كيف تُنهي إيران الحرب؟ صفقةٌ مُمكِنة في لحظةِ الحَسم

يطرح محمد جواد ظريف، نائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية الإيراني السابق، رؤيةً لافتة لإنهاء الحرب، مستندًا إلى خبرته الديبلوماسية الطويلة. وفي وقتٍ تتصاعد المواجهة العسكرية، يدعو إلى تحويل ما تعتبره طهران تفوُّقًا ميدانيًا إلى تسويةٍ سياسية تُنهي الصراع وتعيد رسم معادلاته.

في مراسم جنازة قائد عسكري إيراني قُتل في طهران، نيسان (أبريل) 2026.

محمد جواد ظريف*

لم تبدأ إيران حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولكن مع مرور أكثر من شهر، تبدو الجمهورية الإسلامية تنتصر فيها بوضوح. فعلى مدى أسابيع، واصلت القوات الأميركية والإسرائيلية شنَّ ضربات مكثّفة على الأراضي الإيرانية، ما أسفر عن مقتل الآلاف وتدمير مئات المباني، على أمل إسقاط حكومة البلاد. ومع ذلك، صمدت إيران ودافعت بنجاح عن مصالحها. وحافظت على استمرارية قيادتها حتى مع اغتيال كبار مسؤوليها، وردّت مرارًا وتكرارًا على المعتدين حتى وهم يهاجمون منشآتها العسكرية والمدنية والصناعية. وهكذا، يجد الأميركيون والإسرائيليون، الذين أشعلوا فتيل الصراع وهم يتوهّمون استسلام إيران، أنفسهم في مأزقٍ بلا مَخرَج. في المقابل، حقق الإيرانيون إنجازًا تاريخيًا من طريق المقاومة.

في الداخل، يرى بعض الإيرانيين أنَّ هذا النجاح مُبَرِّرٌ لمواصلة القتال حتى يُعاقَب المُعتدون عقابًا رادعًا، بدلًا من البحث عن حلٍّ تفاوضي. منذ 28 شباط (فبراير)، تتجمع كل ليلة حشود غفيرة من الإيرانيين في مختلف أنحاء البلاد، مُعبّرةً عن فخرها بوطنها، وهي تهتف: “لا استسلام، لا مساومة، فلنقاتل أميركا”. فبعد كل شيء، أثبتت الولايات المتحدة أنها لا تُؤتمَن على المفاوضات، وأنها لا تحترم سيادة إيران. وبناءً على هذا المنطق، لا يوجد مُبَرِّر لإيران للتفاوض الآن، أو تقديم أي مخرج لها. بل ينبغي لطهران أن تستغلَّ تفوّقها، وأن تواصل ضرب القواعد الأميركية، وأن تعرقل التجارة في مضيق هرمز، إلى أن تُغيّر واشنطن وجودها الإقليمي وموقفها تغييرًا جذريًا.

مع أنَّ استمرارَ القتال ضد الولايات المتحدة وإسرائيل قد يكون مُرضِيًا نفسيًا، فهو لن يؤدّي إلّا إلى مزيدٍ من تدمير أرواح المدنيين والبنية التحتية. فهذان الطرفان، اليائسان بعد فشلهما في تحقيق أيٍّ من أهدافهما، يلجآن بشكلٍ متزايد إلى استهداف مواقع حيوية في قطاعات الأدوية والطاقة والصناعة، وإلى استهداف المدنيين الأبرياء عشوائيًا. كما إنَّ العنف يستقطبُ ببطء المزيد من الدول، مما يُهدّد بتحويل الصراع الإقليمي إلى صراعٍ عالمي. وللأسف، تعرّضت المنظمات الدولية لضغوطٍ من الولايات المتحدة لإسكاتٍ إزاء فظائع واشنطن العديدة، بما في ذلك مذبحة ما يقرب من 170 طفلًا وطفلة في اليوم الأول من الحرب.

لذا، ينبغي لطهران أن تستغلَّ تفوّقها لا لمُواصلة القتال، بل لإعلان النصر وعقد اتفاقٍ يُنهي هذا الصراع ويمنع نشوب صراع آخر. عليها أن تعرض فرض قيود على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع جميع العقوبات – وهو اتفاقٌ لم تكن واشنطن لتقبله سابقًا، ولكنها قد تقبله الآن. ينبغي على إيران أيضًا أن تكون مستعدة لقبول اتفاقية عدم اعتداء متبادَلة مع الولايات المتحدة، يتعهّد فيها البلدان بعدم توجيه ضربات لبعضهما البعض مستقبلًا. وقد يتيح ذلك فرصًا للتعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة، وهو ما يُعد مكسبًا للشعبين الأميركي والإيراني على حد سواء. من شأن هذه النتائج أن تُمكّن المسؤولين الإيرانيين من التركيز بشكلٍ أقل على حماية بلادهم من الخصوم الأجانب، وأكثر على تحسين حياة شعبهم داخليًا. بعبارةٍ أخرى، تستطيع طهران ضمان مستقبل مشرق جديد يستحقّه الإيرانيون.

يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم ضعف موقفه أو ربما بسببه، إصدار تصريحات متناقضة ومُربكة بشأن المفاوضات. فيوم الأربعاء، ألقى خطابًا أهان فيه جميع الإيرانيين بتعهّده بقصف إيران “حتى تعود إلى العصر الحجري، حيث تنتمي”، بينما وعد، كما فعل مرارًا وتكرارًا، بأنَّ الحملة العسكرية الأميركية على وشك الانتهاء خلال أسابيع قليلة. لكن من الواضح أنَّ البيت الأبيض قلقٌ من ارتفاع تكاليف الطاقة، الناجم عن القصف الأميركي، الذي بات يُشكّل عبئًا سياسيًا. من هنا، توفر هذه الخطة لترامب مخرجًا مناسبًا في الوقت المناسب. في الواقع، قد تُحوّل حساباته الخاطئة إلى فرصةٍ لتحقيق نصرٍ دائم للسلام.

تحقيق النصر

يشعر الإيرانيون بغضب شديد تجاه الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب عدوانها الحالي. فمنذ مطلع الألفية، تعرّضت الجمهورية الإسلامية وشعبها للخيانة مرارًا وتكرارًا من قبل المسؤولين الأميركيين. قدمت إيران المساعدة للولايات المتحدة ضد تنظيم “القاعدة” في أفغانستان بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، ليقوم بعدها الرئيس جورج بوش (الإبن) بإدراج طهران ضمن “محور الشر” ويُهدّد بضربها. تفاوضت إدارة الرئيس باراك أوباما وأبرمت الاتفاق النووي لعام 2015 مع قادة إيران، لكن التزام طهران الدقيق والمُوَثَّق بالاتفاق لم يدفع الإدارة إلى تطبيع العلاقات الاقتصادية العالمية مع إيران، كما وعدت. كما إنَّ التزامَ إيران لم يمنع ترامب من تمزيق الاتفاق ثم شن حملة شرسة من “الضغط الأقصى”: عقوبات صارمة تهدف إلى إفقار 90 مليون إيراني. استمرّت هذه السياسات في عهد الرئيس جو بايدن، رُغم وعده بإحياء الديبلوماسية.

عندما عاد ترامب إلى منصبه لولاية ثانية، أصبح نهج واشنطن أكثر تضليلًا. أعلن البيت الأبيض رغبته في إبرامِ اتفاقٍ جديد، وأرسلت إيران أكفأ ديبلوماسييها وخبرائها للتفاوض. لكن سرعان ما أثبت ترامب عدم جديته. فبدلًا من إرسال مبعوثين ذوي خبرة، أرسل اثنين من المُقرَّبين إليه من مطوّري العقارات -صهره جاريد كوشنر وصديقه ستيف ويتكوف- اللذين كانا يفتقران تمامًا إلى المعرفة الجيوسياسية والتقنية النووية. وعندما فشلا، كما كان متوقَّعًا، في فهم عروض إيران السخية للتوصُّل إلى اتفاق، شنّ البيت الأبيض هجومًا مسلحًا واسع النطاق ضد المدنيين الإيرانيين.

ونتيجةً لذلك، ينظر قطاع كبير من الشعب الإيراني إلى أيِّ حديثٍ عن إنهاء هذه الحرب عبر الديبلوماسية، بدلًا من المقاومة المستمرة والضغط على المعتدين المُحاصَرين، على أنه هرطقة وغير مجدٍ. ولا يرغب الإيرانيون في التحدث إلى مسؤولين أميركيين خانوهم مرارًا وتكرارًا. ولكن على الرُغم من أنَّ هذا المنظور مفهوم، إلّا أنَّ الجمهورية الإسلامية ستكون في وضعٍ أفضل في نهاية المطاف إذا تمكّنت من إنهاء الحرب عاجلًا وليس آجلًا. سيؤدي استمرار العداء إلى خسائر أكبر في الأرواح والموارد التي لا تُعَوََّض، من دون أن يُغيَّرَ الوضع الراهن، لا سيما مع استمرار الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف البنية التحتية الإيرانية. ورُغم قدرة إيران على تدمير البنية التحتية للمنطقة ردًّا على ذلك، فإنَّ هذا لا يهمّ الولايات المتحدة، التي تنظر إلى جميع حلفائها العرب المزعومين في المنطقة على أنهم مجرد دروعٍ تستخدمها للدفاع عن إسرائيل. ولن يُعوّض تدمير البنية التحتية للمنطقة خسائر إيران. وقد يُفضي استمرار القتال إلى غزو بري أميركي. ورُغم أنَّ هذا سيكون إجراءً يائسًا يُغرق واشنطن في مستنقع أعمق، إلّا أنَّ الغزو البري لن يُحقق مكاسب تُذكر لإيران. وأخيرًا، إذا انسحبت الولايات المتحدة قبل أن يتوصّل الطرفان إلى اتفاق، فلن تتمكّن إيران من جني ثمار مقاومتها الباسلة للعدوان الأميركي.

إذا ما اختار الطرفان الحوار، فبإمكانهما السعي إلى أحد خيارين: الأول هو اتفاق وقف إطلاق نار رسمي أو غير رسمي. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الخيار الأمثل. وهو بالتأكيد الخيار الأقل مقاومة. ففي نهاية المطاف، لتحقيق وقف إطلاق النار، لن تحتاج طهران وواشنطن وحلفاؤهما إلّا إلى إلقاء أسلحتهم. ولن يكونوا بحاجة إلى حل التوترات الكامنة التي أثقلت كاهل علاقاتهم لعقود.

لكن أي وقف لإطلاق النار سيكون هشًا بطبيعته. ستبقى الدولتان متشككتين ومُرتابتين تجاه بعضهما البعض، تحديدًا لأنهما لم تعالجا خلافاتهما الجوهرية. وبالتالي، لن يتطلب الأمر الكثير -خطأ آخر في التقدير، أو انتهازية سياسية في غير محلها- لاستئناف إطلاق النار. لذا، ينبغي على المسؤولين السعي نحو النتيجة الثانية: اتفاق سلام شامل. بعبارة أخرى، عليهم استغلال هذه الكارثة كفرصة لإنهاء 47 عامًا من العداء.

إنَّ الصراع الحالي، على فظاعته، قد يُسهّل التوصُّل إلى مثل هذا الاتفاق. ذلك لأنه كشف حقائق معينة عن غرب آسيا لم يعد بإمكان طهران وواشنطن تجاهلها. بدايةً، أظهر أنَّ الولايات المتحدة عاجزة عن تدمير البرامج النووية أو الصاروخية الإيرانية، حتى عندما تعمل جنبًا إلى جنب مع إسرائيل وبدعم مالي ولوجستي من شركائها في الخليج العربي. هذه البرامج ببساطة راسخة ومتفرّقة للغاية بحيث لا يمكن تدميرها بالقصف. في الواقع، في ما يتعلق بالملف النووي، لم تُسفر الضربات الأميركية والإسرائيلية إلّا عن إثارة نقاش حول ما إذا كان ينبغي لإيران التخلّي فعلًا عن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتغيير عقيدتها في هذا الشأن. كما أوضحت هذه الضربات بجلاء أنَّ أنباء انهيار “محور المقاومة” -شبكة شركاء إيران الإقليميين- كانت مبالغًا فيها إلى حد كبير. بل إنَّ العدوان أعاد إحياء المقاومة للسياسة الخارجية الأميركية في دول الجنوب العالمي، وفي بعض أجزاء أوروبا، وحتى في بعض الولايات الأميركية، حيث رفض بعض مؤيدي ترامب سياساته التي تُعطي الأولوية لإسرائيل.

أما بالنسبة إلى المنطقة، فقد أثبتت الحرب أنَّ محاولة الاستعانة بمصادر خارجية أو شراء الأمن من الولايات المتحدة استراتيجية خاسرة. لسنوات، اعتقدت الدول العربية أنها تستطيع حماية نفسها بدفع المال للولايات المتحدة لإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها. في غضون ذلك، رفضت الدول العربية، أو تجاهلت إلى حد كبير، عروض إيران بشأن ترتيبات الأمن الإقليمي، بدءًا من اقتراحها عام 1985 -الذي تم تضمينه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598- بأن تُنشئ دول الخليج العربي ترتيبًا أمنيًا إقليميًا، مرورًا بعروضها لعقد معاهدة عدم اعتداء عام 2015، ومبادرة هرمز للسلام عام 2019. اعتقدت الدول العربية أنَّ هذه المقترحات غير ضرورية، لأنه عند الضرورة، سيساعدها المسؤولون الأميركيون في إدارة علاقاتها مع إيران وحمايتها من أيِّ صراعٍ إقليمي. لكن بدلًا من ذلك، قررت الولايات المتحدة بدء قصف الجمهورية الإسلامية رُغم اعتراضاتها الشفهية -والتي كانت صادقة في بعض الأحيان- واستخدمت قواعدها على أراضيها لتنفيذ حملتها، كما كان متوقعًا. ونتيجة لذلك، أصبحت الدول العربية ساحات حرب، وهو ما كانت تسعى جاهدة لتجنُّبه.

تُؤكّد هذه النتائج صحّة ما دأبت طهران على طرحه بشأن نفسها وبشأن طبيعة النظام الإقليمي. غير أنَّ تعاظُم ثقتها بنفسها يفرض عليها أيضًا استخلاص درس مهم: وهو أنَّ تقنيتها النووية لم تنجح في ردع الاعتداءات والعدوان، بل ربما شكّلت ذريعة للهجمات الإسرائيلية والأميركية. وفي المقابل، أثبتت إيران كذلك أنَّ البرنامج النووي الإسرائيلي غير القانوني لم يكن قادرًا على حماية الإسرائيليين من وابلٍ يومي من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة. ويعزز هذا الإخفاق الشكوك في أنَّ امتلاك برنامج نووي، مهما بلغ تطوّره، يمكن أن يضمن أمن إيران. وبدلًا من ذلك، يؤكد المسؤولون المدنيون والعسكريون الإيرانيون أنَّ العنصر الأكثر فعالية في دفاع البلاد الناجح كان شعبها الصامد وقدرته على التحمّل.

التحضير للسلام

تعني هذه الحقائق أنَّ المعاملة بالمثل ستكون أساسية لأيِّ تسوية، حتى في المراحل الأولى. لبدء عملية السلام، على سبيل المثال، يجب على جميع الأطراف في غرب آسيا الاتفاق على وقف القتال في ما بينها. يتعيّن على إيران، بالتعاون مع سلطنة عُمان، ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. لكن على المسؤولين الأميركيين أيضًا السماح بفتح المضيق أمام إيران. ومن المفارقات الجغرافية أنَّ المضيق، رُغم مجاورته للأراضي الإيرانية، مغلق فعلياً أمام إيران منذ سنوات بسبب العقوبات الأميركية. وقد تسبب هذا في فسادٍ مُستشرٍ داخل إيران، واستغلالٍ فاحشٍ من قِبل بعض جيرانها الجاحدين. لذا، حتى قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، يجب على الولايات المتحدة السماح ببيع النفط الإيراني ومشتقاته من دون عوائق، وإعادة عائداته إلى إيران بأمان.

وباتخاذ إيران والولايات المتحدة هذه الإجراءات الفورية، يمكنهما البدء في صياغة اتفاق سلام دائم. ومن المرجح أن يتناول جُزءٌ كبير من هذا الاتفاق القضايا النووية. فعلى سبيل المثال، ستلتزم إيران بعدم السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، وخفض نسبة تخصيب اليورانيوم في مخزونها بالكامل إلى مستوى متفق عليه أقل من 3.67%. في الوقت نفسه، ستسعى الولايات المتحدة إلى إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن الدولي ضد إيران، وإلغاء العقوبات الأميركية الأحادية المفروضة عليها، وتشجيع شركائها على فعل الشيء نفسه. يجب السماح لإيران بالمشاركة الفعّالة في سلاسل التوريد العالمية من دون عوائق أو تمييز. وبدوره، سيصادق البرلمان الإيراني على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يضع جميع منشآتها النووية تحت مراقبة دولية دائمة. وقد طالبت الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، بشروط أكثر صرامة، وتحديدًا منع تخصيب اليورانيوم. لكن المسؤولين الأميركيين يدركون تمامًا أنَّ هذه المطالب ضرب من الخيال. ولن تتمكن الولايات المتحدة من انتزاع ما سعت إليه وفشلت في تحقيقه خلال حربين عدوانيتين غير مُبَرَّرتين من إيران.

لن تحل هذه التسويات جميع النزاعات النووية بين طهران وواشنطن، لكنها ستسوّي معظمها، ويمكن للدول الأخرى المساعدة على معالجة التحدي الأكبر المتبقي: كيفية التعامل مع اليورانيوم الإيراني. بإمكان الصين وروسيا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، المساعدة على إنشاء تحالف لتخصيب اليورانيوم مع إيران والدول المجاورة المهتمة في الخليج العربي، ليصبح هذا التحالف المنشأة الوحيدة لتخصيب اليورانيوم في غرب آسيا. وستقوم إيران بنقل جميع موادها ومعدّاتها المخصّبة إلى هذا الموقع. وكجُزء إقليمي آخر من خطة السلام، ينبغي على البحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة واليمن -إلى جانب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وربما مصر وباكستان وتركيا- البدء في التعاون على شبكة أمنية إقليمية لضمان عدم الاعتداء والتعاون وحرية الملاحة في جميع أنحاء غرب آسيا. ويشمل ذلك وضع ترتيبات رسمية بين إيران وعُمان لضمان المرور الآمن والمستمر للسفن عبر مضيق هرمز.

لتعزيز السلام، ينبغي لإيران والولايات المتحدة بدء تعاون تجاري واقتصادي وتكنولوجي متبادل المنفعة. فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران دعوة شركات النفط، بما فيها الشركات الأميركية المهتمة، لتسهيل الصادرات إلى المشترين فورًا. كما يمكن لإيران والولايات المتحدة ودول الخليج العربي التعاون في مشاريع الطاقة والتقنيات المتقدمة. وينبغي لواشنطن أيضًا الالتزام بتمويل إعادة إعمار المناطق المتضررة من حروب عامي 2025 و2026 في إيران، بما في ذلك تعويض المدنيين عن خسائرهم. قد يتردد بعض المسؤولين الأميركيين في تقديم هذه المدفوعات، لكن الديبلوماسيين الإيرانيين لن يتمكنوا من المضي قدمًا في أيِّ اتفاق بخلاف ذلك، ومن المرجح أن تكون تكلفة تمويل إعادة إعمار إيران أقل بكثير من تكلفة الاستمرار في هذه الحرب المكلفة وغير الشعبية.

وأخيرًا، ينبغي لإيران والولايات المتحدة الإعلان عن اتفاقية عدم اعتداء دائمة وتوقيعها. وبذلك، يلتزم الطرفان بعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد بعضهما البعض. وعندها، ستنهي إيران والولايات المتحدة تصنيفات الإرهاب المختلفة التي ألصقها كل منهما بالآخر. سيبحث الطرفان إمكانية إيفاد ديبلوماسيين للعمل في أقسام المصالح المشتركة، واستئناف الخدمات القنصلية، ورفع القيود المفروضة على سفر مواطني كل منهما.

لن يكون التوصل إلى هذا الاتفاق سهلًا. سيظل الإيرانيون متشككين بشدة في نوايا واشنطن طوال فترة المفاوضات. وفي الوقت نفسه، سيستمر ترامب ومسؤولوه في النظر إلى طهران بعين الريبة. وقد تضطر الصين وروسيا، وربما بعض دول المنطقة، إلى تقديم ضمانات لمعالجة هذه المخاوف المتبادلة الخطيرة.

لكن هذه الحرب، على بشاعتها، فتحت الباب أمام تسوية دائمة. قد يشعر الإيرانيون بالغضب، لكن بإمكانهم المضي قدمًا وهم يعلمون أنهم صمدوا في وجه هجوم عسكري ضخم وغير شرعي من قبل قوتين نوويتين. قد لا يزال المسؤولون الأميركيون يكنّون ضغينة للجمهورية الإسلامية، لكنهم يدركون الآن أنَّ الحكومة باقية، وأنَّ عليهم التعايش معها. قد تكون المشاعر متأججة، ويتباهى كل طرف بانتصاراته على جبهات القتال. لكن التاريخ يُخلّد ذكرى مَن يصنعون السلام.

Exit mobile version