمانية وحدها، لكنها تساعد على فهم بعض ملامحها الأساسية. فالاحتكاك الطويل بعوالم مختلفة عزز أهمية التكيف والانفتاح والحفاظ على قنوات التواصل، وهي سمات انعكست لاحقًا في طريقة تعامل الدولة مع محيطها الإقليمي والدولي.
وعلى امتداد تاريخها الحديث، سعت عُمان إلى الحفاظ على مساحةٍ من الاستقلالية في قراراتها السياسية. ويشير عدد من الباحثين إلى أنَّ هذا التوجه لم يكن قائمًا على العزلة أو الابتعاد عن القضايا الإقليمية، بقدر ما كان محاولة لتجنُّب الارتهان لمحاور متصارعة قد تتغيّر موازينها مع مرور الوقت. فالجغرافيا تبقى ثابتة، بينما تتبدّل التحالفات وفقًا للمصالح والظروف السياسية.
وخلال عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، اكتسب هذا النهج ملامحه الأكثر وضوحًا. فقد جاءت مرحلة بناء الدولة الحديثة في وقت كانت المنطقة تشهد تحولات كبرى، من الصراعات العربية البينية إلى الحرب الباردة، ثم الحروب الإقليمية المتلاحقة. وفي ظل هذه البيئة المعقدة، تبنت مسقط سياسة تقوم على الحفاظ على العلاقات مع أطراف متباينة، مع تجنُّب الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية كلما أمكن ذلك.
ولعلَّ أحد أبرز مظاهر هذا النهج تمثّلَ في استمرار السلطنة في الاحتفاظ بقنوات اتصال مع أطراف كانت العلاقات بينها تشهد توترات أو قطيعة. فقد حافظت على علاقات مع دول وقوى إقليمية مختلفة حتى خلال الفترات التي شهدت استقطابًا حادًا في المنطقة. وأتاح لها ذلك أداء أدوار وساطة في عدد من الملفات التي احتاجت إلى قنوات تواصل بعيدة من الضغوط السياسية والإعلامية.
وخلال العقود الماضية، ارتبط اسم مسقط بعدد من المبادرات الديبلوماسية المتعلقة بالحوار بين الولايات المتحدة وإيران، كما لعبت أدوارًا في بعض الجهود المرتبطة بالأزمة اليمنية وقضايا إنسانية مختلفة. ولم تكن هذه الأدوار نتيجة امتلاك السلطنة أدوات ضغط عسكرية أو اقتصادية استثنائية، بقدر ما ارتبطت بقدرتها على الحفاظ على مستوى من الثقة والعلاقات المتوازنة مع أطرافٍ مُتعارضة.
لكن البيئة التي نجح فيها هذا النهج خلال العقود الماضية تختلف عن البيئة التي يواجهها اليوم. فالعالم يشهد تحوّلات متسارعة تتجاوز حدود السياسة التقليدية. المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تعيد تشكيل النظام الدولي، والحروب الإقليمية تزداد تعقيدًا، كما إنَّ التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحوّلات الاقتصادية تفرض تحديات جديدة على الدول بمختلف أحجامها.
كما إنَّ منطقة الخليج نفسها تواجه مرحلة مختلفة. فالتوترات المرتبطة بأمن الطاقة، وحركة الملاحة البحرية، ومستقبل العلاقات الإقليمية، تجعل من الصعب على أيِّ دولة أن تبقى بمنأى عن تداعيات الأزمات المحيطة بها. وقد ظهر ذلك بوضوح في تداعيات الحرب في غزة، والتصعيد بين إسرائيل وإيران، وما أثارته هذه التطوّرات من مخاوف تتعلق بأمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
وفي مواجهة هذه المتغيّرات، تبدو عُمان أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، ما زالت المبادئ الأساسية التي قامت عليها سياستها الخارجية تحتفظ بأهميتها، مثل الحفاظ على الحوار، وتجنُّب التصعيد، والسعي إلى إيجاد مساحات مشتركة بين الأطراف المختلفة. ومن جهة أخرى، تفرض البيئة الدولية الجديدة تحديات تتطلب قدرًا أكبر من المرونة والقدرة على التكيُّف.
ولا تقتصر هذه التحديات على السياسة الخارجية. فمثلها مثل العديد من الدول، تواجه السلطنة استحقاقات اقتصادية وتنموية مرتبطة بتنويع مصادر الدخل، وتوفير فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في عالم يتغيّر بسرعة. وأصبح الحفاظ على الاستقرار مرتبطًا ليس فقط بإدارة العلاقات الخارجية، بل أيضًا بقدرة الدولة على مواكبة التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التجربة العُمانية باعتبارها محاولة مستمرة لتحقيق توازن بين الثبات والتكيف. فالثوابت الأساسية للسياسة الخارجية لم تتغير بصورة جوهرية، لكن التحديات التي تواجهها اليوم تختلف عن تلك التي واجهتها قبل عقود. وهذا ما يجعل مستقبل هذا النهج مرتبطًا بقدرته على التطور بقدر ارتباطه بقدرته على الحفاظ على هويته الأصلية.
لذلك، فإنَّ السؤال الأهم ربما لا يتعلق بما إذا كانت السياسة العُمانية قد نجحت في الماضي، بل بما إذا كانت الأدوات نفسها ستظل قادرة على تحقيق النتائج ذاتها في المستقبل. ففي عالمٍ يتجه نحو مزيدٍ من الاستقطاب وتراجع مساحات التوافق، قد يكون التحدي الحقيقي أمام عُمان هو كيفية الحفاظ على دورها التقليدي كجسرٍ للحوار، من دون أن تفقد قدرتها على التكيف مع واقع دولي وإقليمي يتغير بوتيرة أسرع من أيِّ وقت مضى.
- الدكتور داوود البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.
