هنري زغيب*
“بِـحرب الكبار شو ذَنْب الطُفولِه”؟ صرخةٌ وجيعة أَطلقتْها الخالدة فيروز قبل 49 سنة في رائعة الأَخوين رحباني: مسرحية “بترا” (1977).
نادتْني هذه الصرخة وأَنا أَمام مشْهَدٍ صامتٍ أَعمقَ وأَبلغَ من كلِّ الكلام في صورةٍ تلقَّيْتُها قبل يومين: موكبُ نازحين شمالًا، فيه سيارتان متجاورتان، متلازَّتان كثيرًا بسبب الزحمة في شارع ضيِّق. من نافذة إِحداهما طفلٌ في نحو الرابعة يمدُّ يده خارجًا، في كفِّه فطيرةُ خبزٍ يُسْديها إِلى طفلةٍ في سنِّه تَمدُّ يدها من نافذة السيارة اللصيقة المجاورة، وتتلقَّف الفطيرة في كفِّها.
هذه هي الصورةُ الصامتة البليغة: فطيرةُ خبزٍ بين كَفَّي طفلَيْن، وابتسامتان بريئتان من عالَم الطفولة.
لا أَعرف مَن هُما الطفلان، ولا من أَين ينزحان، ولا إِلى أَين يذهب بهما أَهلُهما في تَيْنك السيارتَيْن وسْط غابة من السيارات النازحة على عجلٍ بذعر وقلق وغضب. لا أَعرف أَيَّ تفصيلٍ عنهما. ولا يَهُمُّ أَن أَعرف. منظرُهُما وحدَه أَهمُّ من أَن أَعرف. بادرةُ الطفل حيال تلك الطفلة جارتِه في السيارة الأُخرى، تَختصر ملحمةً إِنسانيةً من القهْر، يعيشُها نازحون من قلب لبنان إِلى قلب لبنان.
لا أَعرف مَن هُما. فَلْأُسَمِّهِما محمود وسناء. ولْأَخترقْ هذه الصورة لأَستنطقَ وجهَيهما الغافلَيْن عن كلِّ ما يجري، عن كلِّ كيف ولِماذا وإِلى أَين. لا يعرفان كيف جرى ما جرى. ولا لِماذا أَيقظَهُما والِدُوهما وانتشلُوهُما من فراشهما الدافئ. ولا إِلى أَيْن يذهبُ بهما أَهلُهما. لا يعرفان شو يعني أَنهما من الجنوب أَو من ضاحية بيروت الجنوبية أَو من البقاع، ولا شو يعني أَنهما من أُسرتَيْن شيعيَّتَيْن، وأَنهما من طائفة كبرى رئيسَةٍ في لبنان، ذاتِ تاريخٍ عريقٍ وطقوسٍ مباركةٍ وأَعلامٍ خالدين.
وأَكثر: لا يعرفان أَنَّ طفلًا في سنِّهما، جميلًا أَشقرَ أَخضرَ العينَيْن، يُدعى علي جابر، طلَبَ من والده المعاون أَوَّل في قوى الأَمن الداخلي حسَن علي جابر أَن يشتري له لوح شوكولا من دكَّانٍ على ناصية الشارع في قريته يانوح (قضاء صور). وما إِنْ أَوقفَ والدُه السيارة كي يترجَّل إِلى الدكَّان، حتى صَعَقَتْهُ غارةٌ وحشيةٌ إِسرائيلية أَحرقَت السيارة ورمَّدَتْها بحسَن وابنه علي الجميل الأَشقر الأَخضر العينَيْن.
كلُّ هذا لم يعرفْ به الطفل محمود ولا تعرفُه الطفلة سناء. ولا أَنا أَعرف أَين استقرَّ بأَهلهما النزوحُ في مراكز الإِيواء، بين أُلُوف الأَهالي المهجَّرين مقتَلَعين من بيوتهم وقُراهم وصيامهم وسحورهم ورمضانهم الكريم، لا حاملين معهم وبهم وفيهم سوى القهر والغضَب لوُقوعهم الحارق في حالةٍ من الترجِّي لإِيجاد غرفة لهم، وفراشٍ لأَولادهم، ولقمةٍ لأَطفالهم ولو بحجم الفطيرة الأَسْداها محمود إِلى سناء. قد يجد الطفلان محمود وسناء ما يُلهيهما في مركز الإِيواء حيثما استقرَّ أَهلُهما، لكنهما لن يَشعرا بما في قلوب أَهلهما من هياج غضبٍ ولوم، هم الْكانوا يعيشون بكرامة ورفعة واكتفاء في بيوتهم وقُراهم وأَعمالهم وعيشهم السليم.
أَتصوَّر محمود وسناء بعد عشرين سنة. يلتقيان في مكانٍ ما، في ظرفٍ ما، في مناسبةٍ ما. يتعارفان من جديدٍ مستذْكرَيْن ذاك النُزُوح ذات حقبة صعبة من 2026. يتذكَّران فطيرة الخبز أَسداها محمود إِلى سناء من نافذة السيارة ثم تفارقا إِلى مركز إِيواء. ودارت الأَيام، ودار بهما لبنان من دورة إِلى دورة، ومن دُوار إِلى دوار. ويكون أَنَّ الدُوارَ انهار، والدورةَ انقشعت غماماتها السوداء عن فضاء وطنٍ قويٍّ متصالح. وها هما في ربيع العمر: اثنان يجمعُهُما الإِيمان، بوطن لا كالأَوطان، فيه ولَهُ يَعمَلان، كي يستحقَّا نعمةَ أَن يكونا من أَبناء لبنان.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُر هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت).
