التصعيد تحت السيطرة: لماذا اختار الحوثيون حرب الظل بدل المواجهة الشاملة؟

في خضم مواجهة إقليمية عالية التوتر، برز السلوك الحوثي كنموذج للتصعيد المحسوب لا الانخراط الكامل. وبين الردع العسكري والضغوط الاقتصادية وتعقيدات التوازنات الإقليمية، تتكشف معادلة دقيقة تحكم قرارات الحرب والسلم لدى فاعل غير دولتي.

الحوثيون: حضور رمزي وتصعيد محسوب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

الدكتور سعود المولى*

اتسم انخراط جماعة الحوثي في المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بطابعٍ محدود ومدروس، عكس قدرًا واضحًا من الحذر والتدرّج في إدارة التصعيد. وقد أثار هذا النمط من السلوك تساؤلات حول منطق التدخّل لدى فاعلٍ غير دولتي يمتلك أدوات ضغط ذات امتداد إقليمي، وحول المحدّدات التي تضبط قراراته في لحظات التوتر عالية الكلفة.

في هذا السياق، تنطلق هذه الورقة من إشكالية مركزية مفادها: لماذا اختار الحوثيون الاكتفاء بـ”تدخل محدود” بدل الانخراط الكامل، رُغم امتلاكهم وسائل تصعيد قادرة على إحداث تأثيرات أوسع؟ وتفترض الورقة أنَّ هذا الخيار لا يمكن تفسيره بعاملٍ واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين اعتبارات الردع العسكري، والضغوط الاقتصادية، وحسابات التوازنات الإقليمية.

كما خلصت الورقة إلى أنَّ السلوك الحوثي لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس استراتيجية “تصعيد مقيّد” تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة؛ وأنَّ الحوثيين يعيدون توظيف أدوات القوة لديهم ضمن حسابات دقيقة تُوازِن بين النفوذ والبقاء، مع الحفاظ على أوراقهم الاستراتيجية غير المستخدمة، وعلى رأسها ورقة البحر الأحمر.

الإطار النظري والمنهجي

اعتمدت الورقة على مقاربتين نظريتين أساسيتين لفهم منطق السلوك الحوثي في سياق التصعيد المحدود:

  1. نظرية الردع (Deterrence Theory)، خصوصًا في نسختها غير المتكافئة، التي تفسّرُ كيف تلجأ الجهات الأضعف إلى استخدام أدوات منخفضة الكلفة نسبيًا لإحداث تأثير استراتيجي يتجاوز حجم قدراتها التقليدية.
  1. نظرية الحرب غير المتكافئة (Asymmetric Warfare)، التي توفّر عدسة تحليلية لفهم كيفية تصرُّف الفاعلين من غير الدول عند مواجهة قوى تقليدية متفوّقة عسكريًا.

وإلى جانب هاتين المقاربتين، توظّف الورقة مفهوم “التصعيد تحت العتبة” (Escalation Below Threshold) لتفسير النمط العملياتي الذي اعتمده الحوثيون، حيث تُدار العمليات ضمن مستويات محسوبة من التوتر دون بلوغ حد المواجهة الشاملة. ومن الناحية المنهجية، تستند الورقة إلى تحليل متقاطع للمعطيات العسكرية والاقتصادية، وربطها بالسياق الإقليمي الأوسع، بهدف تقديم قراءة متماسكة للعوامل التي تحكم سلوك الجماعة وتوجّه قراراتها.

أولًا: طبيعة التدخل الحوثي – بين الرمزية والحسابات الاستراتيجية

الهجمات التي نُفذت، على الرغم من محدودية أثرها العسكري، أدت وظيفة سياسية ورمزية، تمثلت في إثبات الحضور ضمن محور إقليمي أوسع من دون تحمّل كلفة التصعيد الشامل. وهذا يعكس عقيدة: الضرب حيث يكون التأثير السياسي أكبر من المخاطر العسكرية.

وقد اتسم التدخل الحوثي بخصائص عدة رئيسة:

خلاصة: السبب الأساسي لتوقيت التدخّل المتأخِّر هو موازنة دقيقة بين موقف دعمهم لإيران وتجنُّب ردود فعل مدمّرة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك الحفاظ على مصالحهم الداخلية وعلاقاتهم الإقليمية في آن.

تعكس هذه السمات انتقال الحوثيين من نموذج “الردع غير المتكافئ المفتوح” إلى نموذج “الردع المقيد”، حيث يتمُّ استخدام القوة بشكل انتقائي لتفادي ردود فعل مدمّرة.

ثانيًا: مركز الثقل الاستراتيجي – البحر الأحمر كسلاح ردعٍ مؤجَّل

يمثل البحر الأحمر، وبشكل خاص مضيق باب المندب، مركز الثقل الاستراتيجي (Center of Gravity) للحوثيين، نظرًا لتأثيره المباشر على:

إلّا أنَّ الامتناع عن استخدام هذه الورقة يشير إلى تحوُّل نوعي في التفكير الاستراتيجي، حيث تم:

بالتالي، فإنَّ ضبط استخدام هذه الورقة يعكس وعيًا بحدود القوة، وليس تراجعًا عنها.

ثالثًا : طبيعة الاستراتيجية العسكرية الحوثية

اعتمد الحوثيون سابقًا على نموذج الردع غير المتكافئ (Asymmetric Deterrence)، القائم على كلفة منخفضة (صواريخ/مسيّرات) مقابل تأثير عالي (تهديد التجارة والطاقة).

لكن في هذه الحرب، نلاحظ تحوُّلًا إلى: الردع المُقيَّد (Constrained Deterrence) أي استخدام القوة من دون تفعيل أقوى أدواتها.

من هنا فقد تميزت الاستراتيجية العسكرية الحوثية بالعناوين التالية:

  1. الحذر الاستراتيجي: سلوك محسوب لتجنب التصعيد الشامل.
  2. التصعيد المحدود (Controlled Escalation): مشاركة من دون الانخراط الكامل.
  3. توازن المخاطر والمكاسب: فكل خطوة تُحسب وفق احتمالات الرد العسكري، والتأثير الاقتصادي، والاستقرار الداخلي.
  4. الحرب غير المباشرة، من حيث إن الحوثيين جزء من شبكة إقليمية تقودها إيران.
  5. أهمية الاقتصاد في القرار العسكري: القرارات ليست عسكرية فقط بل اقتصادية أيضًا.

رابعًا: أثر الردع العسكري وإعادة تشكيل السلوك الحوثي

أسهمت تجربة الضربات الأميركية-الإسرائيلية خلال الفترة 2024–2025 في الردع العسكري من خلال:

أدى ذلك إلى إعادة تشكيل السلوك الحوثي من نمطٍ هجومي مستمر إلى نمط ضربات محسوبة ومنخفضة المخاطر. هذا التحوُّل يعكس نجاحًا نسبيًا لسياسات الردع، ليس في إنهاء القدرة الحوثية، بل في إعادة ضبط استخدامها.

خامسًا: القيود الاقتصادية كعامل حاسم في القرار العسكري

لعبت العوامل الاقتصادية دورًا مركزيًا في ضبط السلوك الحوثي. وعليه فقد كان القرار العسكري الحوثي في جوهره قرارًا اقتصاديًا-استراتيجيًا مركّبًا.

  1. الاقتصاد الداخلي الحوثي (نقطة ضعف حرجة): فهو يعاني من هشاشة هيكلية واعتماد جُزئي على التجارة المحدودة وتهريب النفط وعلى تدفقات خارجية (رواتب/تحويلات) ومن تأثير العقوبات ومن تدمير البنية التحتية وتراجع الإيرادات. وبالتالي فقد كان أي تصعيد كبير يعني خطر انهيار داخلي وشيك.
  2. العلاقة الاقتصادية مع السعودية: هذه نقطة استراتيجية غالبًا ما يقع التقليل من أهميتها. فالسعودية مصدر دعم غير مباشر، إذ تمول جزئيًا الرواتب في مناطق الحوثيين، وتمثل صمام استقرار اقتصادي. وبالتالي فلم يكن في حساب الحوثيين قطع هذا الشريان، فتجنبوا ضرب البحر الأحمر. وهذا قرار اقتصادي، إذ إنَّ أيَّ تصعيد واسع، خصوصًا في البحر الأحمر، سيؤدي إلى تقويض هذه العلاقة وتسريع الانهيار الاقتصادي الداخلي.
  3. التأثير العالمي المحتمل (لو صعّد الحوثيون): إغلاق باب المندب يعني ارتفاع أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولارًا، والتضخم العالمي، وتعطيل سلاسل الإمداد. لكن هذا السلاح فعّال فقط في حال كان قابلًا للاستمرار. في حين أن الحوثيين كانوا غير قادرين على تحمّل تبعاته.

سادسًا: الحوثيون كفاعل عقلاني ضمن شبكة إقليمية

على الرغم من كونهم فاعلًا لا دولتيًا، يظهر الحوثيون سلوكًا قريبًا من سلوك الدول، يتمثل في:

  1. حسابات دقيقة للكلفة والعائد، وإدارةٌ واعية للعلاقات والتحالفات.
  2. الحفاظ على هامش استقلال نسبي عن إيران: في هذا السياق، لا يمكن فهم تدخلهم إلّا ضمن إطار الحرب غير المباشرة، حيث يشكلون جزءًا من شبكة إقليمية أوسع، لكن من دون فقدان قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة مرتبطة بمصالحهم المحلية.
  3. وبالتالي فلم يكن الهدف الحقيقي من التدخل عسكريًا بحتًا، بل:
    • دعم إيران تفاوضيًا.
    • الحفاظ على مكانتهم الإقليمية.
    • تعزيز شرعيتهم الداخلية.
    • إبقاء خيار التصعيد مفتوحًا.

سابعًا: منطق “التصعيد المقيّد” ومعادلة القرار الحوثي

يمكن تفسير السلوك الحوثي من خلال معادلة مبسطة: إذا كان التصعيد يعزز النفوذ السياسي ولا يهدد البقاء، فيتم اعتماده.  أما إذا كان يهدد الاستقرار الداخلي أو يؤدي إلى رد مدمر، فيتم تجنبه.

يندرج هذا ضمن استراتيجية “التصعيد تحت العتبة”، التي تسمح بتحقيق أقصى قدر من التأثير بأدنى كلفة ممكنة. وهذا هو مفتاح فهم سلوك الحوثيين، إذ قاموا بضربات لا تستفز ردًا شاملًا، وأطلقوا تهديدات من دون تنفيذ كامل، وسجلوا حضورهم من دون انخراط كامل.

الخاتمة

التدخل الحوثي المحدود لا يعكس حالة ضعف، والحوثيون لا يتصرفون كقوة متهورة، بل كفاعل عقلاني براغماتي عالي الحسابات، يقوم على موازنة دقيقة بين النفوذ والبقاء. لقد أعادت الضربات العسكرية السابقة (قبل الحرب الأخيرة) تشكيل هذا السلوك، فيما فرضت القيود الاقتصادية والتوازنات الإقليمية سقفًا واضحًا للتصعيد. وفي هذا الإطار، تحوّلت الأدوات الأكثر تأثيرًا، وعلى رأسها ورقة البحر الأحمر، إلى وسائل ردع احتياطية واستراتيجية مؤجلة بدلًا من استخدامها كأدوات ضغط تكتيكية فورية. كما أعادت الضربات السابقة تشكيل سلوكهم العسكري من “هجومي” إلى “حذر تكتيكي”. وكان الاقتصاد الداخلي والعلاقة مع السعودية عنصران حاسمان في كبح التصعيد.

بالتالي، فإنَّ الحوثيين لم يخوضوا حربًا شاملة، بل مارسوا دورًا تكتيكيًا محسوبًا ضمن استراتيجية إقليمية أوسع، قائمة على إدارة التصعيد لا الانخراط فيه. وتدخّلهم الحالي خدم إيران سياسيًا كما خدمهم داخليًا.

Exit mobile version