“مشاهدُ من حُلم” رمزي الريحاني

هنري زغيب*

خلُتُه سيبقى على كتابه السندبادي الوحيد “اللون الآخر: حول العالم في ستة أَشهُر”(بيروت-1984). هاجرَ بعدَه للعمل في الولايات المتحدة وهجَر الكتابة. سوى أَنه، بعد 42 سنة، خلَعَ عنه معطف “البِزْنِس”، وارتدى “بُرنُس” الأَدب، وأَصدر قبل أَيام بالإِنكليزية مجموعتَه الشعرية الأُولى “مشاهدُ من حُلم” في صيغتَيْن: كتابٍ ورقيّ وكتابٍ إِلكترونيّ.

لكأَنَّ نبْضًا ما زال ينسُجُ فيه إِرث “شُرفة الفريكة”: أَسَّسها عَمُّه كبيرُنا أَمين الريحاني، مُشْرفًا منها على “قلب لبنان” ومُصَلِّيًا عليها قصيدته “النجوى”. ثم أَكمَل الإِرثَ والدُه شقيقُ الأَمين: أَلْبرت الريحاني، فكَرَّس الشُرفةَ حلْقةً أَدبيةً دائمةً تَزاوجت مع مؤَسَّسته الكبرى “دار الريحاني للنشر”. وتَواصَلَ إِرثُ الأُسرةِ الأَدبيُّ مع شقيقه البِكْر الأَديب المجدِّد أَمين أَلبرت الريحاني، ومع شقيقته الشاعرة مي الريحاني زَنبقةِ البيت وزنبقةِ الشعر وزنبقةِ لبنان في واشنطن.

ما زال الرمزي على سُكُونه الناطق أَعرفُهُ منذ تَزاملْنا معًا في “النهار” (1974) لدى مملكة شوقي أَبي شقرا. كان رمزي يومها كاتبًا مسرحيًّا، وناقدًا موسيقيًّا، عُدتُ فوجَدْتُ إِيقاعه ذاتَه في مجموعته الشعرية هذه، الحديثةِ الولادة “Scenes from a Dream”. وهي نالت سنة 2024 الجائزة الأُولى عن الشعر من أَنطولوجيا “Polk Street Review” (تصدر في ولاية إِنديانا). وكان رمزي نشَرَ عددًا من قصائد المجموعة لدى مجلَّات شعرية متخصصة: في الولايات المتحدة وكندا وإِيرلندا وبلجيكا ورومانيا وجنوب أَفريقيا والصين والهند. وكانت لها أَصداء ساطعة من قرَّاء تلك المجلَّات الشعرية العالَمية.

أَذوقُ قصائده متعةً جماليَّة إِثْر متعة: أَقرأُ إِنكليزيتَه الوُثقى محاذرًا أَن تُزعجَها الترجمة. فَلْأُحاول في قصيدة أُولى: “غسَلَتْ وجهَها بالذكريات حتى أَخيرتِها، تائقةً أَن تُصبحَ مَن كانت تحلُم أَن تكون. لكنها خلُصَت إِلى أَنها لن تكون سوى… مَن دائمًا كانت”. وفي قصيدة ثانية: “عَبَقَ الفضاءُ بالصمْت، كثيفًا حتى فلا دَويَّ يخترقُه، قويًّا حتى بات الصمتُ فضاءَها للتنفُّس”. وفي ثالثة: “لم تُعِقْهُ آلامُه في الحياة. جَعلَها مَصدَرَ قُوَّته. ما ليس يملِكُهُ يمنحُه الحرية، وما يملِكُه يسلُبها منه. بلى: حتى الأَحلامُ تستغرقُ بعضَ الوقت. فيومَ توقَّف عن الحُلم، أَزهرَت جميعُ أَحلامه”. وفي رابعة: “لم يَعُد وقتٌ لانتظار الموت. لم يَعُد هواءٌ للتنفُّس. الترَفُ سجينٌ مكبَّل، لأَننا ننسى أَن نُعطي، أَن نُحدِّق، أَن نسامح. لأَننا ننسى أَن نحلُم، أَن نصرخ، أَن نُحبّ”. وفي خامسة: “عارٌ على دوَل العالَم، تتفرَّج بحيادية. عارٌ على الزعماء وأَتباعهم، يتوهَّمون أَنْ يمكنهم كَبْحُ الريح. عارٌ على القويّ أَن يحلُم بقوةٍ أَكبرَ بعد، وعلى المتسلِّط أَن يبتلَع الضعيف. وعارٌ عليَّ أَن أَرى وأَسمعَ وأَبدو غير مُهتَمّ، ثم أَغدو صباحًا إِلى عملي كالمعتاد”.

أَتوقَّف عن قطْف الأَبيات، فعَبَقُها في قصائد رمزي يَطفَح بالجمال. وهي في قلْب الشعر الذي مبدأُه الأَول ليس “ماذا” تقول بل “كيف تقول ماذا”. وهو عرفَ كيف يُباغت القارئَ باللامأْلوف من التعابير وصُوَرها الحافية كي لا تَخدُش سمْع الكلمات المأْلوفة. هكذا هي مجموعةُ رمزي الرُباعية الأَجنحة: الحب، التأَمُّلات، الحرب والسلم، مشاهدُ من الحياة. وهكذا تَهدُلُ مجموعتُه بين الرُموز والأَصداء واكتشاف الذات لاكتشاف السوى، حتى ليَشْعر مُتَلقّيه أَنه المعنيُّ والمعاين في اللحظة ذاتها.

طويلًا سكَت رمزي عن الشعر. وحين عاد إِليه، أَزهرَ مجيئُه مجموعةَ غاردينيا بنفسجيَّةَ العبَق والبَوْح، مُفيدًا من وسائط التعامُل العصري مع القرَّاء، مُوكِلًا حمْلَها إِليهم مؤَسسةَ “أَمازون” العالَمية، تُوصلُها إِلى كُلّ العالَم بالصيغتَين: الكتاب الورقيّ (104 صفحات) أَو الكتاب الإِلكتروني (مع موسيقى عذْبة ترافقُ صوتَ الشاعر يُلْقي قصائدَه مطبوعةً على الشاشة بين مناظرَ شاعرية).

في مجموعة رمزي الريحاني، تُسافر قصائدُه إِلى الأَنكلوفونيين في العالم، فَتَتَجَنَّح أَصواتُها في بعيدِ البعيد، لتَحُطَّ في لبنان، مُعانِقةً أَصداءَ ملْهَمَةً كانت، وما زالت، تتنفَّس أَعلى مراتب الشعر والأَدب على… شُرفة الفريكة.

Exit mobile version