مع اتساع المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، تجد دول الخليج العربية نفسها أمام خيار إستراتيجي حاسم: الانخراط في حرب إقليمية واسعة أو الحفاظ على الاستقرار الذي شكّل أساس صعودها خلال العقدين الماضيين.
العنود حمد سعود آل ثاني*
في الأشهر التي تلت الردّ العسكري الإسرائيلي العنيف وغير المتكافئ على هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تكرّرت التحذيرات في الأوساط الديبلوماسية والدولية من أنَّ الحرب لن تبقى محصورة داخل قطاع غزة. فقد نبّهت حكومات ومنظمات دولية، إلى جانب عدد كبير من المراقبين، إلى أنَّ استمرار العمليات العسكرية بهذا الزخم ينطوي على خطرٍ حقيقي يتمثّل في توسُّع الصراع وامتداده إلى ما هو أبعد من حدوده المباشرة، بما قد يَجُرُّ دول المنطقة إلى مواجهة أوسع ويهدّد الاستقرار الإقليمي برمّته.
ومع مرور الوقت، بدا أنَّ طريقة إدارة إسرائيل للحرب تسير في هذا الاتجاه تحديدًا. فمنذ الأيام الأولى، لم تقتصر العمليات على قطاع غزة، بل أخذت تتوسع تدريجًا عبر جبهات متعددة، بالتوازي مع خطابٍ سياسي متصاعد يتحدث صراحة عن إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. بل إنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن بوضوح أنَّ بلاده تسعى إلى “تغيير وجه الشرق الأوسط”، في تصريحٍ عكس تصوُّرًا يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع غزة ليطال بنية النظام الإقليمي بأسره.
ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية وتصاعُد الخطاب السياسي المُصاحِب لها، أصبح واضحًا أنَّ الصراع يتجه نحو مرحلةٍ جديدة، تتجاوز الإطار الجغرافي الضيّق الذي بدأ فيه. وقد أثبتت التطوّرات اللاحقة صحّة هذه التقديرات. فالحملة العسكرية التي انطلقت تحت عنوان القضاء على حركة “حماس” في غزة سرعان ما أخذت أبعادًا إقليمية أوسع. ففي لبنان، انخرط “حزب الله” في مواجهاتٍ متواصلة على الحدود الشمالية لإسرائيل، بينما تحوّلت سوريا إلى ساحةٍ نشطة للضربات العسكرية المتبادلة، في ظلِّ تصاعدٍ ملحوظ في وتيرة العمليات.
ولم يقتصر تمدُّد الصراع على جغرافيا المشرق العربي. فقد تجاوزت العمليات الإسرائيلية نطاق المشرق العربي لتصل إلى البحر الأحمر، حيث دخل الحوثيون في اليمن، إلى جانب فاعلين آخرين متحالفين مع إيران خارج إطار الدول، في دائرة المواجهة. وهكذا تحوّل النزاع تدريجًا من حربٍ محلية إلى أزمةٍ إقليمية متعدّدة الجبهات، تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية مع مصالح اللاعبين الدوليين.
بلغ هذا التصعيد ذروته في حزيران (يونيو) 2025، عندما اندلعت مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران استمرت اثني عشر يومًا، وشكّلت واحدة من أخطر لحظات التوتر العسكري في الشرق الأوسط منذ عقود. فقد كشفت تلك المواجهة حجم التشابك بين ساحات الصراع المختلفة، وأظهرت إلى أيِّ مدى أصبح النزاع يتجاوز حدود النزاعات التقليدية ليأخذ طابعًا إقليميًا مفتوحًا.
وقبل أن تصلَ الأزمة إلى هذه المرحلة، كان الطابعُ الإقليمي للصراع قد بدأ يتبلور بوضوح. فقد أسقطت إسرائيل عمليًا معظم الخطوط الحمراء التي كانت تقيد نطاق عملياتها العسكرية، سواء من حيث طبيعة الأهداف أو الامتداد الجغرافي للهجمات. وتجلّى ذلك بوضوح في الضربة الجوية غير المسبوقة التي استهدفت قطر، والتي أثارت ردود فعل ديبلوماسية واسعة النطاق وأعادت طرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار في المنطقة.
وعلى الرُغم من أنَّ نحو ثمانية أشهر تفصل بين حرب الأيام الاثني عشر في حزيران (يونيو) 2025، والحرب الدائرة اليوم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، فإنَّ الرابط بين الصراعين وثيق وواضح. فقد شكّلت تلك المواجهة القصيرة نسبيًا محطّةً مهمة في إعادة تقييم طهران لخياراتها الإستراتيجية، ودفعت صنّاع القرار الإيرانيين إلى استخلاص دروس بدت آثارها جلية في طريقة إدارتهم للتصعيد الحالي.
ففي المواجهات السابقة، حرصت إيران غالبًا على إظهارِ قدرٍ من الحذر وضبط النفس، مُفضّلةً إدارة التوتر ضمن حدود معيّنة والسعي إلى خفض التصعيد الإقليمي، حتى في لحظات التصعيد المباشر مثل الهجوم على قاعدة العديد في قطر. أما في المواجهة الراهنة، فيبدو أنَّ طهران اختارت مسارًا مختلفًا. فقد اعتمدت إستراتيجية تقوم على الردّ المتدرّج والممتد جغرافيًا على الضربات الأميركية والإسرائيلية، في محاولةٍ لرفع كلفة العمليات العسكرية عليها.
ولم تقتصر الردود الإيرانية هذه المرة على استهداف إسرائيل وحدها. فقد امتدّت الضربات الصاروخية والطائرات المُسيّرة إلى نطاقٍ أوسع، شمل أيضًا دولًا خليجية مجاورة، في خطوةٍ تعكس توجُّهًا واضحًا نحو توسيع دائرة الردّ الإقليمي وربط أمن المنطقة بأكملها بمجريات الصراع.
وقد يكون الهدف المباشر من هذا النهج إظهار حزم طهران وقدرتها على الردع في مواجهة الضغوط العسكرية المتصاعدة. غير أنَّ النتائج الإستراتيجية لهذه المقاربة تبقى محل تساؤل كبير. فاستهداف دول خليجية عملت إيران خلال السنوات الماضية على تحسين علاقاتها معها بحذر قد يعرّض ما تحقَّقَ من تقاربٍ ديبلوماسي إلى انتكاسةٍ واضحة، ويُقوّض مسار التهدئة الإقليمية الذي بدأ يتبلور تدريجًا في السنوات الأخيرة.
هذا الواقع يضع الحكومات الخليجية أمام مُعضِلةٍ إستراتيجية معقّدة. فمع سقوط الصواريخ الإيرانية في المنطقة وما تخلّفه من أضرار مادية وتداعيات سياسية، يتزايد الضغط الداخلي والخارجي على هذه الحكومات لاتخاذ موقف حازم والردّ على تلك الهجمات. غير أنَّ المسألة الأساسية التي تواجهها دول الخليج لا تتعلق فقط بكيفية الردّ، بل بما إذا كان الانخراط المباشر في الحرب سيخدم مصالحها الإستراتيجية في المدى الطويل، أم أنه سيجرّها إلى صراع يخدم حسابات أطراف أخرى.
في كثير من النواحي، قد يتوقف مستقبل ميزان القوى في الشرق الأوسط على الإجابة عن هذا السؤال. فقرار الانخراط في المواجهة أو تجنّبها لن يحدد فقط مسار الحرب الحالية، بل قد يرسم أيضًا ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة.
تحوّلات شهدتها المنطقة
التصعيد الذي تشهده المنطقة اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن تحوّلات أعمق شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية. فقبل اندلاع هذه المواجهة بوقت طويل، كانت المنطقة تمر بعملية إعادة تشكّل هادئة لكنها بالغة الأثر في توازناتها السياسية والإستراتيجية.
خلال العقد الماضي، استندت الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية للشرق الأوسط إلى فرضية أساسية مفادها أنَّ عددًا متزايدًا من الدول العربية —ولا سيما في الخليج— سيتقاطع مع إسرائيل في مواجهة إيران. ومن هذا المنظور، كانت طهران تُقدَّم باعتبارها العقبة الرئيسة أمام ترسيخ التفوُّق الإسرائيلي في الإقليم.
وانطلاقًا من هذه القراءة، رأت إسرائيل أنَّ بناء شبكة من الشراكات والتحالفات الإقليمية لمواجهة إيران يمكن أن يشكّلَ أساسًا لإعادة صياغة النظام الإقليمي بما يعزز موقعها الإستراتيجي. وكان الهدف النهائي لهذا التصوُّر يتمثل في خلق اصطفاف إقليمي واسع يضع إيران في موقع العزلة ويُعيدُ ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط.
غير أنَّ مسار المنطقة سار في اتجاهٍ مغاير لما افترضته تلك الرؤية. فبدلًا من تعميق المواجهة مع طهران، بدأت الدول الخليجية تُدركُ الكلفة الباهظة للتصعيد المستمر، سواء على صعيد الأمن الإقليمي أو الاستقرار الاقتصادي. ومع مرور الوقت، أخذت هذه الدول تميل بصورةٍ متزايدة إلى تبنّي مقاربات تقوم على الديبلوماسية والوساطة وخفض التوتر بدلًا من المواجهة المباشرة.
في هذا الإطار، شهدت العلاقات بين عدد من العواصم الخليجية وإيران تحوّلًا تدريجيًا. فبعد سنوات من العداء العلني والتوتر المتكرر، بدأت هذه العلاقات تميل إلى شكلٍ من أشكال التعايش الحذر، مع توسّع قنوات الحوار وتراجع حدّة الخطاب التصعيدي. وفي الوقت نفسه، شهدت العلاقات بين عدد من القوى الإقليمية الأساسية —من بينها قطر والسعودية ومصر وتركيا— تحسنًا ملحوظاً بعد فترة طويلة من التنافس والانقسامات الحادة.
وقد أسهمت هذه المصالحات المتتالية في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية تدريجًا. فمع اتساع دائرة التفاهمات السياسية، بدأت تتبلور درجة أكبر من التماسك الإقليمي، كما تعزّزت القدرة الديبلوماسية الجماعية لدول المنطقة في التعامل مع الأزمات الإقليمية.
شكّلت حرب غزة لاحقًا نقطة تحوّل إضافية في هذه الديناميكيات. فقد ساهمت الحرب في تسريع مسار التنسيق السياسي بين عدد من الدول العربية والإسلامية. فقد تبنّت الدول الخليجية مواقف ديبلوماسية واضحة تنتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية، وعملت على حشد دعم دولي واسع لوقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
وبالتوازي مع ذلك، أخذ يتشكّل قدرٌ أكبر من التنسيق السياسي عبر العالمين العربي والإسلامي، ترافق مع بروز سردية سياسية مشتركة ترى في السياسات الإسرائيلية أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة. وقد مثّلت هذه التطوّرات مصدر قلق متزايد لإسرائيل، إذ بدت وكأنها تعكس تحوّلًا تدريجيًا في البيئة السياسية الإقليمية.
فبدلًا من أن تتجه المنطقة نحو مزيد من التطبيع والاصطفاف في مواجهة إيران، كما توقعت بعض الحسابات الإسرائيلية، بدأت دول المنطقة تتبنّى موقفًا سياسيًا أكثر استقلالًا وتنسيقًا في ما بينها. وقد يفرض هذا التحوّل قيودًا جديدة على الطموحات الإقليمية لإسرائيل وعلى قدرتها على إعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق رؤيتها.
التصعيد والفرصة الإستراتيجية
في هذا السياق، أدخلت الحرب الحالية ديناميكية إستراتيجية مختلفة عمّا كان سائدًا في السنوات الماضية. فقرار إيران توسيع نطاق ردودها العسكرية ليشمل الدول الخليجية ينطوي على مخاطرة كبيرة، لأنه قد يخلق الظروف التي طالما سعت إسرائيل إلى تحقيقها: مواجهة مباشرة بين إيران ودول الخليج.
فإذا اختارت هذه الدول الردّ عسكريًا والانخراط في ضربات انتقامية متبادلة، فإنَّ طبيعة الصراع ستتغير جذريًا. عندها لن يبقى النزاع في جوهره مواجهة إسرائيلية–إيرانية، بل قد يتحوّل إلى حرب إقليمية أوسع تصبح فيها الدول الخليجية أطرافًا رئيسة في الصراع.
ومن منظورٍ إستراتيجي إسرائيلي، قد يحقق هذا السيناريو مكاسب مهمة. فاندلاع مواجهة طويلة الأمد بين إيران والدول الخليجية قد يؤدي إلى استنزاف موارد الطرفين معًا، في الوقت الذي يعيد رسم موازين القوى الإقليمية بصورة قد تصبّ في مصلحة إسرائيل في المدى البعيد.
كلفة التصعيد
غير أنَّ مخاطر التصعيد لا تقتصرُ على ميدان القتال وحده. فخلال العقدين الماضيين، ارتبطَ صعودُ دول الخليج إلى حدٍّ كبير بعوامل الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي. وقد مكّنت هذه البيئة مدنًا مثل دبي والدوحة والرياض من ترسيخ مكانتها كمراكز دولية للتجارة والمال والاستثمار، وجعلت من الخليج أحد أكثر الأقاليم ديناميكية في الاقتصاد العالمي.
إلّا أنَّ الحرب الإقليمية الدائرة اليوم تُهدّدُ هذه الأسس التي قامت عليها نهضة المنطقة. فمع اتساع دائرة الصراع، يبرز خطر تحوّل الانتباه والموارد بعيدًا من البيئة الجيوسياسية المستقرّة نسبيًا التي سمحت لدول الخليج بتعزيز نفوذها الاقتصادي والديبلوماسي خلال السنوات الماضية.
وفي مثل هذا السيناريو، قد تجد دول الخليج نفسها وقد انتقلت من موقع مركز إقليمي صاعد ومؤثر إلى طرف مباشر في ساحة معركة أوسع، تدور رحاها حول صراع تتجاوز أبعاده حدود المنطقة. بل إنَّ النتائج الإستراتيجية لهذا الصراع قد لا تُحسَم في الشرق الأوسط وحده، بل في موازين القوى الدولية الأوسع.
يزيد من خطورة هذا الاحتمال التباين الواضح في طبيعة الحوافز الإستراتيجية بين الأطراف المعنية. فبالنسبة إلى إسرائيل، وإلى إيران بدرجة أقل، يُقدَّم الصراع في كثير من الأحيان بوصفه مواجهة وجودية وحضارية. وغالبًا ما تتسم الحروب التي تُصوَّر بهذه الطريقة بغياب سقفٍ واضح للتصعيد، إذ تصبح الفوضى والاضطرابات الاقتصادية وعدم الاستقرار الطويل الأمد كلفة يمكن تحمّلها في سبيل تحقيق أهداف إستراتيجية كبرى.
في المقابل، تنطلق الحسابات الخليجية من منطلقات مختلفة تمامًا. فما قد يُنظَرُ إليه في سياق صراع وجودي على أنه ثمنٌ مقبول لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، قد يحمل بالنسبة إلى المجتمعات والاقتصادات الخليجية كلفة أعلى بكثير. فاقتصادات الخليج تقوم إلى حد كبير على الاستقرار والانفتاح والتكامل مع الأسواق العالمية، وهي عوامل قد تتعرض لاهتزاز عميق في حال انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية طويلة.
ولا تقتصر تداعيات مثل هذا السيناريو على المنطقة وحدها. فدول الخليج ما تزال تمثل محورًا أساسيًا في منظومة الطاقة العالمية، كما تشكل ممرّاتها البحرية شرايين حيوية للتجارة الدولية وتدفقات الاستثمار. وأيُّ اضطراب واسع في استقرار الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
لذلك، فإنَّ منع تحوّل المنطقة إلى مركزٍ لمواجهة عسكرية ممتدة لا يشكّل مصلحة خليجية فحسب، بل يُمثّلُ أيضًا مصلحة دولية أوسع. ففي عالمٍ مترابط اقتصاديًا وسياسيًا، لا يمكن عزل تداعيات عدم الاستقرار في الخليج عن النظام الاقتصادي العالمي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار هذه المنطقة الحيوية.
القيمة الإستراتيجية لضبط النفس
في ضوء هذه المعطيات، تجد الدول الخليجية نفسها أمام خيارٍ صعب لكنه بالغ الأهمية. فمن ناحية، قد يبدو الردّ العسكري على الهجمات الإيرانية الخيار الأكثر انسجامًا مع المنطق السياسي والأمني، لا سيما في ظلِّ حقها المشروع في الدفاع عن نفسها، وما قد تواجهه من ضغوط داخلية تدعو إلى الردّ الحازم. غير أنَّ الحسابات الإستراتيجية غالبًا ما تتطلب قدرًا من ضبط النفس يتجاوز ردود الفعل اللحظية، خصوصًا عندما تكون المخاطر المحتملة للتصعيد أكبر من مكاسبه.
فانخراط دول الخليج بصورة مباشرة في الحرب قد يفتح الباب أمام تحويل المنطقة إلى الساحة الرئيسة لصراع طويل الأمد، تتشابك فيه مصالح قوى إقليمية ودولية، وتبقى نتائجه الإستراتيجية مفتوحة على احتمالات غير متوقعة وربما مدمّرة.
في المقابل، فإنَّ إعطاء الأولوية للديبلوماسية وضبط النفس والصبر الإستراتيجي قد يتيح لهذه الدول الحفاظ على قدرتها على التأثير في البيئة الإقليمية الأوسع. ومن المهم التأكيد أنَّ ضبط النفس لا يعني الضعف، بل يعكس فهمًا أعمق لطبيعة التنافس الإستراتيجي الذي يتكشَّف في الشرق الأوسط. فبرفضها الانجرار إلى حربٍ أوسع مع إيران، تستطيع الدول الخليجية الحفاظ على استقرارها الاقتصادي، وصون مرونتها الديبلوماسية، ومنع أطراف أخرى من فرض مسار الصراع عليها.
مستقبل المنطقة
إنَّ القرار الذي ستتخذه الدول الخليجية في هذه اللحظة قد يكون حاسمًا لمستقبل الشرق الأوسط. ففي حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران ودول الخليج، قد يجد الإقليم نفسه أمام حرب واسعة تستنزف موارده وتدفعه إلى الخروج من هذا الصراع أكثر ضعفًا وتفكّكًا. فالمراكز الاقتصادية التي شكّلت ركيزة صعود المنطقة قد تتضرّر بشدة، وقد يتراجع تماسكها السياسي، كما قد تتقلّص قدرتها على الحفاظ على قدرٍ من الاستقلالية الإستراتيجية في عالمٍ يزداد استقطابًا.
أما إذا نجحت دول الخليج في مقاومة منطق التصعيد والعمل على احتواء الصراع، فإنَّ المنطقة ستحتفظ بقدر أكبر من القدرة على التأثير في ملامح النظام الإقليمي لما بعد الحرب. ومن خلال إعطاء الأولوية لضبط النفس، تستطيع هذه الدول استخدام أدوات نفوذها الاقتصادي والمالي والديبلوماسي للدفع نحو خفض التصعيد، والمساهمة في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
كثيراً ما تولّد الأزمات شعورًا بأنَّ التحرُّك الفوري هو الخيار الوحيد المتاح. غير أنَّ التجربة التاريخية تشير إلى أنَّ أكثر القرارات الإستراتيجية تأثيرًا ليست دائمًا تلك التي تُتخذ تحت ضغط اللحظة، بل تلك التي تُبنى على رؤيةٍ أوسع للمصالح بعيدة المدى. وقد يبدو في بعض الأحيان أنَّ المنطقة تقف على بُعدِ خطوات قليلة من مأزقٍ إستراتيجي حاسم، لكن الردّ الأكثر قوة قد يكون ببساطة في رفض الانجرار إلى هذا المسار.
بعبارةٍ أخرى، قد تكون الخطوة الأكثر حكمة في لعبة التصعيد الحالية هي الامتناع عن اللعب وفق قواعدها.
- العنود حمد سعود آل ثاني هي باحثة قطرية وزميلة غير مقيمة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية.
