الثروة لا تشتري الاستقرار: التحوُّلُ الجديد للصناديق السياديّة الخليجية

كابي طبراني*

لعقود طويلة، كان النفط هو العامل الذي يحدد مصير اقتصادات الخليج العربي. كانت فترات الازدهار والانكماش ترتبط بأسعار الخام، وكانت السياسات الاقتصادية تدور حول سؤال واحد: كيف يمكن تقليل الاعتماد على مورد ناضب ومتقلِّب؟

لكن الحرب الأخيرة في المنطقة كشفت أنَّ هذا السؤال لم يعد الأكثر أهمية.

فالتحدّي الذي يواجه دول الخليج اليوم لا يتعلّق بنقص الموارد المالية أو بتقلبات أسواق الطاقة بقدر ما يتعلق بإدارة المخاطر الجيوسياسية في عالمٍ يتغيَّر بسرعة. لقد نجحت المنطقة إلى حدٍّ كبير في بناء دفاعات قوية ضد صدمات النفط، لكنها لم تنجح بعد في بناء دفاعات مماثلة ضد صدمات الجغرافيا السياسية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

فدول الخليج تمتلك اليوم بعضًا من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم. وتدير هذه الصناديق ما يقدر بنحو خمسة تريليونات دولار من الأصول. ويقترب حجم الأصول المُجَمَّعة للصناديق السيادية الإماراتية من تريليوني دولار، فيما تجاوزت أصول صندوق الاستثمارات العامة السعودي حاجز التريليون دولار، بينما يدير جهاز قطر للاستثمار أصولًا تقدر بنحو 360 مليار دولار.

خلال العقدين الماضيين، اعتُبرت هذه الصناديق بمثابة بوليصة تأمين اقتصادية ضد المستقبل المجهول. وقد ساهمت بالفعل في تعزيز الاستقرار المالي، ورفع الجدارة الائتمانية، وتمويل مشاريع التحوُّل الاقتصادي، وتخفيف آثار الصدمات الخارجية. غير أنَّ الأحداث الأخيرة سلطت الضوء على حقيقة لا تقل أهمية: الثروة تستطيع امتصاص الصدمات، لكنها لا تستطيع إزالة أسبابها.

فعندما تتعرّض طرق التجارة البحرية للتهديد، أو ترتفع كلفة التأمين والشحن، أو تتراجع شهية المستثمرين الدوليين للمخاطرة، لا تستطيع الصناديق السيادية منع هذه التطوُّرات. أقصى ما يمكنها فعله هو التخفيف من آثارها الاقتصادية.

لقد تغيَّر العالم الذي نشأت فيه الصناديق السيادية الخليجية.

في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، كانت العولمة في أوجها. وكانت حركة رأس المال والتكنولوجيا والتجارة تتوسّع بوتيرة غير مسبوقة. وفي مثل ذلك العالم، كان المنطق الاقتصادي البحت هو العامل الحاسم في قرارات الاستثمار. أما اليوم، فقد عادت السياسة إلى قلب الاقتصاد العالمي.

الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى أشباه الموصلات باعتبارها صناعة تجارية فقط، بل باعتبارها قضية أمن قومي. والصين تستخدم التكنولوجيا والاستثمار كأدوات نفوذ استراتيجي. وأوروبا تتحدّث بشكلٍ متزايد عن “الاستقلال الاستراتيجي” و”السيادة الاقتصادية”. وحتى سلاسل الإمداد العالمية التي كانت تُبنى وفق اعتبارات الكلفة والكفاءة أصبحت تُبنى وفق اعتبارات الأمن والموثوقية.

في هذا العالم الجديد، لم تعد الثروة المالية وحدها مصدر القوة.

ولهذا السبب يمكن فهم التحوُّل العميق الذي تشهده الصناديق السيادية الخليجية اليوم. فهذه الصناديق لم تعد مجرد مؤسسات لإدارة الفوائض النفطية وتحقيق العوائد الاستثمارية، بل أصبحت أدوات استراتيجية لإعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية وتأمين موقع متقدم لها في الاقتصاد العالمي المقبل.

ويكفي النظر إلى طبيعة الاستثمارات الخليجية الجديدة لفهم هذا التحوُّل. فقبل عقدين، كانت الأولوية تتجه نحو المحافظ المالية والعقارات والأسواق التقليدية. أما اليوم، فإنَّ التركيز يتزايد على الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، والتكنولوجيا المتقدمة.

هذه ليست مصادفة.

فالرقائق الإلكترونية أصبحت بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي ما كان النفط عليه بالنسبة إلى الاقتصاد الصناعي في القرن العشرين. والذكاء الاصطناعي مُرشَّح لأن يكون المحرّك الرئيسي للإنتاجية والنمو خلال العقود المقبلة. ومَن ينجح في تأمين موقعٍ مؤثّر داخل هذه القطاعات لن يحقق عوائد مالية فحسب، بل سيكتسب نفوذًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا طويل الأمد.

من هنا يمكن فهم التنافس المتزايد بين الرياض وأبوظبي والدوحة لاستقطاب شركات التكنولوجيا العالمية وبناء منظومات ابتكار محلية. فالمسألة لم تعد مجرّد تنويعٍ للاقتصاد، بل محاولة لإعادة تعريف موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي.

لكن هذا التحوُّل يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل تستطيع الصناديق السيادية أن تقوم بكل هذه الأدوار في الوقت نفسه؟

فهي مطالبة بتمويل مشاريع التحوُّل الاقتصادي، وجذب التكنولوجيا، ودعم القطاعات الجديدة، والحفاظ على العوائد الاستثمارية، وتعزيز النفوذ الاقتصادي للدولة، والمساهمة في مواجهة الأزمات عندما تقع. وكلما اتسعت هذه المهام، ازداد خطر تراجع دورها الأساسي كمستثمر طويل الأجل.

وهنا يبرز الفارق بين نماذج الصناديق السيادية المختلفة. فالصندوق السيادي النروجي، على سبيل المثال، يركز بصورة شبه كاملة على تعظيم العائد المالي للأجيال المقبلة في بيئة مستقرة سياسيًا وأمنيًا. أما الصناديق الخليجية فتعمل في بيئة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والتنموية والاستراتيجية في آنٍ واحد.

والنتيجة أنَّ نجاح هذه الصناديق لن يقاس مستقبلًا فقط بحجم الأصول التي تديرها أو بالعوائد التي تحققها، بل بقدرتها على المساهمة في بناء اقتصادات أكثر إنتاجية واستقلالية وقدرة على التكيُّف مع عالمٍ يزداد انقسامًا.

في النهاية، لا تواجه دول الخليج أزمة ثروة، بل أزمة بيئة استراتيجية. فالمليارات المتراكمة في الصناديق السيادية تمنح الحكومات الوقت والمرونة والقدرة على المناورة، لكنها لا تمنحها حصانة من الجغرافيا السياسية.

لقد نجحت المنطقة خلال العقدين الماضيين في تقليل اعتمادها على النفط كمصدرٍ وحيد للقوة الاقتصادية. أما التحدي الأكبر خلال العقدين المقبلين فسيكون تقليل اعتمادها على الاستقرار الإقليمي باعتباره شرطًا مسبقًا للنمو والازدهار.

فالصناديق السيادية تستطيع شراء شركات، وتمويل مدن، وبناء صناعات، والاستثمار في أكثر التقنيات تقدُّمًا. لكنها لا تستطيع شراء الجغرافيا.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم بالنسبة إلى الخليج في السنوات المقبلة هو حجم الثروة التي يمتلكها، بل مدى قدرته على تحويل هذه الثروة إلى معرفة وتكنولوجيا وإنتاجية ومؤسسات قادرة على الصمود عندما يصبح العالم أكثر اضطرابًا.

فالثروة، في نهاية المطاف، ليست بديلًا من الاستراتيجية. والصناديق السيادية ليست بديلًا من القدرة على التكيُّف. أما الجغرافيا، فستظل العامل الذي لا يمكن التحوُّط ضده بالكامل، مهما بلغت قيمة الأصول ومهما تضخّمت الحسابات.

Exit mobile version