
هنري زغيب*
للمناسبات في الشعر العربي مساحات واسعة من القصائد، ومسافات واسعة في الزمان، تمتدُّ من أَقصى الجاهلية (مدحًا أَو فخرًا أَو هجاءً أَو رثاءً، وما كان من حوادثَ فيها أَرَّخها الشعر بتفاصيلها وأَبطالها ونتائجها)، بُلُوغًا إِلى العصور التالية، وصولًا إِلى عصرنا اليوم، وفيه لا تزال رائجةً قصائدُ المناسبات، وشعراءُ المناسبات يملأُون المنابر، ويُلقُون شعرًا مُعظمُه من نظْم المديح، وقليلُه يَبلغ قلْب الشعر فيتجاوز المناسبة إِلى نسْج رائعة شعرية تبقى على الزمن.
ولكن… ما طبيعة المناسبة حتى تستاهل قصيدةً فيها؟
مَن يخلِّد مَن؟
لا يستهينَنَّ الشاعر بالمناسبة، على أَنها عابرةٌ وتَمضي، ولا يذْكرها لاحقًا إِلَّا بعضُ حضورها وأَرشيف الصحف. الخطورة هنا أَنَّ القصيدة تبقى، ويُحاسَب الشاعر على جودتها في أَيِّ وقت لاحق. إِذا كانت المناسبة عابرة، فالشعر ليس عابرًا.
غالبًا ما يخلِّدُ الشاعرُ المناسبة، فتكون قصيدتُه مرجعًا إِليها ولو بعد حين، وتكون القصيدة خلَّدت المناسبة لا العكس.
معظَمُ قصائد المتنبي خلَّدَت الممدوحين ومناسبات إِلقائها. عاشوا بفضلها إِلى اليوم، مع أَنَّ الشاعر فيها، ولو على حساب اللمعة الشعرية العالية، يكون نَحا غالبًا إِلى مدْح شخصيٍّ مباشرٍ أَرضى يومها الممدوحَ، لكنها اليومَ لم تعُد تُرضي الشعر.
قصائد سعيد عقل المنبرية احترمت أَصحاب المناسبة يومها، فأَرضت قَدْرَهم يوم الاحتفال بهم. لكنها ما زالت كلّ يومٍ تُرضي الشعر، لِمَا فيها من مضامين شعرية وحضارية وفكرية طرَّزها الشاعر على أَعلى مستوى من الشعر، ناحتًا قصيدتَه عمارةً احتوَت المناسبة فلم تَعُد هذه سوى إِطار للقصيدة.
المنبر هو المناسبة
كانت المنصَّة واحةَ الشاعر الواحدة ونافذةَ شعره الوحيدة. من هنا أَن الشعر العربي “ظاهرة صوتية”، بارتكازه على المنبر إِلقاءً (منذ عكاظ الجاهلية حتى اليوم) وعلى جمهوره مستمعًا (أَكثر منه قارئًا). ولا تزال هذه الظاهرة (ولو بشكل عصري) سائدة حتى اليوم، بدليل إِقبال الجمهور على سماع الشاعر يلقي قصائده على المنبر، أَكثر من إِقبالهم على اقتناء مجموعاته الشعرية وقراءَتها. وقصائد الشاعر، إِن كان بارعًا في إِلقاء الشعر، تبلغُ متلقِّيها أَعمق مما تصلهم لدى قراءتهم إِياها بين دفتي الكتاب.
ربما هذا ما يجعل جمهورَ المناسبات، عمومًا، يطْرب للشعر أَكثر منه للخطَب النثرية. مع أَن خطبةً نثريةً تكون أَحيانًا (وربما غالبًا) أَبلغ من القصيدة. لكن إِلقاء القصيدة، بتطريب وزْنها ورنَّة قوافيها، يشدُّ إِليها الجمهور أَكثر من النثر المنبري.
المنبر للنظم أكثر منه للشعر
هنا فخٌّ يقع فيه الجمهور وأَحيانًا يوقع معه الشاعر:
1) معظم الشعراء (النظَّامين) يكتفون بأَن يستقيمَ لهم الوزن ببحوره وجوازاته وتفعيلاته، وتنساقَ لهم القوافي بِرَويّها وحروفها (وهذا نظم أَجْوَف لا شعر فيه) فيتعمَّدون في إِلقائها تطريبًا يثير صوتيًّا إِعجابَ الجمهور فتصفيقَه.
2) معظم الجمهور المستمع لا يأْبه للنسيج الشعري العالي في القصيدة، فيكتفي منها بالصورة والفكرة (وأَحيانًا تكون فيها مبالغات تُرضي الجمهور ولا تُرضي الشعر). وهنا يكتفي الجمهور برنّة التطريب في الإِلقاء ونبرة الحماسة الصوتية في نهايات الأَبيات، ليُبدي بالقصيدة إِعجابًا غالبًا ما يضلِّل الشاعر بعيدًا عن معيار الشعر الشعر.
الهامش الضيق
أَقصى ما يمكن السماح به في قصيدة المناسبة: أَن تقتصر أَبياتٌ منها على المناسبة وحسْب (صاحبها أَو مكانها أَو ذكراها)، وأَن يكون في تلك الأَبيات جمالٌ شِعريٌّ، وصفًا أَو مدحًا أَو ابتكارَ صورة تَخُصُّ صاحب المناسبة (وهذا ما يضيف الـ”كيف” إِلى الـ”ماذا” في الشعر). لكنّ تلك الأَبيات بالذات، برغم شاعريتها، لا تشكِّل وحدها مادةً لِخُلود القصيدة بعد مرور زمن المناسبة.
الحلقة المقبلة (الأَخيرة في هذه السلسلة): خلاصة عامَّة.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).
