هنري زغيب*
يروي الصديق سُهيل مطر – صاحبُ فكرة أَن يعطي سعيد عقل دروسًا ومحاضراتٍ لطلَّاب جامعة سيدة اللويزة – أَنَّ سعيد عقل سأَله يومًا عن المدَّة المتبقِّية له قبل تقاعُده كنائب رئيس الجامعة للشؤُون الثقافية)، فأَجاب سهيل: “خمس سنوات”، ليعلِّق سعيد عقل بقلَق: “وكيف أَفعلُ بعدَك يوم تغادرُ الجامعة، وأَنت جئتَ بي إِلى هنا”؟
كان يمكن هذا الحوار أَن يبدو طبيعيًّا لولا أَنَّ سعيد عقل يومها كان في… الرابعة والتسعين! وأَذكر أَنني، فترتئذٍ، كنتُ أُداومُ على حضوري دروسَه وأَنهلُ منه ومنها زادًا لثقافتي ولبنانيتي والهوية. وقبلذاك، حين جلستُ إِليه ما مجموعه نحو 50 ساعة لأَضع عنه لاحقًا كتابي “سعيد عقل إِن حكى”، كان يخبرني عمّا ينوي تحقيقه تباعًا بعد سنواتٍ لاحقة “كأَنه يعيش أَبدًا”.
في مقالي لـ”أسواق العرب” هذا الأُسبوع أَوردتُ مقولة آينشتاين “الحياة درَّاجة، وعليكَ أَن تدوسَ باستمرارٍ متقدِّمًا، فإِنْ توقفْتَ وقعْتَ عنها”.
هذا المفهوم للوقت والزمن، وعيتُ عليه باكرًا منذ قرأْتُ في صباي رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للكاتب الروماني فيرجيل غورغْيُو (1916-1992). وعلى أَثرها بي، كتبتُ قصيدتي القديمة (1976) “أُريدُ وقتًا خارج الزمان… ما عاد يَكفيني تَباطُؤُ البقاء في لُزُوجة اللحظة”. وما زلتُ حتى اليوم أُسابق الوقت قبل أَن يفاجئَني العُمر فيخطفَني قبل أَن أُنتج أَكثر.
الوقت… الوقت… هذا اللاملموسُ المخيفُ الذي يلامس غدَنا ولا يتيح لنا لمسةً واحدة ولو بعَودةٍ ضئيلةٍ عجلى إِلى أَيِّ أَمس. لذا علينا أَن نُماشيه لـحاضرنا ونلهَثَ خلفه لـغَدنا، فنبقى في حالة “دَوْس” دائمٍ على درَّاجة الحياة كي لا يسبقَنا العمر فنبقى على المحطة بؤَساء عاطلين عن العمُر والعمَل، منتظرين “غودو” على رصيف الأَيام.
الشاهدُ من كلِّ هذا الكلام أَنْ نستغلَّ كلَّ لحظة من حياتنا للإِنتاج والعمَل وإِخصاب عمْرنا بما يفيدُنا ويفيد السوى. وفي اللغة الأَلمانية أَنَّ الوقتَ كلمة مؤَنثة، وتاليًا هي الخصوبة. فعلى الكاتب (أَو أَيِّ منتجٍ في أَيِّ حقل) أَن يُخْصب الوقت، كما أَيُّ ذَكَرٍ يُخصب أُنثى حتى تَلِدَ له ثمرةَ إِخصابه. من هنا رفضيَ التسَكُّعَ العقيم في المقاهي أَو أَيِّ مكانٍ أُمضي فيه وقتًا مجانيًّا عقيمًا غيرَ منتِج، حتى لو كانت شذراتِ وقتٍ ضئيلةً لبعض استراحةٍ من الكتابة والتأْليف.
روى لي المفكِّر الفلسفيُّ اللبنانيُّ الأَب إِتيان صقر (1925-1994) عن جلساته في جامعة باريس العاشرة إِلى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913-2005) المشْرف يومها على أُطروحة الدكتوراه عن كتاب “الحقيقة والطريقة” (1960) للفيلسوف الأَلماني هانز جورج غادامر (1900-2002) وهو فلسفيًّا على نهج كتاب “الكائن والزمن” (1927) للفيلسوف الأَلماني مارتن هايدغر (1889-1976). وإِذ احتاجَ الأَب صقر إِلى سؤَال أَخير قبل عودته إِلى لبنان، عجزَ عن الاتصال بأُستاذه ريكور، فاستنجدَ بصديق أَمَّن له جلسةً من 15 دقيقة “فقط”. وقبل أَن يغادر، شكره على وقته الثمين، فأَجابه ريكور أَنه اقتطع له تلك الدقائق القليلة من فترة ساعتين يخصِّصهما أُسبوعيًّا بعد ظهر الأَحد لخلوةٍ تامة يستمع فيها إِلى الموسيقى الكلاسيكية. رواها لي الأَب أسطفان في مكتبه (وكان يومها رئيس جامعة الروح القدس بين 1968 و1974)، واستطرد: “يقالُ لنا إِن الوقت من ذهب. وأَنا أَقول إِنه أَثمنُ من أَيِّ ثمين في حياتنا على الإِطلاق. الذهَب نفقدُه وقد نُعيدُه. لكنَّ الوقت إِذ نفقدُه يَضيع نهائيًّا ولا يمكننا نستعيدُ ما فاتنا منه هاربًا في الزمان. لذا علينا أَن نستفيد من كل لحظةٍ تمنحنَاهَا الحياة، لأَنها إِن ضاعت أَفقدَتْنا وقتًا مهدورًا من عُمْر عقيم”.
يومها (1970) خرجتُ من مكتب الأَب أُسطفان، ترنُّ في وجداني عبارتُه، وما زلتُ حتى اليوم (منذ 56 سنة) أُحاول أَلَّا أُضيع لحظاتٍ عقيمةً من أَيامي، وأَن أَنصرفَ إِلى لحظاتٍ منتجةٍ في كتابة متواصلة بإِخصابيَ تلك الأُنثى الجميلةَ الوفيَّةَ التي هي.. الوقت.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في صحيفة “النهار” (بيروت).
