“العراقي الغامض”: سيرةُ رجل أم تشريحُ دولة؟

قراءةٌ تحليلية مُعمّقة لكتاب الصحافي والمُحلّل السياسي اللبناني سليمان الفرزلي “العراقي الغامض”، الصادر أخيرًا عن دار النهار في بيروت، والذي كانت “أسواق العرب” قد نشرت بعض فصوله، تكشفُ كيف يتحوّل الحاكم إلى ظاهرة، وكيف تغدو الدولة مرآةً لاضطراباته وتناقضاته.

سليمان الفرزلي.

ميشال مظلوم*

في كتابه “العراقي الغامض: قراءة متأخّرة في عقل صدام حسين”، الصادر عن دار “النهار” في بيروت في 333 صفحة، لا يكتب سليمان الفرزلي سيرةً سياسيةً تقليديةً عن صدام حسين، ولا ينجز محاكمةً تاريخيةً جاهزة، بل يقدّم ما يسمّيه بنفسه “دراسة حالة”: محاولة لفهم شخصية حكمت العراق بوصفها ظاهرة مركّبة، لا مجرّد حاكمٍ عابر. ومنذ الصفحات الأولى يعلن المؤلف أنَّ صدام بالنسبة إليه “حالة” تستحق الدرس والتحليل، وأنَّ غرضه هو الاقتراب من تلك الشخصية عبر تناقضاتها، لا عبر اختزالها في صورة شيطانية واحدة أو في سردية تمجيدية مقابلة. هذا المدخل يحدّد نبرة الكتاب ومنهجه معًا، ويشكّل مفتاح قراءته كلّها.

أول ما يلفت في الكتاب هو فكرته المركزية القوية: صدام حسين، في نظر الفرزلي، ليس شخصية يمكن فهمها من خطٍّ واحد، بل من شبكة تناقضات متداخلة: عنف وإنجاز، حزبية وعشائرية، ادعاء قانوني وممارسة فوق-قانونية، علمانية مُعلنة وتديّن سياسي وظيفي، طموح تحديثي من جهة، ونزعة تدمير ذاتي من جهة أخرى. لذلك اختار المؤلف عنوانًا موفَّقًا نسبيًا: “العراقي الغامض”، لأنَّ الغموض هنا ليس زينة لغوية، بل مفهومٌ تحليلي يشتغل عليه الكتاب في معظم فصوله. فالمؤلف يصرّ على أنَّ صدام لم يكن مجرد ديكتاتور دموي، مع أنَّ هذه الصفة لا تغيب عنه، بل كان أيضًا رجل دولةٍ أقام بُنى تعليمية وتنموية، ثم عاد هو نفسه ليقوّض كثيرًا مما بناه بالحروب، والارتياب، والتفرّد، ونزعة التصفية. هذه الثنائية تتكثف في العبارة المفتاحية التي يكرّرها الكتاب بصيغ مختلفة: كان رجلًا في دولة، ودولةً في رجل.

من الناحية البنيوية، يبدو الكتاب منظّمًا على نحوٍ ذكي. فالفهرس نفسه يكشف أنَّ المؤلف لا يسير زمنيًا فقط، بل يُفكّك الشخصية إلى أقنعة أو وجوه: المربّي، المرتاب، البعثي، الماكر، النائب، الرئيس، المحارب، المؤمن، المنظّر، المهزوم… إلخ. هذا التقسيم ليس شكليًا؛ إنه يعكس اقتناعًا بأنَّ فَهمَ صدام لا يتم من خلال التسلسل التاريخي وحده، بل من خلال الوظائف النفسية والسياسية التي لبسها في كل طور. وهذه من نقاط قوة الكتاب، لأنَّ الفرزلي لا يتعامل مع الشخصية بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل باعتبارها كيانًا يتبدّل ويُعيدُ إنتاجَ نفسه بحسب مقتضيات السلطة والنجاة والهيمنة.

القيمة الأبرز في هذا العمل تكمن في أنَّ مؤلفه لا يكتب من خارج الموضوع تمامًا. فهو يُصرّحُ بأنه عرف العراق عن قرب، وعاش فيه في مطلع الستينيات، واحتكَّ ببعض بيئاته الاجتماعية والعسكرية والسياسية، كما كانت له أحاديث قليلة مع صدام نفسه. هذه الخبرة لا تمنح الكتاب صفة الوثيقة النهائية، لكنها تضفي عليه حرارة الشهادة وحساسية المراقب المشارك. ولذلك يختلف عن كثيرٍ من الكتب الأكاديمية الباردة التي ترصف المعلومات من بعيد. هنا نشعر أنَّ الكاتب يقرأ العراق من داخله الاجتماعي، لا من خارجه النظري فقط، وهذا ما يمنحه قدرة على التقاط التوتر بين الدولة والعشيرة، وبين الحزب والأجهزة، وبين المجتمع والسلطة.

غير أنَّ هذه الميزة نفسها هي أيضًا منبع إشكال الكتاب. فالفرزلي، في أكثر من موضع، يقترب من موضوعه بلهجةٍ تجمع بين التحليل والتفهّم، وأحيانًا بين التفهّم والاعتذار الضمني. هو لا ينكر القسوة والبطش والتصفيات، بل يذكرها بوضوح؛ لكنه يحرص دائمًا على إبراز “الجُزء المُشرق” من التجربة، من التعليم إلى محو الأمية إلى الزراعة إلى بناء الدولة. وهذا حق من حيث المبدأ، لأنَّ القراءة الجدية لا تختزل التاريخ في لونٍ واحد. لكن المشكلة أنَّ الكتاب، في بعض صفحاته، يميل إلى إعادة التوازن بطريقة غير متوازنة: أي إلى وضع الإنجازات في كفة، والجرائم في كفة، كما لو أن المقارنة ممكنة أخلاقيًا أو تاريخيًا بهذه البساطة. هنا يتراجع النقد البنيوي لمصلحة سردية ترى في صدام مشروع نهضة أُجهض بقدر ما هو نظام قمع أهلك نفسه والبلاد.

تحليليًا، أقوى فصول الكتاب هي تلك التي تبحث في تشكّل الشخصية السياسية المبكر: الطفولة القلقة، اليتم، أثر خير الله طلفاح، التكوين التعليمي الملتبس، الإخفاق في الانتساب السلس إلى الجامعة، والانتقال المبكر إلى العنف الحزبي. في هذه المقاطع يبدو الفرزلي بارعًا في ربط البنية النفسية بالبنية السياسية. فهو يلمّح إلى أنَّ هشاشة التكوين الثقافي المبكر، والشعور بالنقص، والرغبة في التعويض، كلّها عناصر أسهمت في إنتاج شخصية تتشبث بالقوة، وتخفي ضعفها بالخشونة، وتستبدل النقص المعرفي بادعاء التنظير والحسم. هذه قراءة ذكية، لأنَّ المؤلف لا يفسر التاريخ بالسيكولوجيا وحدها، لكنه لا يفصل السياسي عن النفسي أيضًا.

كذلك ينجح الكتاب نجاحًا لافتًا في شرح العلاقة الملتبسة بين الحزب والعشيرة. وهذه ربما من أكثر زواياه أصالة. فالمؤلف يذهب إلى أنَّ صدام لم يكن بعثيًا صرفًا ولا عشائريًا صرفًا، بل استخدم كلًّا منهما ضد الآخر حين تقتضي مصلحة السلطة. الحزب لم يكن عنده عقيدة نهائية، بل أداة؛ والعشيرة لم تكن رابطة دم فقط، بل شبكة ضمان وهيمنة. بهذا المعنى، يلتقط الفرزلي أحد أهم مفاتيح فهم الدولة العراقية في عهد صدام: أنَّ السلطة لم تُبنَ على مؤسسات مستقرة، بل على مزيج من الأمن والقرابة والحزبنة والانقلاب الدائم على الحلفاء. وهنا تظهر براعة الكتاب في إضاءة آليات الحكم لا مجرّد وقائعه.

ومن الفصول الجيدة أيضًا ما يتصل بتحوُّل صدام من العلمانية البعثية إلى توظيف الإسلام سياسيًا. فالكتاب لا يقرأ ذلك التحوُّل بوصفه إيمانًا عقائديًا صريحًا، بل بوصفه إعادة تموضع فرضتها الحرب مع إيران، والحاجة إلى تعبئة رمزية جديدة بعد إضعاف الحزب نفسه. هذا الاستنتاج مُقنِع داخل منطق الكتاب: صدام، بعدما فرّغ البعث من نخبه وحوّله إلى غطاء أمني، احتاج إلى لغة أخرى، فرفع الشعار الإسلامي من دون أن يبني بنية دينية حقيقية تُماثل النموذج الإيراني. ومن هنا تصبح “أسلمة” النظام أقرب إلى أداة تعبئة منها إلى تحوّل فكري أصيل. هذا من أفضل مقاطع الكتاب لأنه يجمع بين قراءة الخطاب وقراءة البنية.

لكن، في المقابل، يعاني الكتاب من مشكلتين منهجيتين واضحتين. الأولى هي أنَّ المؤلف، رُغم كثرة الوقائع والأسماء والإحالات، يراوح أحيانًا بين الشهادة والتحليل من غير أن يضع حدودًا صارمة بين ما يعرفه مباشرة، وما يستنتجه، وما ينقله، وما يظنه راجحًا. وهذا يضعف الصرامة البحثية في بعض المواضع. والثانية أنَّ الكتاب، وهو يركز على “عقل صدام”، يمنح الشخصية المركزية سلطة تفسيرية كبيرة جدًا، بحيث يغدو العراق أحيانًا مجرد مسرح لإرادة رجل واحد. صحيح أنَّ صدام فرض شخصنةً مفرطة على الحكم، لكن اختزال تاريخ العراق الحديث في ذهنية الفرد وحدها قد يحجب ديناميات أعمق: البنية العسكرية، الدولة الريعية، الحرب الباردة، التشظي الطائفي والقومي، أثر النفط، وتحولات الإقليم. الكتاب يلمس هذه العناصر، لكنه يعيدها في النهاية إلى مدار الشخصية أكثر مما ينبغي.

أسلوبيًا، يكتب الفرزلي بلغة صحافية-أدبية عالية النفس، لا بلغة جامعية جافة. وهذا يمنح النص جاذبية ووضوحًا وإيقاعًا. غير أنَّ هذه البلاغة نفسها تجعله أحيانًا يقترب من الجملة الحاسمة قبل أن ينجز برهانها الكامل. فهو بارعٌ في الصياغة، وفي إطلاق العنوان المكثف، وفي بناء المفارقة، لكن هذا قد يقوده أحيانًا إلى نوع من الترميز الأدبي الذي يجمّل الغموض بدل أن يفككه تمامًا. ومع ذلك، تبقى اللغة إحدى حسنات الكتاب، لأنها تتناسب مع موضوعه: شخصية ملبدة بالتناقض، لا تنكشف بلغة تقريرية باردة وحدها.

ما يرفع قيمة هذا الكتاب حقًا أنه لا يكتفي بقول إن صدام مجرم أو إنه بطل فاشل، بل يحاول أن يفسر كيف أمكن لشخصية بهذه القسوة أن تحمل أيضًا مشروع تحديث، وكيف استطاعت دولة بنت التعليم والإدارة والبنية التحتية أن تنزلق، في الوقت ذاته، إلى منطق التصفية والارتياب والحروب العبثية. هذا السؤال هو قلب الكتاب، وهو ما يجعله جديرًا بالقراءة حتى حين نختلف مع بعض أحكامه. فالفرزلي لا يمنحنا أجوبة نهائية بقدر ما يضعنا أمام مأزق عربي حديث: هل يمكن لمشروع الدولة أن يولد داخل بنية استبدادية مطلقة من دون أن ينقلب إلى نقيضه؟ في حالة عراق صدام، يجيب الكتاب ضمنيًا: نعم، يمكن أن يولد؛ لكنه يحمل بذور هلاكه في داخله.

الخلاصة أنَّ “العراقي الغامض” كتابٌ مهم، لا لأنه القول الفصل في صدام حسين، بل لأنه قراءة مركّبة وشجاعة لشخصية ما زالت تستفز الذاكرة العربية وتربكها. إنه كتاب يجمع بين الشهادة والتحليل، بين المعلومة والانطباع، بين الرغبة في الفهم وعدم القدرة على التبرئة. وفي هذا تحديدًا تكمن قوته وحدّه معًا. قوته أنه يرفض “الكليشيه”، وحدّه أنه لا يتحرّر دومًا من جاذبية الشخصية التي يدرسها. ومع ذلك، فهو من الكتب التي تستحق الاهتمام الجدي، لأنه يضيء صدام بوصفه عَرَضًا لخلل أعمق في بنية الدولة العربية الحديثة: دولة تريد أن تتقدم بالقوة، فتأكلها القوة نفسها في النهاية.

Exit mobile version