إعادةُ إعمارِ سوريا: بَينَ وَهمِ التعافي واختبارِ التحوُّلِ الاقتصادي

كابي طبراني*

ثمّة سردية جاهزة تُستدعى كلما خرج بلدٌ من حربٍ طويلة: استقرارٌ تدريجي، إعادة إعمار، تدفّق استثمارات، ثم عودة إلى النمو. غير أنَّ سوريا، بعد أكثر من عقد من الصراع، تقف أمام مسارٍ أكثر تعقيدًا من هذا النموذج التقليدي. فالتحدّي لم يعد يقتصر على إعادة بناء ما تهدّم، بل على إعادة صياغة اقتصادٍ انهار، ونظامٍ اقتصادي لم يكن قابلًا للاستدامة حتى قبل الحرب.

في النقاشات الأخيرة حول “آفاق النمو” وإعادة إحياء الاقتصاد السوري، يبرز قدر من التفاؤل الحذر. فقد عادت قنوات الحوار الاقتصادي إلى الواجهة، وبدأت مؤتمرات ومنصّات نقاش تجمع مسؤولين ومستثمرين وخبراء، في محاولةٍ لإعادة وصل سوريا بمحيطها الإقليمي والدولي. هذه الإشارات مهمّة، لأنَّ التعافي الاقتصادي يبدأ عادةً باستعادة الثقة، والثقة تُبنى على توقّعات الاستقرار والاستمرارية.

لكن خلف هذا التفاؤل، تقف أرقامٌ صادمة. الاقتصاد السوري فقد الجُزءَ الأكبر من ناتجه خلال سنوات الحرب، والبنية التحتية تعرّضت لدمار واسع، فيما تفكّكت سلاسل الإنتاج، وتآكل رأس المال البشري بفعل النزوح والهجرة. والأهم أنَّ أكثرية السكان باتت تعيش تحت خط الفقر، ما يجعل أي حديث عن “نمو” منفصلًا عن الواقع الاجتماعي محفوفًا بالمخاطر.

هنا تحديدًا تكمن المعضلة: هل المطلوب إعادة إعمار الاقتصاد كما كان، أم بناء نموذج اقتصادي مختلف؟ الإجابة ليست تقنية، بل سياسية–اقتصادية بامتياز.

قبل الحرب، اعتمد الاقتصاد السوري نموذجًا هجينًا: حضورٌ قوي للدولة، مع انفتاحٍ جُزئي على القطاع الخاص، في بيئةٍ يغلب عليها الغموض التنظيمي والتشابك بين الاقتصاد والسياسة. هذا النموذج وفّر قدرًا من الاستقرار الظاهري، لكنه كان هشًّا من حيث الإنتاجية والاستثمار طويل الأجل. واليوم، ثمّة خطر حقيقي في أن تتحوَّلَ أموالُ إعادة الإعمار -إذا تدفّقت- إلى أداةٍ لترسيخ هذا النموذج بدل تغييره.

لكن هذا المسار لا يُمكِنُ فصله عن التداعيات الأوسع للحرب الإقليمية الأخيرة المرتبطة بإيران، والتي أعادت رسمَ أولويات الأمن والاستثمار في الشرق الأوسط. فقد أظهرت هذه الحرب هشاشة البنية التحتية للطاقة، ورفعت من كلفة المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، ما دفع رؤوس الأموال -خصوصًا الخليجية- إلى إعادة تقييم وجهاتها الاستثمارية. وفي هذا السياق، تصبح سوريا حالة مزدوجة: من جهة، فرصة لإعادة توظيف رأس المال في بيئة ما بعد الصراع، ومن جهة أخرى، مساحة عالية المخاطر في ظل استمرار التوترات المرتبطة بإيران وشبكات نفوذها. كما إنَّ أيَّ انخراط اقتصادي في سوريا سيبقى مرتبطًا، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بمسار العلاقة بين طهران والفاعلين الإقليميين والدوليين، ما يعني أنَّ إعادة الإعمار لن تكون مجرّد عملية اقتصادية، بل جُزءًا من معادلة ردع وتوازن إقليمي أوسع. وهذا يضع سوريا في موقعٍ حسّاس: اقتصادٌ يُعاد بناؤه تحت سقف تسوية لم تكتمل بعد.

من هنا، لا يكفي الحديث عن “إعادة الاندماج” في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، رُغمَ أهميته. فعودة سوريا إلى شبكات التجارة والاستثمار، وتخفيف القيود المفروضة عليها، قد يخلق دينامية جديدة، لكنه لا يعالج جوهر المشكلة: ضعف المؤسسات الاقتصادية، وغياب بيئة أعمال شفافة وقابلة للتنبؤ.

الرهان الحقيقي هو على الإصلاح المؤسسي. فإعادة بناء الاقتصاد تمرّ أوّلًا عبر إعادة بناء الدولة بوظائفها الأساسية: إدارة مالية عامة فعّالة، نظام مصرفي قادر على الوساطة، قواعد واضحة للاستثمار، وبيئة قانونية تضمن تنفيذ العقود. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل شروط مسبقة لأيِّ تدفّق استثماري جدي.

ثمة مؤشرات أوّلية على إدراك هذا التحدّي، مع حديثٍ متزايد عن دور القطاع الخاص، وإشارات إلى رغبةٍ في جذب استثمارات من الخارج، لا سيما من دول الجوار ومن السوريين في المهجر. غير أنّ هذه المؤشرات ستظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى إطار تنظيمي واضح يخفّف من المخاطر ويحدّ من الاقتصاد الرَيعي.

تحدٍّ آخر لا يقل أهمية يتمثّل في ترتيب أولويات إعادة الإعمار. فغالبًا ما تميل الدول الخارجة من النزاعات إلى التركيز على المشاريع الكبيرة والمرئية -البنى التحتية، الطرق، الطاقة- لإظهار تقدّم سريع. لكن التجارب المقارنة تُظهر أنَّ هذه المقاربة، إذا لم تترافق مع إصلاحاتٍ مؤسسية، قد تؤدّي إلى هدر الموارد أو إعادة إنتاج الاختلالات نفسها.

قطاع الطاقة في سوريا مثالٌ واضح على هذا التناقض. إعادة تشغيله قد توفّر عائدات سريعة وتُعيد بعض التوازن إلى المالية العامة، لكنها قد تعزّز أيضًا الاعتماد على نموذجٍ اقتصادي ضيق، قائم على الموارد، بدل دفع عجلة التنويع نحو قطاعات أكثر استدامة كالصناعة الخفيفة والزراعة والخدمات.

كما إنَّ العامل الإقليمي سيكون حاسمًا في تحديد مسار التعافي. فالدول المحيطة بسوريا -من الخليج إلى تركيا وأوروبا- تنظر إلى إعادة الإعمار من زاوية اقتصادية وسياسية في آن. وهذا يعني أنَّ تدفّق الاستثمارات والمشاريع لن يكون محايدًا، بل سيعكس توازنات ومصالح متشابكة. التحدّي أمام سوريا هو الاستفادة من هذا الانخراط الخارجي من دون الوقوع في تبعية اقتصادية لطرف واحد.

إلى جانب ذلك، يفرض البُعدُ الاجتماعي نفسه بقوة. عودة اللاجئين، وهي مسألة محورية لأيِّ استقرارٍ طويل الأمد، تُمثّل فرصة لإعادة تنشيط سوق العمل، لكنها في الوقت نفسه تضع ضغوطًا هائلة على البنية التحتية والخدمات. من دون خلق فرص عمل حقيقية وتحسين شروط المعيشة، قد تتحوّل هذه العودة إلى عامل توتر بدل أن تكون عنصر استقرار.

في المحصّلة، تقف سوريا اليوم أمام مفترق حاسم بين مسارين: مسار إعادة إعمار تقليدي يُعيدُ إنتاجَ اقتصاد ما قبل الحرب، بكل ما فيه من اختلالات، ومسار تحوّلي أكثر صعوبة، لكنه يفتح الباب أمام اقتصاد أكثر تنوّعًا واستدامة.

الإشارات الحالية لا تزال متباينة. فهناك انفتاحٌ ديبلوماسي واقتصادي نسبي، واهتمام استثماري ناشئ، واستعداد دولي لتقديم دعم تقني. لكن في المقابل، لا تزال بنية الاقتصاد السياسي نفسها قائمة إلى حد كبير، بما تحمله من مخاطر.

وفي بيئةٍ إقليمية أعادت الحرب الأخيرة تعريف المخاطر، لن يكون التعافي الاقتصادي في سوريا مسألة داخلية فحسب، بل اختبارًا لقدرة المنطقة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الاستقرار.

السؤال لم يعد ما إذا كانت سوريا سيُعاد إعمارها، بل كيف. فالتجارب السابقة تُظهر أنَّ حجم الاستثمارات ليس العامل الحاسم، بل طبيعة القواعد التي تُدار من خلالها هذه الاستثمارات.

إنَّ إعادة بناء الطرق والمصانع قد تستغرق سنوات، أما إعادة بناء الثقة -وهي العملة الأهم في أيِّ اقتصاد- فقد تستغرق جيلًا كاملًا.

Exit mobile version