عندما تتقدَّمُ الحرب وتتأخَّرُ السياسة: مأزقُ المُواجَهة مع إيران

رُغمَ التفوُّق العسكري الواضح الذي أظهرته الولايات المتحدة وإسرائيل في ضرباتهما ضد إيران، تبقى النهاية السياسية للحرب غامضة. فغيابُ هدفٍ نهائي مُحدَّد للصراع يُثيرُ تساؤلاتٍ عميقة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وتداعيات الحرب على موازين القوى الإقليمية والدولية.

ظلّ الحرب يخيم على إيران فيما يتشكل مستقبل قيادتها وعلى رأسها المرشد الجديد مجتبى خامنئي وسط ضباب الصراع.

كولِن كاهل*

يُخيّم ضبابٌ كثيف على مشهد الحرب مع إيران، غير أنّ معطيين أساسيين يبدوان واضحين حتى الآن. أوّلهما حجم التفوُّق العسكري الذي أظهرته الولايات المتحدة وإسرائيل في مسار العمليات؛ إذ تشير التطوُّرات الميدانية إلى سلسلة ضربات مركّزة استهدفت بنية القيادة العسكرية الإيرانية وعددًا كبيرًا من المنشآت والقدرات القتالية. فمنذ أواخر شباط (فبراير)، نُفّذت هجمات واسعة طالت المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات بارزة في الحرس الثوري الإسلامي، إلى جانب استهداف آلاف المواقع العسكرية في أنحاء مختلفة من البلاد، ما ألحق أضرارًا كبيرة بمنصّات إطلاق الصواريخ ومخزونات الطائرات المُسَيَّرة وبعض الأصول البحرية الإيرانية.

أما المعطى الثاني فيتعلّق بطبيعة النظام الإيراني نفسه، الذي تصفه واشنطن وتل أبيب بأنه نظامٌ اتسم، خلال عقود، بسياساتٍ إقليمية صدامية؛ إذ تتهمه الولايات المتحدة بالوقوف وراء هجماتٍ استهدفت مصالحها ومواطنيها، وبقمع الداخل الإيراني، وبالاعتماد على شبكةٍ من الجماعات المسلحة في المنطقة، فضلًا عن مواصلة تطوير برنامجه النووي وسط مخاوف دولية متزايدة.

ومع ذلك، ورُُغمَ وضوح بعض ملامح المشهد العسكري، فإنَّ كثيرًا من جوانب هذه الحرب لا يزال يكتنفه الغموض، في ظلِّ غياب إجاباتٍ واضحة من إدارة الرئيس دونالد ترامب عن أسئلة جوهرية تتعلق بمسار الصراع ونهايته المحتملة. فكيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ وما التداعيات الاستراتيجية التي قد تترتب على هذا الانخراط العسكري؟

التجربة التاريخية للتدخّلات العسكرية الأميركية تُقدّم درسًا متكرّرًا: الحروب التي تُخاض من دون أهدافٍ سياسية مُحدَّدة نادرًا ما تنتهي على نحوٍ مستقر. فعندما تبقى الغاية السياسية غامضة أو محل خلاف، تفقد العمليات العسكرية نقطة التوقف المنطقية؛ إذ تدفع النجاحات التكتيكية إلى طرح أسئلة حول الخطوة التالية، بينما تُستَخدَم الإخفاقات لتبرير توسيع نطاق التدخل. ومع مرور الوقت تتسع المهمة ويطول أمد الصراع، فيما يتراجع المبرر الأولي للحرب أمام دينامياتها الذاتية. وقد لخّص المنظّر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز، في القرن التاسع عشر، هذه الإشكالية حين اعتبر أنَّ الحربَ هي سياسة بوسائل أخرى، غير أنَّ الاستنتاج المقابل لا يقل أهمية: عندما يغيب الهدف السياسي الواضح، قد تتحوّل الحرب نفسها إلى غايةٍ قائمة بذاتها.

مُعضِلة المتفرّج

رُغمَ التصعيد العسكري، تبدو الأهداف السياسية للحرب الأميركية على إيران بعيدة من الوضوح. فمع انطلاق العمليات، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدفًا صريحًا يتمثّل في تغيير النظام. وفي رسالةٍ مُصَوَّرة نشرها عبر منصة “تروث سوشيال” في 28 شباط (فبراير)، دعا ترامب الإيرانيين إلى “استعادة حكومتهم”، معتبرًا أنَّ اللحظة الراهنة قد تكون “فرصة لا تتكرر لأجيال”. غير أنّ الخطاب الرسمي سرعان ما اتسم بالتناقض، إذ تعددت التفسيرات داخل الإدارة نفسها بشأن الهدف النهائي للحرب. فهل تسعى واشنطن إلى فرض حكومة “أكثر قبولًا” كما حاولت في فنزويلا؟ أم إلى تحقيق “استسلام غير مشروط”؟ أم أنَّ الغاية الأساسية هي تفكيك البرنامج النووي الإيراني؟ أم مجرّد إضعاف القدرات العسكرية لطهران بحيث تفقد قدرتها على بسط نفوذها الإقليمي؟

هذا التبايُن ليس تفصيلًا ثانويًا، إذ إنَّ لكلِّ هدفٍ من هذه الأهداف مسارًا مختلفًا تمامًا من حيث طبيعة الحرب المطلوبة والموارد اللازمة والمدة الزمنية المتوقَّعة، فضلًا عن تعريف النصر وخطط ما بعد الصراع. فالسعي إلى تغيير النظام يختلف جذريًا عن محاولة تعديل سلوكه أو تدمير برنامجه النووي أو تقليص نفوذه الإقليمي.

وزاد الغموض الاستراتيجي في الأيام الأخيرة مع صدور إشاراتٍ متناقضة من ترامب نفسه بشأن أفق الحرب ومدتها. ففي محاولة لطمأنة الأسواق العالمية واحتواء ارتفاع أسعار النفط، أشار إلى أنَّ القوات الأميركية “متقدمة كثيرًا على الجدول الزمني” وأنَّ الحرب قد تقترب من نهايتها. لكن بعد ساعات فقط، بدا وكأنه يتراجع عن هذا التقدير، إذ قال أمام مجموعة من المشرّعين الجمهوريين إن الولايات المتحدة “حققت انتصارات في جوانب عديدة، لكنها لم تبلغ الحد الكافي بعد”، مضيفًا أنَّ واشنطن ماضية “بعزمٍ أكبر من أيِّ وقتٍ مضى لتحقيق نصرٍ نهائي يُنهي هذا الخطر المستمر منذ زمن طويل”.

هذا الغموض يضع الإيرانيين وكذلك الجيش الأميركي أمام حالة من عدم اليقين. فبينما تشير تقارير إلى أنَّ بعض الإيرانيين استقبل مقتل المرشد علي خامنئي بارتياح ويرغب في نهاية النظام، يرى مسؤولون في الاستخبارات الأميركية أنَّ احتمال حدوث تغيير سريع في الحكم لا يزال ضعيفًا. غير أنَّ السؤال الأكثر إلحاحًا يتمثل في ما قد يحدث إذا قرر الإيرانيون استغلال ما وصفه ترامب بـ”الفرصة التاريخية” وانتفضوا ضد النظام، وردّت السلطات بقمع واسع كما فعلت في احتجاجات كانون الثاني (يناير) حين قُتل آلاف المتظاهرين المدنيين.

التاريخ القريب يقدم أمثلة تحذيرية. فبعد حرب الخليج عام 1991، شجع الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) العراقيين على الانتفاض ضد نظام صدام حسين، قبل أن تتركهم واشنطن يواجهون حملة قمع دامية. وفي ليبيا عام 2011، سارت إدارة باراك أوباما في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ تدخلت عسكريًا لحماية المدنيين الذين تمردوا على معمر القذافي، لكن النتيجة كانت انهيار مؤسسات الدولة وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية طويلة. واليوم، إذا اندلعت انتفاضة داخل إيران وقوبلت بالقمع، قد يجد ترامب نفسه أمام مُعضِلة مشابهة: إمّا الامتناع عن التدخّل بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وأخلاقية على مصداقية الولايات المتحدة، أو الانخراط عسكريًا بصورةٍ أوسع مع ما يحمله ذلك من مخاطر التوسُّع في المهمة والغرق في صراعٍ مفتوح.

بدلًا من تقليص هذه المُعضِلة، تشير مؤشرات عدة إلى أنَّ إدارة ترامب قد تسهم في تعقيدها. فمع تراجع احتمالات تغيير النظام في المدى القريب، تتجه واشنطن وتل أبيب –وفق تقارير متعددة– نحو خيارٍ بديل يقوم على تأجيج الانقسامات الداخلية داخل إيران. ويشير بعض التقارير إلى أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تُقدّمُ دعمًا وتسليحًا لميليشياتٍ كردية إيرانية في شمال العراق، في حين تُواصِلُ إسرائيل استهداف مواقع حدودية ومراكز شرطة ومنشآت عسكرية قرب الحدود الإيرانية-العراقية.

ورُغمَ أنَّ ترامب ألمح أخيرًا إلى احتمال التراجع عن هذا المسار، فإنَّ المؤشرات الآتية من إسرائيل لا تعكس الموقف نفسه. إذ يبدو أنَّ بعض القادة الإسرائيليين يرون في زعزعة استقرار إيران خيارًا احتياطيًا في حال تعذر إسقاط النظام. غير أنَّ هذا السيناريو قد يقود إلى تفكك الدولة الإيرانية على غرار ما شهدته دول مثل ليبيا وسوريا والعراق بعد العام 2003. وفي بلد يبلغ عدد سكانه نحو 90 مليون نسمة ويقع عند تقاطع جيوسياسي حساس في أوراسيا، فإنَّ انهيار الدولة لن يكون حدثًا محليًا فحسب، بل تطورًا قد يحمل تداعيات عميقة على استقرار المنطقة ومصالح الولايات المتحدة نفسها.

على أهبة الاستعداد

حتى لو توقفت العمليات العسكرية غدًا، فإنَّ سلسلةً من الأسئلة الجوهرية ستبقى مطروحة حول النتائج الاستراتيجية للحرب، وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني. فالغموض الذي يكتنف الكيفية التي تعتزم بها إدارة ترامب تحقيق هدفها المُعلَن المتمثّل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني يثير قلقًا واسعًا في الأوساط الدولية. فقد قدّر مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حزيران (يونيو) الماضي أنَّ إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة نقاء تصل إلى 60%، وهي كمية يمكن، بعد مزيد من المعالجة، أن تكفي لإنتاج ما يقرب من عشرة أسلحة نووية. غير أنَّ الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت داخل إيران لاحقًا جعلت الوكالة غير قادرة على تحديد حجم هذا المخزون بدقة أو معرفة أماكن وجوده. وبعبارة أخرى، لا يوجد في الوقت الراهن تصوُّرٌ واضح لموقع مئات الكيلوغرامات من المواد الانشطارية القريبة من درجة الاستخدام العسكري، أو لكيفية السيطرة عليها.

ويزداد هذا التحدي تعقيدًا إذا خرجت إيران من الصراع الحالي أكثر إصرارًا على تحويل ما تبقّى من قدراتها النووية إلى أداة ردع في مواجهة أيِّ هجمات مستقبلية. فالقصف الجوي وحده لا يمكنه معالجة هذه المُعضِلة. وفي غياب خيار نشر قوات أميركية أو إسرائيلية بأعداد كبيرة على الأرض لتأمين هذه المواد –وهو احتمال بالغ الخطورة قيل إنَّ ترامب درس إمكانه– ستحتاج واشنطن إلى خطة عملية لمراقبة ما بعد النزاع، تُركّزُ على التحقُّق من موقع المخزون النووي الإيراني وضمان عدم استخدامه لأغراضٍ عسكرية. غير أنَّ صياغة مثل هذه الاستراتيجية الديبلوماسية المعقدة تصبح شبه مستحيلة عندما تبقى الأهداف النهائية للحرب غير محددة بوضوح.

ولا تقف تداعيات الحرب عند حدود الملف النووي، بل تمتدُّ إلى أسئلةٍ أوسع تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على حماية مصالحها العالمية. فقبل اندلاع الحرب، أبدى الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، قلقًا من أن يؤدي نزاعٌ طويل وعالي الكثافة في الشرق الأوسط إلى استنزاف المخزونات الحيوية من الذخائر الأميركية، ما قد يُضعِفُ قدرة واشنطن على التعامل مع أزماتٍ أخرى. وقد أظهرت الأيام الأولى من القتال مؤشرات تؤكد هذه المخاوف؛ إذ استهلكت الولايات المتحدة بالفعل كميات كبيرة من ذخائر الضربات بعيدة المدى، إلى جانب مخزون محدود من صواريخ الاعتراض المتطوّرة المستخدمة في الدفاع الجوي لحماية القواعد الأميركية ودول الخليج وإسرائيل من الهجمات الصاروخية والطائرات المُسَيّرة الإيرانية.

ومع تراجُع مخزونات الذخيرة، في وقتٍ تكافح القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية لزيادة الإنتاج بالسرعة الكافية، يواجه البنتاغون احتمال تحقيق نصر مُكلف استراتيجيًا: نجاحٌ عسكري في إيران يقابله تراجع في القدرة على ردع أو مواجهة خصوم كبار في أماكن أخرى، وعلى رأسهم الصين وروسيا. ويزداد هذا التحدّي حدة مع احتمال بقاء عشرات الآلاف من القوات الأميركية في الشرق الأوسط لفترة طويلة بعد انتهاء العمليات القتالية الرئيسة، في إطار مهام الاحتواء ومراقبة الوضع الإيراني وطمأنة الحلفاء في الخليج، إضافةً إلى تنفيذ ضربات متقطعة إذا حاولت طهران إعادة بناء قدراتها العسكرية.

هذا السيناريو ليس جديدًا في التاريخ الأميركي. فبعد حرب الخليج عام 1991، أدى احتواء نظام صدام حسين إلى ترسيخ وجود عسكري أميركي دائم في الشرق الأوسط، وهو وجودٌ لا يزال قائمًا حتى الآن. واليوم، قد تجد واشنطن نفسها أمام وضع مشابه، رُغمَ أنَّ مؤيدي الحرب يؤكدون أنَّ الهدف منها هو إنهاء التهديد الإيراني نهائيًا وتحرير الولايات المتحدة من هذا العبء الاستراتيجي. غير أنَّ المفارقة تكمن في احتمال أن تقود هذه الحرب، بدلًا من ذلك، إلى إعادة إنتاج الالتزام العسكري ذاته الذي تسعى إلى تجاوزه.

وفي نهاية المطاف، تكمن المفارقة الأكبر في أنَّ العرضَ المُذهل للقوة العسكرية الأميركية قد يلفت انتباه الخصوم ويعزز صورة التفوق العسكري لواشنطن، لكنه قد يتركها في الوقت نفسه أكثر إنهاكًا واستنزافًا. فالحرب التي تهدف إلى تأكيد الردع قد تنتهي بإضعاف القدرة الأميركية على مواجهة التحديات الكبرى المقبلة، ما يمنح منافسين مثل الصين وروسيا فرصة لاستثمار هذا الإرهاق الاستراتيجي في السنوات المقبلة.

نهاية اللعبة

قد يكون السؤال الأهم هو ما تعنيه هذه الحرب للنظام الدولي المستقبلي. ففي هذا العام، شنت الولايات المتحدة عمليتين عسكريتين رئيسيتين -ضد فنزويلا وإيران- من دون تحالفات دولية واسعة، أو تفويض من الأمم المتحدة، أو أساس قانوني متين. شنت إدارة ترامب هذه الحرب من دون تصويت من الكونغرس، ومن دون تقديم مبررات استخباراتية للشعب الأميركي، على عكس ما حدث حتى مع التبرير المعيب لحرب العراق في الأشهر التي سبقت الغزو.

يراقب قادة موسكو وبكين تطورات الصراع عن كثب، ليس لأنهم يرفضون القضاء على الخصوم -فهم لا يرفضونه- بل لأن استعداد أميركا للتصرف بشكل أحادي، خارج القيود القانونية التقليدية، يجعل من الصعب للغاية على واشنطن التمسك بالموقف الأخلاقي الراسخ إذا ما انخرطت روسيا في مزيد من العدوان على جيرانها، أو إذا تحركت الصين لغزو تايوان. فكل عرف تنتهكه الولايات المتحدة الآن هو عرف لا يمكنها إجبار الآخرين على احترامه في المستقبل.

لا تُقاس الحروب بمدى نجاح بدايتها. يُحكم على هذه العمليات من خلال نتائجها، ومن خلال ما إذا كانت الدولة التي بدأت القتال ستكون أقوى أم أضعف عندما تهدأ النيران. تؤدي القوات الأميركية التي تنفذ هذه العمليات مهامها باحترافية عالية، لكن ذلك لا يغني عن وضوح الهدف. إن الأسئلة التي تُطرح بهدوء شديد الآن هي التي ستحدد في نهاية المطاف ما إذا كانت هذه الحرب تستحق خوضها.

  • كولن كاهل هو مدير معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد، وشغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية للسياسات من العام 2021 إلى العام 2023.
  • يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفِّيرز” الأميركية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى